الذاكرة الشعريّة(لغةالمرآيا والنصّ الفسيفسائي)عند الشاعرة جميلة بلطي عطوي-أتوق أليك

40

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّةالتعبيريّة

بقلم : كريم عبدالله – بغداد – العراق 30/9/2020

شعريّةُ الذاكرة في القصيدة السرديّةالتعبيريّة .

ثانياً : الذاكرة الشعريّة ( لغةالمرآيا والنصّ الفسيفسائي ) عند الشاعرة : جميلة بلطي عطوي – أتوق أليك ……

يقول سركون بولص : ونحن حين نقول قصيدة النثرفهذا تعبير خاطىء , لأنّ قصيدة النثر في الشعر الأوربي هي شيء آخر , وفي الشعرالعربي عندما نقول نتحدث عن قصيدة مقطّعة وهي مجرّد تسمية خاطئة , وأنا أسمّي هذاالشعر الذي أكتبه بالشعر الحرّ , كما كان يكتبه إليوت و أودن وكما كان يكتبه شعراءكثيرون في العالم . واذا كانت تسميتها قصيدة النثر , فأنت تبدي جهلك , لأنّ قصيدةالنثر هي التي كان يكتبها بودلير ورامبو ومالارميه , أي قصيدة غير مقطّعة . من هنابدأنا نحن وأستلهمنا فكرة القصيدة / السرديّة التعبيريّة / بالأتكاء على مفهومهندسة قصيدة النثر ومن ثمّ التمرّد والشروع في كتابة قصيدة مغايرة لما يُكتب منضجيج كثير بدعوى قصيدة نثر وهي بريئة كل البراءة من هذا الاّ القليل ممن أوفى لهاحسبما يعتقد / وهي غير قصيدة نثر / وأبدع فيها ايما ابداع وتميّز , ونقصد انّ مايُكتب اليوم انما هو نصّ حرّ بعيد كل البُعد عن قصيدة النثر . انّ القصيدةالسرديّة التعبيريّة تتكون من مفردتي / السرد – التعبير / ويخطيء كثيرا مَن يتصورأنّ السرد الذي نقصده هو السرد الحكائي – القصصي , وأنّ التعبير نقصد به الأنشاءوالتعبير عن الأشياء . انّ السرد الذي نقصده انما هو السرد الممانع للسرد أي انّهالسرد بقصد الأيحاء والرمز والخيال الطاغي واللغة العذبة والأنزياحات اللغويّةالعظيمة وتعمّد الأبهار ولا نقصد منها الحكاية أو الوصف, أما مفهوم التعبيريّةفأنّه مأخوذ من المدرسة التعبيريّة والتي تتحدث عن العواطف والمشاعر المتأججةوالأحاسيس المرهفة , اي التي تتحدث عن الآلآم العظيمة والمشاعر العميقة وما تثيرهالأحداث والأشياء في الذات الأنسانيّة . انّ ما تشترك به القصيدة السرديّةالتعبيريّة وقصيدة النثر هو جعلهما النثر الغاية والوسيلة للوصول الى شعرية عاليةوجديدة . انّ القصيدة السرديّة التعبيريّة هي قصيدة لا تعتمد على العروض والأوزانوالقافية الموحّدة ولا التشطير ووضع الفواصل والنقاط الكثيرة او وضع الفراغات بينالفقرات النصيّة وانّما تسترسل في فقراتها النصيّة المتلاحقة والمتراصة مع بعضهاوكأنّها قطعة نثريّة . أنّ القصيدة السرديّة التعبيريّة هي غيمة حبلى مثقلةبالمشاعر المتأججة والأحاسيس المرهفة ترمي حملها على الأرض الجرّداء فتخضّر الروحدون عناء أو مشقّة .

وسعياً منّا الى ترسيخ مفهوم القصيدةالسرديّة التعبيريّة قمنا بأنشاء موقع الكترونيّ على ( الفيس بوك ) العام 2015,اعلنا فيه عن ولادة هذه القصيدة والتي سرعان ما أنتشرت على مساحة واسعة من أرضناالعربية ثم ما لبثت أنّ انشرت عالمياً في القارات الأخرى وأنبرى لها كتّاب كانواأوفياء لها وأثبتوا جدارتهم في كتابة هذه القصيدة وأكّدوا على أحقيتها في الأنتشاروأنطلاقها الى آفاق بعيدة وعالية . فصدرت مجاميع شعرية تحمل سمات هذه القصيدةالجديدة في أكثر من بلد عربي وكذلك مجاميع شعرية في أميركا والهند وافريقياواميركا اللاتينية وأوربا وصار لها روّاد وعشّاق يدافعون عنها ويتمسّكون بجماليتهاويحافظون على تطويرها .

سنتحدث تباعاً عن تجلّيات هذه اللغة حسبمايُنشر في مجموعة السرد التعبيري – مؤسسة تجديد الأدبيّة – الفرع العربي , ولتكنهذه المقالات ضياء يهتدي به كل مَنْ يريد التحليق بعيدا في سماوات السرديةالتعبيرية .

أنّالذاكرة هي المخزن الآمن والبعيد لآلآف الذكريات التي مرّت عينا , وهناك ذاكرةنشطة وأخرى خاملة , فالذاكرة النشطة هي التي تمتلكها الذات الشاعرة وبمقدورها أنتستحضر تلك الذكريات القديمة الغافية على ضفافها , وبثّ الروح فيها من جديد فيالزمن الحالي , هي لحظة الأمساك بالزمن الماضي والعودة به الى الزمن الحاضر من أجلفكرة معينة , او موقف معين , أو الأستشهاد بهذه الذكريات لغاية ما .

ثانياً : الذاكرة الشعريّة ( لغةالمرآيا والنصّ الفسيفسائي ) عند الشاعرة : جميلة بلطي عطوي – أتوق أليك ……

في هذا النصّ نجد ( التسجيل المرئي ) حاضراً عن طريق الصور الكثيرةوالمعلومات الحسّية المتكررة وكذلك البصريّة . فمن خلال كلمات الشاعرة والتي عبّرتعن حالتها النفسيّة الداخليّة , ومدى تأثيرها في سلوكها وطريقة تعاطيها مع الواقعبعد أن كان للذكريات صدى الماضي البعيد وهو يرنّ في الذاكرة . لقد استطاع هذا (التسجيل المرئي ) ان يحرّك مشاعر المتلقي ويستحضر الذكريات ويؤثّر فيه ويحرّكمشاعره الدفينة وان يستثير الذاكرة . كلّ هذا جاء من خلال ( لغة المرآيا والنصّالفسيفسائي ) , وتداخل ذكي ومحسوب بعناية فائقة من الشاعرة في مقطع ( بوليفونيمتعدد الأصوات ) . كما هو معروف فأنّ التعبير عن فكرة القصيدة يتمّ عن طريق اللغةمن البداية حتى النهاية لكي تتوضح الفكرة وتنضج وتفعل فعلها التأثيري عن المتلقي ,لكن الجديد في اللغة السرديّة التعبيريّة هو ابتكار توظيفات وتقنية مغايرة بحيث انمعادلات تعبيرية متباعدة تكون مرايا لعوامل تعبيرية متقاربة , فيكون هناك تناصداخلي , نستطيع من خلال لغة المرايا هذه ان نطرح الفكرة نفسها بتراكيب لفظيةمختلفة وكل هذه التراطيب اللفظية تتجه الى نفس الفكرة , اي ان هذه التراكيباللفظية تعبّر بعمق عن هذه الفكرة رغم انها تراكيب لفظية مختلفة لكنها تشترك فيجوّ واحد وتتجه نحو نفس الفكرة المراد التعبير عنها , فاو نظرنا الى هذه التراكيباللفظية المختلفة لوجدناه تشبه الفسيفساء , وان كل تركيب لفظي هو عبارة عن مرايامعينة تعبّر عن الفكرة الاصلية ولكن بتراكيب لفظية مختلفة كما قلنا سابقا , بحيثأنّ كل تركيب لفظي معين يكون منفصل وذات تراكيب لفظية خاصة ومختلفة ومعينة ,وكّانّ هذه التراكيب الفظية تحما\ل ألوانا خاصة وإيقاعا خاصا ولونا مختلف عما فيالتراكيب اللفظية الأخرى .

بالعودةالى نصّ الشاعرة التونسيّة : جميلة بلطي عطوي , المعنون : أتوق إليك , نجد بأنّهذا لنصّ يتكون من ثلاثة مقاطع , المقطع الأول يتكون من هذه التراكيب اللفظية/ تلك الذّاكرة ، ذاكرتي المخزّنة فيالعلب المنسيّة كلّما نفضتُ عنها الغبار تراءت لي محطّات ونوافذ ، مغلقة حينا أومفتوحة أحيانا . أنا المخبوءة بين السّطور أراقب الأفق ، أتحسّس الريح العاصفة .يرتعشُ قلبي خوفا على تلك النّوافذ أن يغزوها الغرباء ، أن تقتلع الرّيح خشبهاالمتداعي .أستعير انسِياب الثّعابين ، أزحف ، أحاذر كي لا أصدر صوتا . أخاتلالرّيح والعصف ، أتسلّل أغلق النّوافذ المفتوحة ، أطمئنّ أنّ المكان أضحى آمنا ،أتمدّد على حافّة الرّغبة ، شهوة عارمة في أن أنهل من جديد من تلك السّجلّات / . وأنّ المقط الثاني يتكون من / تلك الدّفاتر التي أكل الزّمنلونها ولم يبق منها إلّا بصيص لهفة وإشارة . خطوط تقودني إلى المرابع الحالمة ،تغريني بل تفتح أمامي فسحا غريبة .

في اللّيل وقد هدأت العاصفة تتمدّدبي المسافة ، تنفتح النّوافذ المغلقة . أقفز دون أن أفتح المظلّة أو أحسب المدّةالزّمنيّة ، في تلك اللّحظة يستوي كلّ شيء ، أنا ، النّافذة والزّمن سرّ في ذاكرةالكون بل أنا نحلة تبحث عن وردة ، عن رحيق ضاع ذات غفلة ، عن ذاكرة غمرتها الأعوامفباتت محاصرة في قمقم الغربة ./ ثم نجدمقطعا بوليفونيا متداخل ضمن هذا النسيج الشعري وهو / على وقع خطاي يهزّ الزّيتون أغصانه، تردّد أوراقه وشوشة قديمة ، صوت جدّي ، أبي وأمّي . البقرة في بيتنا حلوب مدراروأنا أركض ، أمدّ يدي إلى ما طاب من الخيرات ، تغريني الوشوشة بالتّمادي ، أعتليفرع شجرة الرّمّان تلك التي كانت عنوان التّورّد في ساحة بيتنا ، أمّي تهشّ عليهاوالأطفال يراوغون الصّدفة . يا لحمرة الرّمّان تغري الحرف ، تفتح شهيّة البيان بليا لحمرة الرّمّان تذكي نارا ظننتُ أنّها خمدت فكانت في الرّماد تسترق الأوان . / حيثتتعدد الاصوات وتتعالى وتبرز الشخوص النصّية واضحة كـ / وقع خطاي / وشوشة / صوتجدي / أبي / أمي / البقرة / شجرة الرمان / الطفال / النار / . اننا بحاجةماسّة الى ذكرياتنا لمعرفة وفهم ما مرّ في حياتنا , انها محاولة الامساك بالزمنالماضي والعودة اليه مرّة اخرى , فبعد غربلة ذكرياتنا سوف نختار ما باستطاعته انيخبرنا كيف كان الماضي وكيف عاش فيه الشخوص , وهذا ما نتلمّسه عند الشاعرة .وتستمر الشاعرة في استعراض ذكرياتها من خلال هذا المقطع النصّي / ويستمرّ العرضلكن في عمق المشهد تُرفع الإشارة ، تراوغني الذّكرى تقول : انتهى الموعد اليوم .لملمي شتاتك واستعدّي ، قد أعود غدا وقد لا أعود . إن غبت غوصي في دفاترك، ستجدينالصّدى يردّد : أتوقُ إليك يا عاشقة الغياب. / . لقدعبّرت الذات الشاعرة عن ذكرياتها من خلال هذه التراكيب اللفظية الختلفة ,فكل هذه التراكيب تتحدث عن الذكريات وعن الماضي , الفكرة او الموضوع واحد ولكنطريقة التعبير عنه كانت بطرق مختلفة وهذه ما ندعوه بلغة المرايا والنصّ الفسيفسائي, لقد حاولت الشاعرة من خلال نسيجها الشعري هذا ان تساحضر ذكرياتها وان تظهر لناوجه الحياة بأحزانها وافراحها , بهمومها وآلآمها وسعادتها , وان تجعل المتلقيقادرا على الأحساس بما ينقله نسيجها الشعري ,لقد اعادتنا الى ذلك الماضي البعيدالذي اختزنته ذاكرتها الخصبة وجعلتنا نعيش في تلك الأجواء ونتنفس عبيرها وتحرّكفيتل ما تحرّك من الدهشة والأحساس بالجمال ونشعر بفسحة من الجمال والابداع . أنّلغة المرايا شيء مبتكر حاولنا إيجاده والدلالة عليه من خلال السرديّة التعبيريّة ,فقط في السرديّة التعبيريّة تتحقق لغة المرايا وكما فعلت هنا شاعرتنا النبيلة .

النصّ :

أتوق أليك ……

تلك الذّاكرة ، ذاكرتي المخزّنة فيالعلب المنسيّة كلّما نفضتُ عنها الغبار تراءت لي محطّات ونوافذ ، مغلقة حينا أومفتوحة أحيانا . أنا المخبوءة بين السّطور أراقب الأفق ، أتحسّس الريح العاصفة .يرتعشُ قلبي خوفا على تلك النّوافذ أن يغزوها الغرباء ، أن تقتلع الرّيح خشبهاالمتداعي .أستعير انسِياب الثّعابين ، أزحف ، أحاذر كي لا أصدر صوتا . أخاتلالرّيح والعصف ، أتسلّل أغلق النّوافذ المفتوحة ، أطمئنّ أنّ المكان أضحى آمنا ،أتمدّد على حافّة الرّغبة ، شهوة عارمة في أن أنهل من جديد من تلك السّجلّات . تلكالدّفاتر التي أكل الزّمن لونها ولم يبق منها إلّا بصيص لهفة وإشارة . خطوط تقودنيإلى المرابع الحالمة ، تغريني بل تفتح أمامي فسحا غريبة .

في اللّيل وقد هدأت العاصفة تتمدّدبي المسافة ، تنفتح النّوافذ المغلقة . أقفز دون أن أفتح المظلّة أو أحسب المدّةالزّمنيّة ، في تلك اللّحظة يستوي كلّ شيء ، أنا ، النّافذة والزّمن سرّ في ذاكرةالكون بل أنا نحلة تبحث عن وردة ، عن رحيق ضاع ذات غفلة ، عن ذاكرة غمرتها الأعوامفباتت محاصرة في قمقم الغربة .

على وقع خطاي يهزّ الزّيتون أغصانه، تردّد أوراقه وشوشة قديمة ، صوت جدّي ، أبي وأمّي . البقرة في بيتنا حلوب مدراروأنا أركض ، أمدّ يدي إلى ما طاب من الخيرات ، تغريني الوشوشة بالتّمادي ، أعتليفرع شجرة الرّمّان تلك التي كانت عنوان التّورّد في ساحة بيتنا ، أمّي تهشّ عليهاوالأطفال يراوغون الصّدفة . يا لحمرة الرّمّان تغري الحرف ، تفتح شهيّة البيان بليا لحمرة الرّمّان تذكي نارا ظننتُ أنّها خمدت فكانت في الرّماد تسترق الأوان .

ويستمرّ العرض لكن في عمق المشهدتُرفع الإشارة ، تراوغني الذّكرى تقول : انتهى الموعد اليوم . لملمي شتاتكواستعدّي ، قد أعود غدا وقد لا أعود . إن غبت غوصي في دفاترك، ستجدين الصّدى يردّد: أتوقُ إليك يا عاشقة الغياب.

تونس ….12 / 3 / 2019

بقلمي ….جميلة بلطي عطوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع