من الذاكرة : المفتاح

27

مَرّت ثلاثة اشهر على تهجيرنا قسراً الى ايران وكأنها ثلاثة اعوام طويلة ، كانت الايامُ تمرُ ببطيء وكآبة شديدين في ذلك المنفى القسري الذي أُرُغمنا جميعاَ على العيش فيه ، والتأقلم مع وضعنا المستجد كان شبه مستحيل، خاصة لي أنا التي كان عملي في الجامعة وتخصصي يستوجبان مني الحركة والتحضير والعمل مع طلاب كلية الهندسة حيث كانت حياة مليئة بالحيوية والنشاط ، وفجأة، اصبح كل ذلك، لا ادري ما أسميه سراب أم حلم لم يكن بوسعي الاستيقاض منه لكي اعيش حياتي بشكل واقعي واتأقلم مع الوضع الجديد ، فأجواء إيران كانت جديدة علينا واللغة لا نعرفها ونشعر وكأن الناس كلهم غرباء عنا، وبما اننا لم نكن نعرف الفارسية اصبحنا نقضي انا وبنات عمي الخمسة اكثر ايامنا في البيت نجترُّ احزاننا وذكريات الماضي فقط ، وليس لنا لا جهاز راديو ولا مسجل لكي نسمع ولو اغاني نعيش لحظات من خلالها في العراق ، اصبحنا مثل الالات المكوكية ننتهي من اعمال البيت صباحا ونغسل الاواني ظهرا ونجتمع مرة اخرى في الغرفتين المخصصتين لنا في ذلك البيت الكبير القديم، أوبالأحرى الاثري الذي كان يعود تاريخ بنائه الى القرن التاسع عشر ويقع في تقاطع معز السلطان في شارع ولي عصر في جنوب طهران ،والذي اشتريناه وسُجّل باسم اخرين وليس باسم والدي وعمي ، لانهما لم يكونا يحملان الجنسية الايرانية , بالحقيقة كنا نسعى الى الابتعاد عن الماضي والهروب من ذكرياته ولكن الحديث كان يجرنا دائما الى بلدنا الذي حُرمنا منه قسراً دون أي ذنب …. وبتنا نشعر بالكآبة المُرّة لا يشفي غليل شوقنا الى ايامنا الحلوة حتى البكاء .
وفي احد تلك الايام الحالكة السواد لنا معنوياً، طلب مني ابن عمتي الذي كان قد تم تهجيرهم خلال موجة السبعينات من التهجير القسري للكورد الفيلية الى ايران ولم يعودوا الى العراق بعد ذلك، ان يأخذني أنا بالذات لزيارة رب عمله في سوق طهران الكبير حيث كان يعمل محاسباً في تلك الشركة ، تعجبت من هذه الدعوة وقلت له ( لماذا يريد ان يلتقي بي ؟ هل سيوظفني عنده ؟ ).
اجاب قائلاً: عندما تحدثت له عنكم وعن تهجيركم القسري سأل عنك بالذات وقال احب ان اراها لانها تبدو جامعية ومثقفة ويعجبني ان اطّلعَ على وضعها الحالي وبماذا تفكر ، قلت له انها لا تتكلم الفارسية قال انا اتكلم الانكليزية ونستطيع ان نتفاهم مع بعضنا الآخر .
اخذني ابن عمتي ( ب… ) الى احدى الشوارع المؤدية الى السوق الكبير وكان شارعا مزدحما بالسيارات والمارة ، ولم اكن قد رأيت مثل ذلك الصخب والازدحام في حياتي، ركن ابن عمتي سيارته (الژیان ) الى جانب احد الارصفة ، ودخلنا الى السوق ، ويسمى بالفارسية ( بازار بزرك تهران = سوق طهران الكبير) ويعود تاريخه الى ماقبل العصر الصفوي أي حوالي اربعة قرون وقام الشاه طهماسب صفوي بتوسيعه والحاق بعض الاسواق الجديدة اليه ، وله عدة ممرات بطول عشر كيلومترات كل ممر متخصص في بيع سلعة مختلفة وله ايضا عدة مداخل ويحتوي سوق طهران الكبير على مساجد وبيوت ضيافة وبنوك ايضا ويعتبر قطبا اقتصاديا كبيرا وتقليديا في ايران بسيطرته على 30 بالمائة من الاقتصاد الايراني تقريباً .
دخلنا احدى الازقة وهي كثيرة وملتوية ومسقفة الى ان وصلنا الى مبنى كبير للغاية بطابقين ، وبدا الطابق الاول وكأنه مخصص لمحلات تستعمل كمخازن لبيع السجاد اليدوي الإيراني او ترميمه ، وما دعاني الى ذلك التكهن هو انه كان امام المحل المجاور للسلم الضيق المؤدي الى الطابق الثاني عامل منكب على سجادة رائعة للغاية مفروشة امام المحل يقوم هو برفوها ، أما الطابق الثاني فقد كان مخصصا للمكاتب التجارية . صعدنا الى الطابق الثاني من خلال سلالم ضيقة وشبه مظلمة ، واستقبلنا عند باب المكتب الاستاذ نعيم وهو صاحب عمل ابن عمتي آنذاك، ورحب بي كثيرا بلغة انكليزية ممتازة . كان رجلا نحيفا طويل القامة اصلع الرأس ، في العقد الخامس من عمره تقريبا يرتدي بنطالا قهوائيا وقميص لونه بيج ، تعجبت لمظهره البسيط وكذلك لمكتبه الخالي من الاثاث تقريبا ً ، الذي لم يكن فيه سوى عدة كراسي وطاولتين وجدرانه خالية من اية لوحة او إعلان خاص كالذي يزين عادة مكاتب الشركات التجارية، كل ما كان هناك لم يكن يوحي ابدا بالثروة الطائلة التي كان يملكها كما ذكر لي ابن عمتي ، فقد كان رجلا اعزبا له اخ في احدى الدول الاجنبية ويملكان بنكا معروفا هناك وليس لهما من وريث سوى بنت وابن اخيه المغترب .
سألني الاستاذ نعيم عن تخصصي اخبرته عنه ، ثم تسائل عن كيفية قضائي لوقتي هنا ، قلت: لا شيء ، إني اجتر ذكريات الماضي حاليا .
هز رأسه آسفاً وقال : لا يصح ذلك ، حذاري من اجترار ذكريات زمن لم يعد بامكانك ارجاعه ، يجب اولا ان تتعلمي اللغة لانها المفتاح لكل شيء ، واسعي ان تعيشي حاضرك لانه من المحتمل ان لا تعودي الى بلدك مرة اخرى ، الافضل ان تضعي الماضي وراء ظهرك وابدأي التفكير بالمستقبل وفقا لما تتوفر لديك من الامكانيات المتاحة وحتى لو كانت بسيطة . فالغربة شيء صعب ويجب التأقلم مع ظروفه والتفوق على كل ما يثبط عزيمتك على المضي قدما مرة اخرى . فكما ترين ان مكتبي شبه خالي لأني قررت الهجرة من هنا للالتحاق باهلي في الخارج ، فالحياة أحيانا تكون صعبة ومُرّة وتضيق على الانسان وكأنها تريد ان تخنقه وتقتله وهو حي ”
تعجبت من كلامه واسلوبه الراقي بالحديث ! بدا لي انه رجل عصامي مثقف رغم مظهره البسيط ، أجبته والعبرة تكاد تخنقني دون ارادتي : الكلام بسيط لكن الواقع صعب حتى اكثر من طاقتي واحيانا اتمنى الموت بدلا من هذه الحياة التي سلبت مني كل شيء وبت كالتائهة لا ادري من اين ابدأ.
طأطأ رأسه لبرهة وكأنه يخفي حزناً عميقاً…مما أجج لهيب المأساة والبؤس في كياني كله ، لكنه سرعان ماتمالك نفسه وطلب لنا الشاي. وخاطبني فجأة مبتسما ً بلغة عربية وباللهجة العراقية المصلاوية قائلا : قد تتعجبين لماذا ارسلت بطلبك انت بالذات .
فوجئت حقاً ، سألته وانا اتمالك نفسي حتى لا تتساقط دموعي على وجنتي وابدو له انسانة ضعيفة الشخصية :أنت تجيد العربية أستاذ ؟ هل انت عراقي ؟ عجباً !! بالحقيقة ، نعم لا ادري سبب طلبك هذا.
قال : لقد جرى عليكم ماجرى علينا في عام 1948 م . فانا ايضا عراقي وكنت صغيراً عندما هجرونا من العراق وجئنا الى ايران لكوننا يهود وكنا غرباء وتعساء مثلكم في المنفى القسري لسنوات طويلة ، وعندي شيء ثمين احبه جدا وكان مفتاحا لنجاحي في الحياة وتعلمي للغة الفارسية وبدء عملي البسيط من خلاله في بداية حياتي المهنية ، وهو تقريبا شيء اثري ولكن لا اريد ان اتركه دون ان يستفيد منه احد بعدي ، سألته متعجبة : وماهو ذلك ؟ اجابني مبتسما ً : جهاز الطابعة هذه .
قلت ضاحكة : لكني لا اجيد الطباعة ولا الفارسية ، اجابني : اعلم ذلك ، لكن علمت انك تجيدين الان ثلاث لغات وبعد فترة سوف تتعلمين الفارسية ويمكن لهذا الجهاز ان يساعدك على ذلك . شكرته وقلت له : انا سوف اشتريه منك …
قهقه بصوت عالي وقال : انا اهديه لك بكل رحابة صدر وانت تريدين ان تدفعي نقود ، صدقيني لا يمكن تقدير ثمنه عندي .
قلت : لنفرض انك اردت ان تبيعه بكم ستبيعه قال : مبلغ لا تستطيعين ان تدفعيه … فعليه اقبلي الهدية ولا تعترضي فهي هبة من عند الله لك .
نظر لي ابن عمتي بنظرة مفادها لا يرد الكريم الا اللئيم … قبلت هديته وجئنا بها الى البيت . واصبح الجهاز مثل الديكور لسنوات عديدة حتى بعد تعلمي للغة الفارسية بنفسي وبالمجهود الكبير الذي بذلته لتعلمها لكن الطابعة ظلت ديكوراً بالمنزل ، ولو كانت باللغة الفارسية إنما كنت اسأل نفسي مافائدة هذا الجهاز وانا اجهل الطباعة ولم يكن بمقدوري ماديا آنذاك ان ادخل دورة لتعلم الطباعة وبالحقيقة لم اكن اجد منفعة من وراء ذلك ، لذلك كنت اتعلم و اكتب واترجم من والى الفارسية بالقلم …
بعد تسعة سنوات من البطالة فكرت ان اعمل سكرتيرة في احدى الشركات وكانت من اهم شروط الجميع ان اجيد الطباعة ، وعندها تعلمت الطباعة في احدى الدورات المكثفة التي كانت لمدة شهر واحد وتعلمتها باللغتين الفارسية والانكليزية على يد تلك المعلمة الرائعة الذكية التي تعبت معنا بشدة بحيث تعلمنا طبع رسالة كاملة خلال خمس دقائق فقط . وكنت من الاوائل لسبب واحد وهو وجود طابعة الاستاذ نعيم الله يذكره بالخير ان كان عائشا ويرحمه ان كان قد فارق الحياة الان . كنت كل يوم اتدرب على الطابعة اليدوية الموجودة في البيت والتي كانت من الطراز القديم وبالضبط كانت على شاكلة الطابعة الموجودة في الصورة اعلاه . وكان ذلك الجهاز مفتاح لنجاح مستمر لي سواء اثناء فترة المنفى او عند عودتي الى العراق وممارستي للترجمة والكتابة لاني تعودت على الطباعة بعشرة اصابع وبسرعة وباللغات الاربعة التي اجيدها بذلك الجهاز الغير كهربائي ومن ثم اصبحت الطباعة سهلة جدا لي لان الاجهزة اصبحت كهربائية ومن ثم جاء الانترنيت وسهل العملية اكثر… وحقا جهاز طابعة الاستاذ نعيم كان مفتاحاً للكثير من النجاحات وتحمل الغربة وتمشية الحال لي مادياً آنذاك .
بقلم نظيرة اسماعيل كريم / السليمانية / 72/8/2020
ا

تعليق 1
  1. avatar
    Hanna Murad يقول

    عزيزتي دكتورة نظيرة، هذه القصة القصيرة أثرت في بشكل كبير، فإنني مثلك كوردية فيلية وكنت طالبة صف الرابع هندسة مدني جامعة بغداد (قد اكون احد طلبتك)، ولكن شاءت الظروف ان نتهرب من عمليات التهجير البشعة التي طالت معظم الاقرباء. بعد تخرجي بأشهر فقط وبالتحديد ٢٥/١/١٩٨١، سافرت مع زوجي لقضاء شهر العسل في لندن، ولم نرجع للعراق الا بعد سقوط الطاغية ٢٠٠٣.
    تحياتي لك ولصمودك، وقصتك هذه اعطتني طاقة ايجابية رائعة في خضم ظروف الجائحة واجراءات الحجر والانعزال. بارك الله فيك ووفقك الى كل ما هو خير وسعادة.
    هناء بيگ مراد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع