الشيخان لطه حسين

86

الشيخان لطه حسين

معمر حبار

 

كتاب: الشيخان”، طه حسين، دار المعارف المصرية، الطبعة الرّابعة، 1969، من 274 صفحة.
مقدمة القارىء المتتبّع:
أقف مع صديقنا محمد عبد العزيز حين قال: أحسن طه حسين حين جعل الشيخان في كتاب واحد.
قال: كان سيّدنا عمر بن الخطاب لايولي كبار الصحابة المسؤولية احتراما، وتوقيرا لهم حتّى لايقعوا في الأخطاء كما حدث مع سيّدنا عمار بن ياسر الذي عزله لضعف في التسيير.
أقول: أقف بقوّة مع طه حسين في كون سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يوص لأحد بالخلافة من بعده، سواء لسيّدنا الصّدّيق أو غيره. 25
اجتمع أسيادنا الصّدّيق، وعمر بن الخطاب في حبّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وحبّ سيّدنا علي بن أبي طالب، وحبّ أسيادنا آل البيت.
ظلّ سيّدنا علي بن أبي طالب المستشار الوفي، والصّادق، والأمين لأسيادنا الصّدّيق، وعمر بن الخطاب.
بايع سيّدنا علي بن أبي طلال كلا من سيّدنا الصّدّيق، وعمر بن الخطاب عن طواعية، ومحبة، ورضا، وإقدام، ودون تأخير، ودون منازعة، ولا طمع.
أقول: يمكن القول أنّ سيّدنا الصّدّيق أقام الدولة من حيث تثبيت أركانها، وتأمين حدودها وجاء من بعده سيّدنا عمر بن الخطاب فأقام الدولة من الناحية الإدارية. 98
أقول: من عيوب طه حسين أنّه ألغى عدّة روايات تبدو له غير متجانسة، ولا منطقية. لكن دون حجّة، ولا سند.
العناوين الفرعية من وضع القارىء المتتبّع.
أوّلا: سيّدنا الصّدّيق
لاوصية لأحد:
أقول: كان طه حسين عظيما حين قال: “قبض النبي صلى الله عليه وسلّم ولم يوص لأحد، لا لأبي بكر ولا لغيره. ولو قد أوصى لأحد ماكانت سقيفة بني ساعدة. ولما خالفه الأنصار عن وصية رسول الله. ولو قد أوصى لعلي لكان أبو بكر أسرع النّاس لبيعته. فكيف وقد اجتمع المسلمون من المهاجرين والأنصار على بيعة أبي بكر. وقد بايع علي -رحمه الله- أبا بكر وعمر من بعده وعثمان من بعدهما، ولو قد علم أن النبي قد أوصى له لجاهد في إنفاذ أمر النبي ولآثر الموت على خلاف هذا الأمر”. 25
قال: “والذي لاأشك فيه … أنّ النبي لم يترك وصية أجمع فيها المسلمون. ولو قد فعلها لما خالف عن وصيته أحد من أصحابه، لامن المهاجرين ولا من الأنصار”. 29
أقول: ممّا فهمته من الكتاب أنّ أسيادنا الأنصار أجلّ، وأعظم من أن يرفضوا بيعة سيّدنا الصّدّيق، وسؤالهم “منّا أمير ومنكم أمير” عادي جدّا في تلك الظروف، وتساءلوا ليطمئنوا على وضعهم، وهذا أمر طبيعي، ثمّ بايعوا سيّدنا الصّدّيق بعدما اطمئنوا لوضعهم.
أقول: لايوجد أحد من المهاجرين، ولا الأنصار، ولا أمّهات المؤمنين، ولا آل البيت، ولا الخلفاء الرّاشدين الأربعة، ولا العشر المبشرين بالجنة، ولا الأحياء ولا الأموات من أسيادنا الصحابة، ولا من كتبة الوحي، ولا من كاتم أسرار سيّدنا رسول الله صلى الله عليهم من يملك وصية من سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّه بأنّه خليفة، أو بأنّ فلانا هو الخليفة.
سبق لي وعبر مقالات، ومناشير أن رفضت -وما زلت- رفضا قاطعا مسألة الوصية لأيّ كان ومهما كان، وبيّنت ذلك وما زلت. وكلّ من ادّعى الوصية فهو كذّاب أشر، ويريد أغراضا سياسية. وفي هذه النقطة وجدت تطابقا وتشابها بين ماذهبت إليه في رفض الوصية، وما ذهب إليه طه حسين في رفض الوصية حتّى أنّ الحجج التي ذكرها هي نفسها التي ذكرتها، وأنا الذي لم أقرأ من قبل هذا الموضوع لطه حسين، والحمد لله ربّ العالمين.
سيّدنا علي بن أبي بايع طواعية، وعن حبّ سيّدنا الصّدّيق:
قال طه حسين: بايع سيّدنا علي بن أبي طالب سيّدنا الصّدّيق “حين بايع النّاس في غير سرع ولا إكراه. رأى أنّ كلمة المسلمين أجمعت على أبي بكر فلم يخالف عما أجمع عليه المسلمون… والمهم أن أحدا لم يخالف على أبي بكر، لا من بني هاشم ولا من غيرهم”. 40
أقول: يريد طه حسين أن يقول: سيّدنا علي بن أبي طالب أعظم، وأجلّ من أن يرفض بيعة سيّدنا الصّدّيق. وسيّدنا الصّدّيق أعرف النّاس بسيّدنا علي بن أبي طالب لأنّه أعرف النّاس بسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
قال بالحرف: “وعلي أفضل في نفسه وأكرم عند الله من أن يبايع بلسانه ويضمر في قلبه غير ماكان يضمر. ونحن نعلم أنّه نصح للشيخين في خلافتهما… ونصحه لعثمان حين استقام له النّاس وحين اختلفوا عليه”. 41
أقول: أبدع طه حسين حين قال : أجمع أسيادنا الصحابة من المهاجرين والأنصار ودون استثناء على مبايعة سيّدنا الصّدّيق. وهذا الإجماع المطلق هو الذي مكّن الصّدّيق من مواجهة المرتدين، وأن يؤدّوا الحقوق التي كانوا يقدّمونها لسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، والفتوحات، ومحاربة أعظم قوتين وهما الروم والفرس، ونفس الإجماع والاستقرار يقال لسيّدنا عمر بن الخطاب. 42
أقول: كان طه حسين عظيما حين أشار إلى ثقل البيعة، ورفض كلّ أشكال التّوريث، وقال: البيعة عهد، ووفاء بين الراعي والرعية ومن أخلفها بغير حقّ فقد خان العهد. وكلاهما مطالب أن يؤدّي حقّها، ولا يحقّ للخليفة بأيّ حال من الأحوال أن ينقل الخلافة لأبنائه، أو غيرهم لأنّ البيعة تمّت بينه وبين الرعية ولم تتم مع أبنائه، ولا غيرهم ممن ارتضاهم الحاكم.
شرح طه حسين موقفه العظيم بأمثلة، فقال: استشار سيّدنا الصّدّيق نفرا من الصحابة في شأن أن يستخلفه سيّدنا عمر بن الخطاب، وسيّدنا عمر بن الخطاب استشار أسيادنا السّتة في من يكون خليفته. ورغم ذلك لم تتم لهما البيعة إلاّ بعد أن أعلنا أمام الملأ أنّهما سيعملان بكتاب الله وسنّة رسوله وينصحان للمسلمين. ولم يكن ترشيح سيّدنا الصّدّيق لسيّدنا عمر، ولا ترشيح سيّدنا عمر بن الخطاب للسّتّة بيعة تجب على المسلمين إلاّ بعد أن تمّ تجديد البيعة بشكل فردي لكلا منهما، وليسا لأنّهما تمّ ترشيحهما. 48.47
قال: اهتزّ أسيادنا الصحابة من المهاجرين والأنصار حين التحق سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالرّفيق الأعلى لكنّهم سرعان ماعادوا لرشدهم حين قرأ عليهم سيّدنا الصّدّيق الآية المناسبة. وفي الوقت نفسه اهتزّ الأعراب لكنّهم لم يعودوا لرشدهم، وادّعوا النبوة.
أقول: عادي جدّا أن يهتزّ أسيادنا الصّحابة لالتحاق سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالرّفيق الأعلى، ولا يطعن هذا أبدا في دينهم، وحبّهم، وتشبّثهم، وامتثالهم بسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. 51
حبّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لسيّدنا الصّدّيق:
أقول: أشار طه حسين إلى نقطة أعترف أنّي أقرأها لأوّل مرّة، وأعرضها بأسلوبي وهي: حين رأى “المسلمون غير المؤمنين من العرب”، أنّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم التحق بالرّفيق الأعلى، تعاملوا مع سيّدنا الصّدّيق على أنّه ميت كغيره من الأموات، وليس أفضل من سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم الذي التحق بالرّفيق الأعلى فأعلنوا على إثرها الرّدة، ومنع الزكاة.
هذه النظرة العظيمة تحسب لطه حسين، وتضاف لأسباب الرّدّة التي لم يذكرها أحد فيما قرأت، وأزعم، ولغاية هذه الأسطر.
أقول: أقف مع طه حسين في قوله: أنّ منزلة الصّدّيق لدى سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يصلها أحد من أسيادنا الصحابة. 19 وقال بالحرف: “ولم يعرف قط أنّ أبا بكر قال أو صنع شيئا يؤذي النبي منذ أن أسلم إلى أن مات”. 21
أقول: أشار طه حسين وعبر أمثلة إلى أنّ هناك تطابقا كاملا، وتشابها تاما بين أقوال ، وأفعال سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وسيّدنا الصّدّيق لصدقه. وقال بالحرف: “وكان أبو بكر أفهم النّاس عن النبي، لأنّه كان أعرفهم به وأقربهم إلى قلبه”. 24
حبّ سيّدنا الصّدّيق لأسيادنا آل البيت:
أقول: ممّا فهمته من الكتاب أنّ حبّ سيّدنا الصّدّيق لسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولآل بيته، وسيّدتنا فاطمة الزهراء هو الذي دفعه لعدم تلبية طلب سيّدتنا فاطمة الزهراء بما زعمت أنّ لها حقّ في فدك. وقد تألم سيّدنا الصّدّيق من عدم تلبية طلبها، وتألّم من رفض سيّدتنا فاطمة الزهراء التّحدّث معه، وتألّم كثيرا حين دفنت باللّيل عمدا، ودون علمه، وحرم من حضور جنازتها وما كان يتمنى ذلك، ولا يسعى إليه. 65.66
قلتها وأعيدها: تصرّف سيّدنا الصّدّيق تصرّف الحاكم المطالب بحماية أملاك المسلمين، وتصرّفت سيّدتنا فاطمة الزهراء تصرّف البنت التي ترى أنّ من حقّها الدفاع عن ماتراه حقّها. وحدث الاختلاف بسبب اختلاف وجهات النظر، وهذا أمر عادي ومقبول، وظاهرة صحية.
عظمة سيّدنا الصّدّيق من خلال حروب الرّدّة، وتنفيذ جيش سيّدنا أسامة:
أقول: أبدع طه حسين أيّما إبداع حين تحدّث عن عظمة سيّدنا الصّدّيق وهو يواجه حروب الرّدة، وحزنه الشّديد على ماآلت إليه جزيرة العرب قائلا وبالحرف: “فإذا فكرت في أنّ أبا بكر كان أحبّ النّاس إلى رسول الله، وكان رسول الله أحبّ النّاس إليه، عرفت وقع هذه المحنة في نفس أبي بكر”. وأعترف أنّي لم أقرأ أفضل من هذا السّطر في ذكر عظمة سيّدنا الصّدّيق وقد أجاد طه حسين، وتفوّق، وتميّز.
أقول: كان طه حسين عظيما حين أشار إلى مقارنة أقف عندها لأوّل مرّة، وهي: ظهرت الرّدّة في أواخر حياة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وحارب صلى الله عليه وسلّم المرتدين بالكتب، والرسل ولو أطال الله في عمره صلى الله عليه وسلّم لحاربهم بالسيف. وسيّدنا الصّدّيق حاربهم بالسيف. فلا يلام على ذلك، ولا يقال من بعده إنّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يحاربهم بالسيف، فكيف لسيّدنا الصّدّيق أن يحاربهم بالسيف؟!.
أضيف: أهل الرّدّة في عهد سيّدنا الصّدّيق كانوا أقوى ممّا كانوا عليه من قبل، وأكثر عددا، وأضافوا لها الامتناع عن دفع الزكاة، ولم يكن هذا من قبل. 51
أشار طه حسين إلى بعض مظاهر حبّ، وتعلّق سيّدنا الصّدّيق بسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وهو: أوّل عمل قام به الصّدّيق إثر توليته الخلافة هو إنفاذ جيش أسامة بن زيد فورا، وحالا، ودون تردّد رغم خطر المرتدين على المدينة، ومطالبة أسيادنا الصحابة بتأجيل تنفيذ الجيش للظروف الصّعبة التي تعيشها المدينة، وبتغيير سيّدنا أسامة بن زيد بقائد أسنّ. من جهة أخرى استأذن سيّدنا الصّدّيق وهو الخليفة، والقائد الأعلى للقوات المسلّحة من سيّدنا أسامة بن زيد وهو الشاب في السّابعة عشرة من عمره أن يبقي معه سيّدنا عمر بن الخطاب في المدينة ليستعين به، وبمشورته. فأذن لها. مايعني أنّ الفتى يأذن للشيخ، والخليفة، والقائد 53
قال: بعد إنفاذ جيش سيّدنا أسامة بن زيد، وضع على منافذ المدينة إلى البادية أسيادنا الصحابة، ومنهم سيّدنا علي بن أبي طالب. مايدل على أنّ سيّدنا علي بايع سيّدنا الصّدّيق في حينه، ولم يتخلّف عن البيعة، ولا مفارقا لجماعة المسلمين. 54
أقول: ذكر طه حسين أنّ سيّدنا الصّدّيق أرسل جيوشا من أحد عشر قائدا. مايدلّ أن جزيرة العرب ارتدّت كلّها وأنّ الصّدّيق صدق، وأحسن حين حارب المرتدين ولو لم يحاربهم -في حينهم- سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وطلب من بعض القادة أن يعينوا بعض القادة بمجرّد مايقضوا على المرتدين المكلّفين بمحاربتهم. مايدلّ على قوّة المرتدين، وخطرهم على أمن الدولة الفتية. 57
قال: قضى الصّدّيق وفي عام واحد على حروب الردة، وعاد العرب على إثرها للإسلام، ولأداء الزكاة. وهذا من عظمة سيّدنا الصّدّيق.
قال: كانت خلافة سيّدنا الصّدّيق كلّها خلافة حرب.
قال: منع سيّدنا الصّدّيق المرتدين الذين عادوا للإسلام من المشاركة في الفتوحات التي انتصر فيها كلّها دون مشاركتهم. 100
أقول: يرفض طه حسين الرواية التي ترى أن أسيادنا الصحابة، وسيّدنا عمر بن الخطاب طلبوا من سيّدنا الصّدّيق أن لايحارب المرتدين لمنعهم الزكاة وهم يشهدون أن لاإله إلاّ الله وأن سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. ويرى أن ذلك لايليق بأسيادنا الصحابة الذين يعرفون أنّ الزكاة ركن من أركان الإسلام. ويميل إلى أنّ أسيادنا الصحابة طلبوا منه عدم إنفاذ جيش سيّدنا أسامة بن زيد للأوضاع الأمنية الصعبة التي تحيط بالمدينة جرّاء تربص المرتدين بها وهم -حينها- أولى بالدفع، والرّدّ، والجهاد من عرب الشام الذين يبعدون عن المدينة بكثير. 63
أسباب قتل الخلفاء:
أقول: يرى طه حسين رحمة الله عليه، أنّ من أسباب قتل أسيادنا عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والفتنة التي وقعت يومها أنّ الأمّة لم تكن في مستوى عظمة أسيادنا الصّدّيق، وعمر بن الخطاب ولم تستطع أن تبلغ مقامهما فحدث الذي حدث.
أقول: يرى أنّ الأعراب المذكورون في القرآن الكريم ظلوا يتربّصون بالأمّة، ويكيدون لها لما رأوا من تمكّن المسلمين، وزحفهم. فعزموا على أن يكونوا سدّا أمامهم، وإفساد كلّ مايقدمون عليه، “وظلّ الأعراب مسلمين لم يدخل الإيمان في قلوبهم”، ولذلك ارتدوا.11
أقول: ممّا فهمته من الكتاب أنّ الإفراط في الأمان، والتساهل مع الحاقدين من المجوس الفرس، واليهود، وكعب الأحبار اليهودي، والمجرم المجوسي أبي لؤلؤة من الأخطاء التي ارتكبها المسلمون، وكانت من أسباب قتل سيّدنا عمر بن الخطاب.
لاعلاقة للإيمان بالمدّة الزمنية:
أقول: أختلف مع طه حسين حين قال وبأسلوبي: لو امتدت الحياة بسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأمنت الأعراب. وأضيف: إيمان النّاس بالأنبياء والرسل وعلى رأسهم سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لاعلاقة له إطلاقا وأبدا بالمدّة الزمنية التي أرسل فيها الأنبياء والرّسل. ويكفي أنّ الله تعالى سيّدنا قال في حقّ سيّنا نوح عليه السّلام: “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ”، سورة العنكبوت. ورغم كلّ هذه القرون كانت النّتيجة: “وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ”، سورة سيّدنا هود عليه السّلام.
تشاء حكمة ربّك أن يمكث سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم مدّة ثلاثة وعشرون سنة -والتي يعتبرها طه حسين قليلة-، وتبقى رسالته إلى يوم الدين. إذن، إيمان أوعدم إيمان قريش، والعرب، والأعراب لاعلاقة له بالمدّة الزّمنية (23سنة) التي قضاها سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بين ظهرانيهم، وإذا شئت ضف لها أربعون سنة قضاها معهم وهو الطفل، والشاب، والكهل وهم الذين يعرفونه أكثر ممّا يعرفون أبناءهم.
تعيين سيّدنا أسامة بن زيد على رأس الجيش لاعلاقة له بالثأر لأبيه:
أقول: لاأوافق طه حسين في كون سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم جعل سيّدنا أسامة بن زيد بن حارثة رحمة الله ورضوان الله عليهما على رأس جيش لقتال عرب النصارى قبل التحاقه بالرّفيق الأعلى، لأنّ “لأسامة ثأر عند هؤلاء العرب الذين قتلوا أباه يوم مؤتة”.
أضيف: سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم رجل دولة، ويتعامل بما يضمن أمن وسلامة، واستقرار الدولة والمجتمع، واستشهد في مؤتة خلق كبير من أسيادنا الصحابة، فلا يعقل بحال أن يجهّز سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم جيشا يضمّ هيئة الأركان، وكبار القادة العسكريين لأجل ثأر يحمله فتى في السّابعة عشرة من عمره لأبيه سيّدنا زيد بن حارثة، رحمة الله ورضوان الله عليها. فلا داعي للتّفريق بين أسيادنا الصّحابة رحمة الله ورضوان الله عليهم جميعا.
أخطأ طه حسين حين نفي توسّل سيّدنا عمر بن الخطاب بسيّدنا العباس:
ينفي طه حسين رواية توسّل سيّدنا عمر بن الخطاب بسيّدنا العباس أثناء عام الرمادة، ويرى أنّ الرواية كتبت في عهد الدولة العباسية، ويعلّل ذلك بقوله إنّه تملّق لبني العباس.
أقول: الغاية من رواية توسّل سيّدنا العباس هو جواز التّوسل بسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وسيّدنا العباس بضعة من سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وتوسّل به ولم يتوسّل بالأحياء من أسيادنا الصّحابة تقديرا، وحبّا، وتوقيرا لسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
قال بالحرف: “ولكني أقطع بأن التوسل بالعباس بن عبد المطلب كذبة تقرب بها الرواة لبني العباس، وما كان عمر ليستشفع بأحد”.
أقول: يقرّ طه حسين أنّ سيّدنا عمر بن الخطاب صلى صلاة الاستسقاء لكنّه ينفي نفعا قاطعا، وبقوّة، وشراسة أنّ سيّدنا عمر بن الخطاب استسقى بسيّدنا العباس بن عبد المطلب عمّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
أضيف: يبدو لي أنّ الخلط الذي وقع فيه طه حسين هو اعتقاده أنّ التوسّل بعمّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وبالتّالي بالصالحين هو للضعفاء، والفقراء، والمساكين وليس للأشداء، والأقوياء، والعظماء من أمثال عمر بن الخطاب. وهذا -في تقديري- خطأ شنيع وقع فيه طه حسين.
حبّ سيّدنا عمر بن الخطاب لسيّدنا علي بن أبي طالب، وأسيادنا آل البيت:
أقول: ممّا فهمته أنّ سيّدنا عمر بن الخطاب كان يستشير كثيرا سيّدنا علي بن أبي طالب ويأخذ برأيه، لكن أحيانا لايأخذ برأيه حين يجد من هو أفضل منه كما في مشورة إنشاء الديوان التي لم تكن من رأي سيّدنا علي بن أبي طالب.
أضيف: ممّا وقفت عنده أنّ سيّدنا الصّدّيق كان يستشير كثيرا سيّدنا عمر بن الخطاب، وسيّدنا عمر بن الخطاب كان يستشير سيّدنا علي بن أبي طالب. ولا تظهر استشارة سيّدنا الصّدّيق لسيّدنا علي بن أبي طالب -على الأقل- بهذا الوضوح، والكم.
عظمة سيّدنا الصّدّيق من خلال تعامله مع التحاق سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالرّفيق الأعلى:
أقول: أشار طه حسين في آخر الفصل الثّالث وهو يتحدّث عن عظمة الصّدّيق، وبأسلوبي: حين التحق سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالرّفيق الأعلى جزع الكثير من أسيادنا الصحابة حتّى أنّ سيّدنا عمر بن الخطاب رحمة الله ورضوان الله عليه أنكر التحاق سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالرّفيق الأعلى.
أضيف: مايدلّ على أنّ حبّ سيّدنا الصّدّيق لسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم رفيع، وعفيف، وعظيم، وناصع، وطاهر، ومميّز عن غيره، ومتفوّق، وظاهر، ودائم، وثابت، وفي أحلك الأيّام وأصعبها. ومن مظاهر عظمة الصّدّيق الكثيرة العديدة هي كيفية تعامله مع التحاق سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، بعظمة لامثيل لها.
قال: طيلة خلافة الصّدّيق لم ينكر عليه أحد من الرعية، ولم ينكر على أحد من الرعية. 101
ثانيا: سيّدنا عمر بن الخطاب
عظمة سيّدنا عمر بن الخطاب:
قال طه حسين في صدر الفصل أنّ سيّدنا عمر بن الخطاب ورث غلظة القلب وفظاظته، وشدّته وعنفه عن أبيه.
أقول: واضح جدّا أنّ عنصر غلظة سيّدنا عمر بن الخطاب من مفاتيح فهم شخصيته، ومن عجائب شخصيته. فهو الغليظ القوي قبل إسلامه، والرّقيق الحنون اللّطيف بعد إسلامه. والغليظ القويّ مع أعداء الله ورسوله وفي حضرة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، والرّقيق العطوف على المسلمين بعد توليه الخلافة. والغليظ القوي على السّادة والأقوياء والأمراء وقادة الجند، والحنون على الضعفاء والفقراء والمساكين من المسلمين بعد توليه الخلافة.
قال وهو يصف عظمة سيّدنا عمر بن الخطاب: “كان إسلامه فتحا حقا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمارته رحمة. وقد أتاح حياة للمسلمين لونا من الحياة في خلافته مازال الغرب، والمسلمون الآن يحلمون بها رغم توفّر الوسائل، وهو الذي لم يكن يملك وسائلهم”.
قال: معاشرة سيّدنا عمر بن الخطاب لسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم جعلته ينتقل وبسرعة فائقة من الغليظ الشديد إلى الرحيم، والرقيق، والمعين، والكفيل. حتّى أنّه أمسى سريع البكاء لسماع ذكر الله تعالى، ويبكي للحياة القاسية التي يعيشها سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو الذي لم يعرف عنه أنّه بكى في الجاهلية. مايدل على أثر الإسلام في العقول والقلوب.
قال: “كان أثناء خلافته شديدا حتّى هابه النّاس جميعا، وكان رقيقا حتّى رجاه النّاس جميعا”.
قال: “كان عمر يكره أشدّ الكره أن يأكل أو يلبس خيرا مما أتيح للنبي وأبي بكر”.
عظمة الصّدّيق من خلال ترشيح سيّدنا عمر بن الخطاب للخلافة:
قال: أعظم عمل قام به سيّدنا الصّدّيق هو ترشيح سيّدنا عمر بن الخطاب خليفة للمسلمين. 107 ولم يفرض على المسلمين إنّما كان ترشيحا، ومن حقّهم أن يقبلوا أو يرفضوا. وقد قبل المسلمون رأي سيّدنا الصّدّيق بترشيح سيّدنا عمر بن الخطاب لحبّهم للصّدّيق، وثقتهم فيه، ولم يخالفه أحد في الإجماع على هذا الترشيح.
قال بالحرف: “وكان اختيار عمر أجلّ خدمة أداها أبوبكر للمسلمين”. 109
راح بعدها طه حسين يبدع في شرح أسباب ترشيح سيّدنا الصّدّيق لسيّدنا عمر بن الخطاب، فقال: “فهو قد توفى والمسلمين بين فكي أسدين الروم والفرس، والعرب حديثو عهد بالردة، فكان المسلمون بحاجة إلى رجل قوي، وشديد، وحريص، ومخلص، وقادر بالنهوض بالأعباء الثقيلة التي تركها الصّدّيق، ويقيم الدولة الناشئة، ويرعى مصالح البلاد المفتوحة وأهلها، وينفذ كتاب الله وسنة نبيه، ويجمع المسلمين بالشدة واللين، ويضمن العدل في غير ضعف ولا جبروت. ولم يكن أحد أقدر على تحمل هذه المسؤولية غير عمر بن الخطاب”. 110.109
حبّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لسيّدنا عمر بن الخطاب:
قال: كان سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم يؤثر سيّدنا عمر بن الخطاب أشدّ الإيثار، ويظهر له من ذلك ماكان يقرّ عينه ويملأ قلبه.
قال: كان سيّدنا عمر بن الخطاب شديد الرفق بسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، والحياطة له؛ والقيام دونه، والحرص على أن يرد عنه كلّ مكروه.
أبدع طه حسين حين قال: كان سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم يكفكف من غلظة وقسوة سيّدنا عمر بن الخطاب، وفي الوقت نفسه يحي فيه الرحمة واللّين، والشفقة.
سيّدنا عمر بن الخطاب يفضّل أسيادنا آل البيت ويؤخّر نفسه، وسيّدنا الصّدّيق:
جاء في الفصل التّاسع: أنشأ سيّدنا عمر بن الخطاب الديوان لتسيير شؤون المسلمين، والعرب لم تكن تعرف هذا النظام، ولم تعرفه أيّة حضارة من قبل.
قال: أوّل عمل قام به سيّدنا عمر بن الخطاب هو تقسيم الغنائم، والخراج، والجزية على أساس القرابة من سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم أوّلا، وعلى أساس حبّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم للصحابي، ولأب الصحابي ثمّ معايير أخرى كالأسبقية في الإسلام، والهجرة للحبشة، والهجرة، وغزوة بدر، والطفل حتّى يفطم.
أقول: أبدع طه حسين حين أشار إلى هذه الملاحظة، قائلا: وأخّر نفسه، وأخّر قبيلة سيّدنا الصّدّيق لأنّهما لم يكونا من عائلة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وأضيف: وهما الخليفة الأوّل السّابق، والخليفة الثّاني الحالي.
قال: وقد ألغى سيّدنا عثمان بن عفان إلغاء العطاء لغير الشيوخ أي أصحاب سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم تحت ضغط المعارضين له الذين قالوا له: “إنما هذا المال لمن قاتل عليه”.
عظمة سيّدنا عمر بن الخطاب في شدّته مع نفسه، والولاة، وأهل بيته:
قال: كان سيّدنا عمر بن الخطاب ينصب الوالي المكلّف بشؤون المسلمين، وينصّب والي ثاني على خزينة المسلمين الذي يعطي للوالي مايحتاج من نفقته الخاصة، بالإضافة إلى ماتحتاجه الدولة والمجتمع. مايعني أنّ سيّدنا عمر بن الخطاب كان على علم بما بداخل الخزينة، وكيفية تسييرها، ومقدار ماينفقه الوالي ومن معه.
قال: كان سيّدنا عمر بن الخطاب هو الذي يختار القضاة، ويرسلهم إلى الأمصار، ولم يكونوا تحت سيطرة الوالي إنّما كانوا مستقلين عنه لايتدخل الوالي في شؤونهم.
قال طه حسين: “كان عمر لايؤثر نفسه بشيء من الخير، وإنما يأكل مع النّاس. وكان لايسمح لأحد من أهل بيته بأن يوسع على نفسه من طعام أو شراب والناس من حولهم جياع”.
أقول: ظلّ طه حسين يكرّر وفي عدّة مناسبات بأنّه لم يوجد خليفة مثل سيّدنا عمر بن الخطاب. ويقصد الخلفاء الأربعة في عظمته، ولم تعرف الأمم قديمها، وحديثها ملكا أو حاكما “يسير في النّاس سيرة عمر”.
قال: “لم تكن أنباء الأمراء تخفى على عمر”.
أقول: ممّا وقفت عنده -ولم يذكره طه حسين- أنّ سيّدنا عمر بن الخطاب سلّم دولة قويّة، وتنظيم دقيق عجيب مبهر لم تصل إليه أعتى حضارة وبما فيها الحضارة الحالية -بتعبير طه حسين- إلى سيّدنا عثمان بن عفان. والسؤال: لماذا تدهورت دولة سيّدنا عثمان بن عفان بتلك السّرعة الخارقة، والمخيفة، وذلك التدهور الرّهيب وقد استلم دولة قويّة، ومنيعة، وصحيحة، وثرية، وواسعة؟.

قال: كان يعد مال الوالي قبل أن يوليه، فإن وجد أكثر بعد ولايته حاسبه، وإن عزله قاسمه ماله.
قال: “وليس غريبا أن يقول غيره: إن بيتا من بيوت المسلمين لم يدخله الحزن لموت عمر لبيت سوء”.
عظمة سيّدنا عمر بن الخطاب من خلال قوّة دولته:
أقول: جريمة قتل سيّدنا عمر بن الخطاب لم تحدث اضطرابا في أركان الدولة، ولا انقلابا عسكريا. مايدلّ على قوّة، وعظمة دولة سيّدنا عمر بن الخطاب التي بناها، ورعاها وتركها لمن خلفه قويّة منيعة.
قال: وكان عمر يتحرّج من رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم. وكان يكره أن يكثر الناس الحديث عن النبي، وينذر المكثرين بالعقوبة”.
أسباب عزل سيّدنا خالد بن الوليد:
أقول: لاأوافق طه حسين في وصفه لسيّدنا خالد بن الوليد بالسّفاك، ويرمي أعداءه في الآبار، ومن أعالي الجبال، ويحرقهم بالنّار، وينصّب بعضهم هدفا للنبال، ويسرف في القتل كما في فتح مكة، وبأنّه اشتهر عنه وعن قبيلته العجب والخيلاء؟!.
أقول: العقاد كان أفضل بكثير من طه حسين في نظرته لسيّدنا خالد بن الوليد، وكان أكثر إنصافا، ودافع بقوّة عن سيّدنا خالد بن الوليد رغم أنّه عاتبه في بعض الوقائع، ووجد لبعض سلوكاته بعض الأعذار. بينما طه حسين كان سيفا مسلّطا على سيّدنا خالد بن الوليد.
من العجائب التي وصلت إليها أنّ طه حسين رفض روايات عديدة وقبل الروايات التي تدين سيّدنا خالد بن الوليد، ودون أن يناقشها، أو يشكّك فيها كما فعل مع غيرها.
أضيف: سيّدنا خالد بن الوليد رجل محترف -بالتّعبير العصري-، وولد قائدا عسكريا بالفطرة، وأدار المعارك باحترافية عالية ومدهشة، وكان قائدا لسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولسيّدنا الصّدّيق، ولسيّدنا عمر بن الخطاب الذي لم يعزله لضعف في قيادته.
أضيف: ثمّ إنّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم منحه لقب سيف الله المسلول، وأقرّه على القيادة وقبل فتح مكة، وبعدها، ومن اللّحظة الأولى التي أعلن فيها إسلامه. وأقرّه سيّدنا الصّدّيق على قيادة الجيش طيلة خلافته وبعد مقتل نويرة، وعاتبه على الزواج بزوجته وأمره أن يسرحها رغم أنّ سيّدنا عمر بن الخطاب طلب من سيّدنا الصّدّيق أن يعزله فرفض.
أضيف: ممّا وقفت عنده وأذكره بوضوح أنّ المسألة لاتتعلّق بسيّدنا خالد بن الوليد فهو القائد العظيم، والجندي المطيع لقائده الأعلى، وفارس قلّ نظيره. إنّما المسألة تتعلّق في اختلاف نظرة سيّدنا الصّدّيق، وسيّدنا عمر بن الخطاب وهما الخلفاء، والقادة لسيّدنا خالد بن الوليد. فالمسألة إذن تتعلّق بنظرتين، ومتناقضتين، ومن زاويتين مختلفتين.
قال: أوّل قرار اتّخذه سيّدنا عمر بن الخطاب بعد توليته الخلافة هو عزل قائد الجيش المكلّف بقتال الروم سيّدنا خالد بن الوليد، وتعيين مكانه سيّدنا عبيدة بن أبي الجراح.
أقول: مع العلم كانت المعركة في أوجّها، وأبلى سيّدنا خالد بن الوليد من حيث الفكرة، والشجاعة، والإقدام بلاء خارقا لامثيل له. مايعني أنّ قرار عزل سيّدنا خالد بن الوليد كان مهيّئا من قبل ينتظر التنفيذ، وبمجرّد ظهور أوّل فرصة وهي موت سيّدنا الصّدّيق أخرج القرار وطبّقه فورا، ودون انتظار رغم انتصارات سيّدنا خالد بن الوليد، وانتصاره في أعظم معركة ضدّ الذين يفقونه عددا وعدّة ولم تشفع له انتصاراته، وانتصاره لدى سيّدنا الخليفة الثّاني عمر بن الخطاب. وقد قال سيّدنا الصّدّيق حين علم بتقدّم الروم، وبأعدادهم الهائلة “لأضربنّهم بخالد بن الوليد”، وجعله قائدا على جميع القادة الكبار.
أقول: ممّا فهمته من الكتاب وأقف عنده لأوّل مرّة -ولم يذكره طه حسين-، أنّ سيّدنا الصّدّيق كان أكثر إقداما على الفتوحات الإسلامية، ومواصلتها، وفتح بلادا جديدة من سيّدنا عمر بن الخطاب الذي كان يقبل الفتح، ومواصلته لكن بعد إلحاح من قادته، وبعد رفض عدّة محاولات منهم، رغم أنّ الفتوحات في عهده كان أكثر من الجميع.
قال: من عادات سيّدنا عمر بن الخطاب أنّه كان يراجع سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم في قضايا حسّاسة كصلح الحديبية، وأسرى بدر، و المنافق أبي بن سلول والصلاة عليه، والصحابي الذي قال لسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم “اعدل؟!”، وقضايا أخرى كالخمر، والحجاب التي وافقه فيها القرآن الكريم. وكان يناقش سيّدنا الصّدّيق أثناء خلافته كطلبه بعزل سيّدنا خالد بن الوليد، ورفضه تولية سيّدنا خالد بن سعيد بن العاص قيادة الجيش المتّجه للشام.
أقول مالم يقله طه حسين: فعلا كان يحدث ذلك من مختلف ألوان المراجعة في قضايا بالغة الحساسية. لكنّ سيّدنا عمر بن الخطاب يلتزم، ويصمت، وينفذ بسرعة بعد أن يسمع قول، أو فعل سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
قال: كان سيّدنا عمر بن الخطاب يحصي مال الوالي قبل أن يوليه، وإذا زاد استدعاه وحاسبه. وكلّما وصلته شكوى من أحد ولاّته إلاّ حقّق معه.

الخميس 21 شوال 1444 هـ، الموافق لـ 11 ماي 2023

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع