رواية الفندق الجديد: الجزء الأول/ الفصل الثاني – وجوه بنغازي المُضيئة

52
رواية الفندق الجديد
الجزء الأول
تأليف/ حسن حسين أبوقباعة
الفصل الثاني – وجوه بنغازي المُضيئة

السماء تتلبد بالغيوم، تلك الأيام، لتنفطر بالمطر الغزير، صقيع عاصف، و شتاء ليس ككل فصول الشتاء يحل، ليُصيب هذه البقعة الهامة من بقاع الكرة الأرضية، أعتقد أنه سيستمر حتي مايو هذا العام، هكذا تتمتم (مصباح) بينه وبين نفسه، ونتيجة لرياح البحر العاتية، وإرتفاع الأمواج وتلاطمها على شاطئ وصخور كورنيش الصابري أواخر فبراير، فقد تلاشي الأفق، وتبلور المشهد، ليتفتق هنا في مدينة بنغازي وعلي أحد أجمل شواطئها شاطئ الصابري المفتوح، مشهداً ربانياً غريباً وفريد، بانفتاح السماء وهطول أمطار شديدة الغزارة، وكأن السماء تُصرح مبكرا، لتعلن أن البلاد ستشهد أحداثا لم يسبق حدوثها منذ دهر!!.
… وإبتداء من منطقة رأس المنقار الكبير إلي البنكينة، مرورا برأس المنقار الصغير ورأس التونسي والصالتو والشابي و حتي البنكينة في منطقة جليانة هناك، حيث المراكب تصطف في إنتظار البحارة المصريين والتوانسة، والرياس الليبيين، وعلي غير عادة شهر فبراير من كل عام، تسرب بعض الأشخاص المُلتحين المهرولين علي رمال الشاطئ البيضاء منذ ساعات الفجر الأولي، لتتطاير من وقع أقدامهم طيور النورس، أو ما يطلق عليها بالعامية طيور (البوحوام)، كانوا يؤدون رياضة الإحماء والهرولة وكأنهم، أقاموا معسكراً، لإكتساب بعض اللياقة البدنية إستعدادا للقيام بمهام عضلية جسيمة!!
– تحدث (مصباح) إلي نفسه متسائلا وساخراً بعد أن أوقف مركبته بمحاذاة نادي نجوم الصابري الرياضي:
ماذا يريد الملتحون من ممارسة رياضة الهرولة الصباحية الجماعية هذه؟
هل سيشاركون في الاحتجاجات ضد النظام؟
هل هم مُقدمون على عمليات تتطلب الجري والمطاردات والعنف؟
– وأضاف:
هؤلاء من أكثر الناس المترددون على المساجد!!، يُخال لي أنهم قد اتخذوا من هذا الشاطئ معسكرا سرياً، إستعدادا للمشاركة في مرحلة ستتجاوز المظاهرات السلمية التي خرج بها شباب بنغازي الأسبوع المنصرم.
أقترب (مصباح) مترجلا ًمن الجماعات المهرولة، فأشار إليه أحدهم بحدة الصوت بالابتعاد!! فعاد أدراجه إلي حيث تقبع مركبته، ليقودها مبتعدا، متمتما بالمثل الليبي الشعبي: (الشهر اللي ماهوش لك، متعدش أيامه)، ليحور المثل مضيفاُ عبارة جديدة: (والمشوار اللي موش ليك بلاش اتعد فيه خطاويك) ح س ن.
وأستمر (مصباح) يفكر صامتاً، مستغرباً خلو الشاطئ من صيادي المنطقة، والذين يعرفون باللهجة المحلية بـ(الحواتين)، أو (الحواته)، لقد كانوا يمارسون الصيد بطريقتين، إما برمي الجولاطينة والتي يشتهر بتصنيعها فقط سكان الصابري وما جاورها ،أو أنهم يقومون برمي الشباك عند غروب الشمس، نتيجة خبرتهم بالأمكنة واتجاه الرياح، وعن طريق عدد اثنان من الحواته المستقلين لظهر مركبا خشبيا متهالكاً في أحسن الظروف، أو مايعرف بـ (الفلوكه)، يقومون بالتجديف حتي يصلون لأماكن مرور أسراب السمك اليومية، فيسقطون الشباك في المكان المحدد، وعلى بعد مسافة من رمال الشاطئ، وحين يبزغ ضوء فجر اليوم التالي، يقوموا بلملمة تلك الشباك، والتي قلما تكون فارغة عند سحبها، فتتنوع غلتهم اليومية ما بين أسماك البوري والسردين والحمرايا والفروج والبطاطا والقرنيطة والسبيط والمحار أو مايعرف بالبزوية في العامية الليبية، وقد يكون الحوات محظوظا، فيحضي ببعض الأسماك النادرة الظهور في مياه بحر الصابري.
هناك أيضا بعض الغواصون من أبناء الحي،وهم يرتدون بدل و لباس سوداء للغوص، ويحملون بنادق للصيد في البحر، التي تعرف في العامية الليبية بـ (الفيزقا)، وقد يخرجون من عمق البحر وعلي أكتافهم أو بين أحضانهم صيد ثمين ككلب البحر الصغير أو سمكة فروج ضخمة في أحسن الظروف.
..لكن هناك حركة غير اعتيادية يلحظها (مصباح)، فهي ليست حركة للمصطافين أو لرواد البحر أو المتدينين، فهناك شيئاً خطيرا، أنه عمل جريء يكاد يصل إلي درجة التهور.
…. صياح وهتافات ضد النظام وتدافع ناحية محكمة شمال بنغازي، ومقر الأمن الداخلي القابع خلف تلك المحكمة.
.. كانت بعض الراديوهات والقنوات في المقاهي تنقل الخبر والصورة والجموع صارت تهتف:
“نوضي نوضي يا بنغازي** جاك اليوم اللي فيه إتراجي “
وهناك هناك ازدحاماً يشاهده القاصي والداني كذلك علي الطريق الساحلي شرق منطقة الصابري، بدءً من جزيرة دوران منطقة (سيدي يونس)، وحتي جزيرة دوران منطقة (بودزيرة)، لتستمر صعوبة مرور السيارات في اتجاه كوبري ضاحية (سيدي خليفة)!!
… لقد كانت بعض العائلات الموالية لحكومة القذافي، تغادر بمركباتها وبشكل سريع جداً، لتترك خلفها، مساكنها ومتاجرها، بل كل ما تملك من عقارات، لقد زحفت كـ أسراب لطيور مهاجرة،لتتدفق في ذاك الطريق الشرقي لمدينة بنغازي، وقد كانت وجهتهم المنفذ الحدودي مع جمهورية مصر العربية مدينة (أمساعد) .
“هل هم هاربون؟”.
– تسأل (مصباح) في قرارة نفسه كذلك.
– ثم أجاب:
لا لا…. لا أعتقد ذلك بل قطعاً مستحيل!!
… فقد تذكر كيف أقسموا في برقيات العهد والمبايعة التي قدموها في كل المناسبات الوطنية وغير الوطنية، بأنهم رجاله، وحواريوه المخلصين، وأنهم سيضحون بأرواحهم وأبنائهم فداء له، فهو الصقر الوحيد وملك ملوك أفريقيا، كما ينعتوه ويهتفوا له في المناسبات الثورية المجيدة!.
…لا لا…لا أعتقد أنهم قد قرروا الفرار، ليتركوا من غنوا له بأهزوجة:
” يا بو عبا دونك ثلاث ملاين ”
وأهزوجة:
” زيد تحدي زيد تحدي —- نحن أرجالك وقت الشدة ” وغيرها.
أنهم لن يفعلوها ويتركوه في السفينة المنتهية لمصير الغرق، ليقاوم إعصار التغيير الجارف وحيداً!.
… فهل تعلمون أنه ومنذ أربعة عقود، ولو تم تجميع ما قُدم في كل عشرات الدقائق الأول في نشرات قناة الجماهيرية الإخبارية، سوف يتم الوصول الي ما يقرب من سنتين من بث مادة برامجية مكررة تحتوي نفس الهتافات المؤيدة والمعززة لخطوات رأس النظام الليبي العقيد معمر القذافي، وبرقيات العهد والمبايعة التي يتنافسون هم وأبنائهم علي تقديمها أمامه بل أنهم يحتكرون تقديمها احتكارا، أنه لو تم تجميع المادة الإعلامية المكررة تلك، ولو تمكنا من إجراء حسبة مالية، سيتم نتيجة لذلك توفير تكاليف كانت ستدفع من أجل نفس المشهد، وأن هذه الميزانية المهدرة تستطيع بها دولة عصر الجماهير، بناء مدينة صناعية متكاملة، حتماً كانت ستنهي حالة البطالة السائدة بين الشباب، والتي كانت إحدي أقوي الأسباب التي اندلعت بسببها هذه التظاهرات والاحتجاجات الصادمة!!.
إحدى العائلات الهاربة طاردتها مجموعة من السيارات، لتغلق أمامهم الطريق، وتجبر رب الأسرة على التوقف للتأكد من هويته، ومن ثمة يسارع بعض الشباب لإقتياده إلي سيارة آخرى، تاركين العائلة وأبنهم في ورطة!!
لقد كان الرجل يصيح في أبنه، لكن من حُسن حظهم أنهم لم يتفطنوا بأن (ماجدة) كانت من ضمن النسوة الخمسة.
– الرجل:
يا (سند) يا (سند)، رد بالك من أمك وخواتك.
هنا قرر (مصباح) معرفة ما يجري!.
… ولماذا أقتاد هؤلاء الرجال والده؟
فأقترب من السيارة وركابها فإذا به يري عدد خمسة من النساء والشاب والذي كان يناديه والده باسم (سند)، ثم تسأل مستفسرا.
– مصباح:
خير يا شاب شن فيه؟ أي خدمة؟
– سند:
يستر الله وخلاص
– مصباح باللهجة الليبية الدارجة :
ممكن نعرف من الشخص اللي خذوه؟ وعليش خذوه؟
– سند يرد بنفس اللهجة :
اللي خذوه هو والدي الأستاذ فوزي، اوهوا من قادة حركة اللجان الثورية وكان يخدم في مكتب الاتصال، لكن موش حنتركه حنلحق بيه مانيش تارك والدي.
– (مصباح) يطمئن (سند):
يستر الله يستر الله وقفل راجعا إلي حيث كانت سيارته واقفة، فصعد إليها وقادها من جديد، ليتجهم وجه (مصباح)، وتتجهش عيناه، لتتقاطر الدموع من تحت نظاراته الطبية علي غير العادة، فتوقف عن قيادة مركبته وبدأ يركل الدواليب برجليه متأسفاً، ثم صعد من تذمره فوجه لكمة قوية ناحية زجاج النافذة، ليتهاوي الزجاج مبعثرا علي الطريق، وهياهات من يستطيع إعادة الزجاج المكسور إلي طبيعته من جديد؟.
لقد كانت ردة فعل عنيفة جراء ما حدث ويتوقع حدوثه في البلاد، ولم يتوقف حتي شاكسه أحد الشباب المارين بدراجة، أو ما يعرف في العامية الليبية القديمة بـ (البشكليطة)،كانوا شلة يرتدون بنطلونات لا تغطي ثلاثة من أرباع أجسادهم وينتعلون نعالا، ما تعرف في العامية الليبية (سبابيط إصبع)،لا تخفي قبح وتشوه أقدامهم وأظافرهم المهملة،في مشهد مهين لطريقة لباس المجتمع الليبي المحافظ، وباللهجة الليبية العامية صاح أحدهم في (مصباح) وكان في حالة عداوة مزمنة معه كان يُدعي بـ (مرعي)، وقد كانت هذه الشلة دائمة اللحاق ب(مصباح) حين يمر من أمامهم.
– مرعي باللهجة السوقية :
“شن أدير يا مطرشق “……. “شن أدير يا حالة “، وكرر العبارات نفسها لـ (مصباح)، بطريقة قذرة عديد المرات.
….تمالك مصباح نفسه، لكن من محاسن الصدف، أن المشاحنة قد وقعت تحت مرآي ومسمع اثنين من أبناء الحي المحترمين، أنهم ( الحلاق عادل وصاحب التاكسي نبيل) والذين كانوا يمارسون رياضة الهرولة كذلك علي شاطئ البحر، حين بدأت المصادمة.
– رد مصباح بمبدأ ورد في المأثور العربي:
” لكل مقام مقال “:
توا أنا هو المطرشق يا متسكع.
– (مرعي) و بعد أن نظر إلي أصدقائه، فعادوا إليه ليساندوه، حينها ترجل و قال موجهاً كلامه لـ (مصباح):
أنت أمطر شق وهبل وطايح علي راسك، ولو أتزيد معايا كلمة، أنجي أنخر بلك وجهك ياهبل أمشي عدي غني في الإذاعة، وأنت ديمة لابس بدلة، قبل ما أنعفرت عليك وأنشرطها لك ياوجه الحكية.
ثم بدأت الشلة تصفق وتغني بصوت عال ساخرين من (مصباح):
اليوم حنة وبكرة أنزفوها ــــــــــــــ جيبوها هيا جيبوها.
اليوم حنة وبكرة أنزفوها ــــــــــــــــ جيبوها السمحة جيبوها.
– رد (مصباح) بعد أن أخرج الحبلة من تحت مقعد سيارته وهي أداء خشبية تشبه المأسورة الحديدية، كانت تستخدم في العراك حينها، ليقوم بتثبيتها بحزام جلدي حول معصمه حتي لا تسقط منه أثناء العراك المحتمل، عازماً علي الدفاع عن نفسه جراء أسأتهم له وسخريتهم منه ، فتراجع المشاكسون خُطوات للوراء خوفاً، كونهم يدركون أن(مصباح) حين يعتزم العراك، فأنه لن يتراجع وسيستعمل بكل عنف ما في قبضته من أشياء،فقال (مصباح) بشجاعة وتهكم موجها حديثه إلي (مرعي) باللهجة الليبية العامية:
” وإن شاء الله تبي تضربني أوحدك وإلا انت وجماعتك القدعان هاظوما؟، وكم عركة بالله عليك؟ عركة وحدة؟، أو ميه عركة حتي أترد ضربتك؟،أسمع لو عركة وحدة أوك، بالجودة بيك و مرحبتين بيكم، ولو كل مرة تبوا أتردوا ضربتكم وتجيبولي أولاد عمكم وقبائلكم، أنا معنديش ليكم وقت، أنا في الحالة هذه راني خواف بدعة وذلال أنخاف حتي من ظلي وحنخليكم تضربوني”.
ومن جراء هذا الرد المُتعمد والمتقن من طرف (مصباح) أوجد لهم مهرباً، كونه لا يرغب في العراك، خصوصا وأن هؤلاء المتسكعين، لهم نفوذا وعلاقات جيدة مع أفراد الشرطة ولذلك هم يتجرأون علناً، ويتمادون بمثل هذه الأفعال القذرة، وبهذا وجد المشاكسون فرصة للتراجع عن العراك.
– فقال أحدهم وأسمه (جمال)موجها حديثه إلي (مرعي):
فوته ولد الحكية يالوزة، فوته هالمطرشق الخواف، وابتعدوا بدراجاتهم بعيدا ثم صاح (مرعي) شاتما اسم الجلالة و (مصباح) في ذات الوقت الذي أرعدت فيه السماء مهددة بعقاب جراء التجروء علي إسم الجلالة بالسب والقذف والشتم تلك اللحظة.
– استشاط (مصباح) غضباً، وصاح في (مرعي):
توقف توقف وتوجه إليه مسرعا، حينها تسمر (مرعي) في مكانه وأرتبك من قدوم (مصباح) إليه عازماً ضربه، فتظاهر بالشجاعة، وتقدم خطوتين، ولكن بعد أن تضاعفت سرعة (مصباح) تجاهه، أضطرب (مرعي) واستدار، وقرر الفرار تاركا الدراجة ورفاقه، معتقداً أن (مصباح) لن يلحق به و سيتركه، لكن (مصباح) زاد من سرعته بشكل رهيب، حتي أمسك به في أحد الأزقة المتفرعة من الطريق البحري، ليتعثر (مرعي) ويسقط أرضاً، فينهال عليه بالضرب المبرح، ولم يتفطن، إلا وأيادي (نبيل وعادل وجمال) تقف عازلا بينه وبين (مرعي)، لتنهي حالة الاشتباك تلك.
وعلي الفور أخذ (عادل) و (جمال) الأرعن (مرعي)، وعادا به إلي دراجته ليواسياه ويتفهم (عادل) منه دوافع العداء والخصام الذي حدث.
أما (نبيل)، فقد قرر أن يكون مرافقاً لـ (مصباح)،وأن يسايره أثناء تجواله بمركبته،ليواسيه هو الآخر، ويخفف عنه.
– تسأل (عادل)عن سبب العداء موجهاً سؤاله لــ (مرعي):
لكن (مرعي) ظل صامتاً، ولم يجبه حتي بكلمة.
– فوجه (عادل) التساؤل نفسه،إلي أفراد الشلة، وأمام إصرار (عادل) تطوع (جمال) بالإجابة نيابة عن (مرعي) فرد بصوت خفيض وبلهجته السوقية :
فوت الموضوع يا أصلي، فوته الموضوع ورأس إعدوله، وسرب غمزة عين لـ (عادل)، ليبتعد معه بحجة تعبئة مياه في قنينة مياه فارغة من أقرب دورة مياه مسجد، ليستعملوها في تضميد وجه (مرعي) من أثر اللكمات، وفي الطريق،قال (جمال) محدثاً (عادل).
– جمال:
الموضوع وما فيه باختصار أن (مصباح) كاين خاطب أخت (مرعي) مدة سنتين وبعدها الراجل اللي صارله صارله معش رغب في البنت فتركها.
ومن هظك الوقت والبنت أتحرش في خوها علي (مصباح).
– عادل باللهجة العامية:
بس حد علمي أن (مصباح) راجل محترم وموش متزوج لعند ها لوقت.
– جمال:
موش عارف لكن حد علمي أنا، أن (مرعي) ديمه يدوي وحايس فيها قرمة علي (مصباح) قدامنا ويهدد علي أساس مايطلق،نين ايخلي الناس أتقول أن (مصباح) واحد ساقط وموش محترم.
– عادل:
ايوة فهمت القصة، (مرعي) يحساب أن (مصباح) فك على أخته وفسخ الخطوبة، لأنها موش محترمة، لأنه هو بصراحة (مرعي) شخص ايسبب صداع بجد يـا (جمال)، شن جاب لجاب، ومن هاللي يرضي يناسب واحد كيف (مرعي)؟ لكن بجد واحد كيف (مرعي) متهور من هو اللي يقدر ايفهمه وايقنعه أن الزواج قسمة ونصيب؟.
– أكمل جمال مقهقها:
اسمع اسمع مرة جت مكالمة لـ (مرعي) من أخته وانا جالس معاه انسبسوا، ونقزروا، وتقطعوا في قرزة حشيش، فرنت اخته، اتحرش فيه على (مصباح) علي أساس أنه جاء وتهجم علي الحوش، ايطالب فيها بالمصروفات اللي صرفهن عليها في الخطوبة، وضحك بصوت عال، وبعد مشينا دغري فتحنا فيه محضر في مركز الشرطة، وشهدنا على صحة الكلام اللي في المحضر، وبصمنا حتي البصم بيدينا وكرعينا،(شهادة زور مقابل شهادة زور) يعني، كيف ماقالوا المصريين (شيلنى واشيلك)، شهدنا على اساس شفناه وهو يتهجم على الحوش، وبعد ماثبتنا المحضر نحن الأولين، خير مايسبقنا، كملنا طريقنا شور حوش عائلة (مصباح) نبوا نضربوه.
– أردف (جمال) ضاحكاً: عرفت شن صار يالوزة:
– عادل: شن صار؟
– أجابه (جمال) بعلو الصوت ضاحكاً:
طلعلنا واحد من خوته،قاللنا أن (مصباح) مسافر يدرس بره البلاد من فترة سنة يقرأ في (مصر) اقراية شور علم الصحافة.
وطلع الموضوع بلعطة ورزالة من البنت راقيتلها لأنها معش شافت (مصباح) وغابت اخباره عليها.
– عادل ضاحكاً:
والله ين عجد كده، وباه كيف درتوا في المحضر؟
– رد (جمال):
قاعد مدسوس غامين عليه في الأدراج، مرات يستحقوله في التحري على شخص أخر يتهجم على اي حوش، من باب الإشتباه.
وبينما الإثنان يتحاوران جأت مكالمة هاتفية لـ (عادل) من شقيقه (العريف سالم).
– العريف سالم:
الو (عادل)، عديت لصالونك الحلاق والا لا، وكان مازلت ماعديتش….تقدر اتجيني اتروح بيا؟.
– رد عادل:
مازلت مااشتغلتش راني، والزبائن ينتظروا فيا تحت الفندق الجديد.
…. وين سياراتك؟
– العريف سالم:
في الورشة اليوم مابتش تولع حطيتها في ورشة.
… بلاش بلاش عدي افتح صالون حلاقتك أستفتح وأخدم علي راسك، أنا حنتصرف في المرواحة.
– عادل:
لالا الشغل توا نلحق عليه، أنا اساع انجيك توا متسقدلك.
– هنا تدخل (مرعي) وبعد أن نظر مبتسما لأفراد شلته قائلا:
والنبي يا (اعدولة) يا أصلي نبوا اخديمة أصغيرة بكل وأنت ماشي لحبس الكويفية.
– رد عادل: إن شاء الله خير.
نبيك اتوصل اشوية حاجات لـ (مراجع) خوي محكوم في قضية جلب وتعاطي واتجار مخدرات وحبوب هلوسة، تلقاه في عنبر رقم (6) ليا زمان أمقصر في حقه وماجبتنيش طريق شور حبس الكويفية.
– عادل متحمساً لمعرفة كل التفاصيل عن (مرعي):
باهي جيب الحاجات توا وهيا رافقني باش اتخش بيهن زيارة وتمدهن لاه بروحك ايش يمنع وانا عليا انخلي خويا (سالم) ايخششنا.
– مرعي:
حتي هو راي.. لحظة وانجيك يالوزة، ثم دخل مسرعاً لاحد البيوت ليجلب كيسا به مجموعة ثياب
– وقال مخاطبا ً(عادل):
ساكنلي (امراجع) يبي الكويش واشوية دبش، هيا انتوكلوا.
– عادل:
ليش لا!! هيا شور السيارة انسيب فيها امدرسة ع البحر كل مانبي انهرول.
وبينما (عادل) و(مرعي) يستقلا السيارة في الطريق الي سجن الكويفية والذي يبعد الحوالي 10 كيلومترات شرقاً من منطقة الصابري.
كان (مصباح) يجلس في سيارته، حزينا،من جراء ما حدث معه في العراك وجراء ما سمعه من كلمات خادشة وجارحة لمشاعره الإنسانية والمهينة لمستواه الفكري،ولإسم الجلالة، وقد جلس بجانبه (نبيل)، ليواسيه ويخفف عنه ويهدي من روعه، ثم أستأنف التجوال برفقة (نبيل) هذه المرة، حتي وصلا شارع جمال عبد الناصر، حينها بدأ يتأمل ويفكر بعمق أكثر،ويتحدث مع نفسه حيناً وأحيانا آخري يحدث (نبيل).
– مصباح:
يا لا الهول يا لا الهول، غباء بل منتهي الغباء لقد تذكر عبارة من عبارات العقيد القذافي حينها في كتابه الأخضر والغير مرغوب به هذه الأيام والتي تقول: (أن الجهل سينتهي، عندما يُقدم كل شيء علي حقيقته).
– وأضاف:
هل تعلم يا (نبيل) أن هؤلاء الفتية المتحمسون للتغيير ولإسقاط النظام، لم يدركوا أن حي الصابري خاصة ومدينة بنغازي عامة، دأبت، ولا تزال ملاذاً ومسقطاً لرأس أكبر أدباء ومثقفي وفناني ورياضيي بل أشهر شخصيات ليبيا، وعلاماتها المضيئة، من أمثال الأديب الراحل الصادق النيهوم، والمعلق الرياضي محمد بالرأس علي، والمطرب الفذ محمد حسن، والإعلامية الرائدة الراحلة خديجة الجهمي، واللاعب الفذ فوزي العيساوي، وغيرهم وغيرهم، من المتميزين على الصعيد الثقافي والرياضي والإعلامي الليبي و العربي والذين التحقوا بالركب المشرف.
أليست هذه الكوكبة من الناس تمثل وجوها مضيئة وعلاماتً بارزة تدعوا وتأخذ بمشاعرنا إلي التفاؤل والأمل والاطمئنان؟ يا (نبيل).
أتعلم أنهم لو انتبهوا الي مثل هذه النعمة الربانية، سوف ترقي هذه الأرض، وتنهض بطرق غير تصادمية بعيدة عن العنف والتخريب والإرهاب ولكن هيهات أن يرجعوا للخلف ويتأملوا في نصف الكوب الممتلئ في بلادي.
لا أعلم يا (نبيل) لماذا لا يحركون أدمغتهم أو يقتدوا هؤلاء الفتية الثائرة بما فعله ويفعله الحاج (أنور) أو الشاب الناجح (فرج)، فهما نموذجين رائعين في المنطقة، وكان من الأجدي أومن المفترض أن تُسلط عليهم الأضواء من طرف الإعلاميين في صحف الحكومة أو منابرها الإعلامية، صحيح أن منطقة الصابري قليلة التعداد السكاني، وبالتالي رجالات الأعمال يندرون بها، لكن بعض من أبنائها، اعتبرهم نموذجا مذهلاً، للاقتداء فلقد اجتهدوا، فطوروا من أدائهم، وتضاعفت مواردهم المالية وتنوعت مشاريعهم، فبرزوا كرؤساء للأموال وكأثرياء في هذه المنطقة الفقيرة….
ها هو يا (نبيل)، (الحاج أنور) ومشاريعه المتجددة، فهو يوشك أن ينتهي من بناء فندقاً جديداً من فئة الأربعة نجوم ذو مدخلين في هذه الفترة، لينظم هذا الفندق التحفة العمرانية إلي مجموعة مشاريعه التنموية، فمدرسته الخاصة تطورت، فاتسعت، لتشمل جميع المراحل التعليمية، بعد أن كانت مقتصرة فقط على السنتين الأولي والثانية الابتدائي، وصالون الحلاقة الواقع خلف الفندق علي الشارع الرئيسي الخلفي، ومحطة البنزين الخاصة به، تعمل على مدار اليوم الكامل، كذلك عيادته الخاصة فحدث عنها ولا حرج، فقد اشتهرت حتي بدأت تستقبل الأطباء المشاهير من مصر والأردن وتونس.
أما رجل الإعمال الصغير (فرج) يا (نبيل)، فقد أصبح كبيرا في فترة وجيزة نظرا لصدق نيته وانتهاجه لطريق الكسب الحلال، فقد كان متميزا عن أقرانه، لقد رايته منذ بضعة سنوات وهو يتردد على مكاتب حجز تذاكر الطيران عند ضريح عمر المختار، شابا نشيطا يرتدي البدل الأنيقة، قليل الكلام يأتي لمكاتب الخطوط الليبية الرئيسة، ليحجز تذكرة سفر الي مدينة إسطنبول التركية أوالأمارات أوسنغافورة، ممتهنا مهنة تاجر الشنطة، نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات، فلقد كان يقوم في إولي رحلاته بتوريد بعض الأحجار الكريمة كالفيروز الأزرق وبعض حقائب الدراسة بطريقة إدارة وقت رائعة، فقد كان يسافر الأربعاء عبر طيران الخطوط الليبية ويرجع ليلة السبت عبر طيران الخطوط التركية، مقللا مصروفاته، ونفقات سفرياته بشكل غير عادي بطريقة (التوفير عمل) ح س ن، ليزيد من أرباح رحلته القصيرة جدا، لقد تمكن بسرعة مدهشة من شراء عقداً من الذهب والذي تعرفه النساء في بلدي بمسمي عقد المجارات وأسوارات تسميهن نساء ليبيا (حدايد الزقزيقة)، ليمنحه إلي أمه، بدلا من عقد (الكردان بو ثلاثة اهلله) و(الدملج المفكرن) التي ابتاعته لتمكن إبنها (فرج) من توفير رأس المال المطلوب لانطلاقه في عالم التجارة، و ليبدأ أبنها مشوار السفر والربح، و ليصبح من علامات الصابري الجميلة، بل مدينة بنغازي الكبري كذلك.
لقد نجح (فرج) نجاحاً باهراً في مقصده، فها هو يفتتح سلسلة من أكبر متاجر الملابس في بنغازي بدءً من شارع الخطوط بمنطقة الصابري وشارع عشرين في وسط البلاد وفي الحدائق وهاهو يُدشن المقر الرابع لسلسلة محلاته في شارع دبي الجميل.
لقد كان متميزاً بإدارته لفروع محلاته، لقد شدني يوما، مشهدا لعدد كبير من سيارات الهونداي نوع (إكسنت)،كان عددها إثني عشرة مركبة بيضاء اللون جميعها قام بتأجيرها من معرض سيارات (عائلة نجم) الأصيلة، في موسم الصيف وأخذن يسيرن في شوارع وميادين مدينة بنغازي طيلة أسبوعا كاملاً، لتعلن للناس أن هناك دفعات ملابس صيفية وصلت إلي فروع محلاته الأربعة، فسارت تلك السيارات الإثني عشر متتابعات، ومصدرة أصواتً للأبواق، بنفس طريقة سير موكب الزفة في العرس الليبي الرائع.
هذا ما كان يدور في فكر(مصباح) ويبوح به أحيانا (لنبيل)، وهو يقود مركبته متذكرا الأشياء الجميلة التي حدثت في منطقته الصابري، متأسفاً علي ما يتوقع حدوثه الأيام القريبة في بلاده حيث جموع الشباب تجهز البنزين والفتيل والقطن في زجاجات المشروبات الغازية، وما كان يعرف بالعامية (اشيش القازوزة القزاز)، لتصنع قنابل المولوتوف، ويجمعون علب الطماطم المعجون الفارغة ليصنعوا مزيدا من المتفجرات فيما يعرف بالعامية بالجولاطينة، في تطورا خطيرا لتستعد المظاهرات السلمية للانحراف بقدرة قادر الي عمليات عنف وتخريب وتفجير. وبتغلغل واندساس أجانب بين صفوف المتظاهرين أبناء البلاد.
وفي نفس الأثناء وعلي الجانب الآخر كان (عادل) يقود سيارته و يحاور (مرعي) ليتبين منه تفاصيل أخري حول شقيقه (أمراجع).
– فقال (عادل):
تقدر تذكرلي يا (مرعي) من أمتا خوك (إمراجع) محبوس بالضبط؟
– رد (مرعي):
موش عارف بس اللي عارفه واللي متذكره انه بعد امتسك خويا (أمراجع) في القضية، ولد الحكية (مصباح) علي طول سيب البنت، وفسخ خطبة اختي (مرعية).
والبارد (مصباح) خط علي البنية من ثلاثة سنوات، يعني يالوزة (أمراجع) محبوس من ثلاث أسنين.
عادل يقود السيارة ومتظاهراً بأنه يتفق مع (مرعي) ، فيخفف عنه ويواسيه من جراء الركلات واللكمات التي أشبعه بها (مصباح) تارة وتارة أخري يستفزه بسؤال.
… لكن (مرعي) لم يصمت، ولم يكف عن التهديد والوعيد بالانتقام من (مصباح) فردد متحسسا أمكنة اللكمات التي وجهها اليه (مصباح) ومهددا.
– مرعي باللهجة السوقية:
وقسما بهلي خلق الكون حنوريه ع الضربة هذي الحكية ولد الحكية، وحنرد الصاع صاعين، وحيه عليه بعدك الأيام هاذي البلاد متلخبطة وماحدش يندري علي حد..
– عادل:
لكن أنت عارف يا(مرعي) أن (مصباح)، من النوع الحركي كيف الزئبق، مايقعدش في مكان واحد مالأخير مايمتسكش وصعب ينشد.
وهنا وصلت بهم السيارة الي مؤسسة الإصلاح والتأهيل الواقعة بمنطقة الكويفية، فترجل (عادل) و(مرعي)،ليصافح (مرعي) (العريف سالم) شقيق (عادل) طالبا منه تسهيل دخوله لزيارة شقيقه المحكوم علي ذمة قضية والموجود في العنبر رقم 6 القاطع 7.
وبعد أن تفهم (العريف سالم) الأمر طلب بعض الدقائق ليدخل ويجلب إذن خطي يمكنه من الدخول لزيارة شقيقه.
بعد خمس دقائق تحديد عاد (العريف سالم) ملوحا من بعيد بورقة الإذن البيضاء.
– تمتم مرعي:
أصلي يا (سالم) والله، أصلي يا(إعدولة) والله.
…دخل الثلاثة العنبر المقصود، ليجدوا عددا من السجناء، الغير متفطنين لدخول الثلاثة، وقد كان بعضهم متكيئاً، ويظهر عليه علامات الإعياء والتعب، والبعض الأخر كان جالسا علي شكل دائرة، ليشاهدوا اثنين كانا يلعبان ويراهنان على الهواتف عن طريق لعبة الكوتشينة أو ما يعرف في العامية الليبية بلعبة (الكارطة).
كانا أحد اللاعبين يدعي(جادالله)، شاباً يافعاً أربعيني، قليل الحركة، قليل الكلام، مُكتمل الرجولة، يمتلك نظراتً حادة، كان يرتدي ثياباً متهتكة، يبدو أنها لم تنسلخ عن جسده منذ عدة سنوات، كان يرتدي بنطلوناً من نوع جينز، وفانيلة فوقها قميصاً مفتوحاً به مربعات.
كان يلاعب شخصاً أخر أنه (عثمان) سوداني الجنسية لكنه كان يشبه الي حد كبير (جادلله)،
وقد كان يردد دائما أنه بري، وأن الذين شهدوا ضده زورا وبهتانا، غايتهم الاستحواذ علي الشاحنة التي يملكها، ولم يخبر عن مكان الشاحنة إلا (جادالله) و (إمراجع).
كانت هناك مراهنة بين الاثنان تتلخص أنه في حالة فوز أحدهم على الآخر، فأن الرابح سيفوز بجهاز الهاتف النقال الخاص بالخصم وقميصه وكذلك الفانلة.
راهن جميع من في العنبر علي فوز (جادالله)، كونه الأكثر دهاءً، لكنه خيب رهانهم، فلقد تعمد أن يخسر، دون أن ينتبه له أحد.
لكن (العريف سالم)، ومن جراء حسه الأمني الشديد، شكك في الأمر وأستغرب خسارة (جادالله) لهاتفه بدون إحتجاج أو تعصب؟
فربح (عثمان) الهاتف الذي كان يستعمله، والقميص والفانيلة، دون معرفة هو والآخرين أن (جادالله) يريد التخلص من جهازه، وبعض من ثيابه، وما يحمله الهاتف من أسماء وأرقام تخص كل من تعامل معهم خلال فترة سجنه وهو يريد التخلص من أي شيء يربطه بهذا المكان، كونه يتوقع الإفراج عليه في إي لحظة.
ولا يعلم أحد سواه بحجم المكالمات المجهولة والتي كانت تأتيه بين الفينة والأخري هذه الأيام مهددة له بالقتل، تارة أو بالانضمام، لمجموعات مسلحة بدأت تظهر في بنغازي، بمجرد خروجه من السجن.
وفي هذه اللحظة أنتبه الجميع لدخول (العريف سالم) وشقيقه (عادل) والأرعن (مرعي)، والذي ما أن رأي شقيقه (أمراجع) حتي أحتضنه، ثم تعانقا طويلاً، ومن ثمه همس (مرعي) في أذن أخيه قائلاً.
– مرعي باللهجة السوقية:
جبتلك المعلوم يادولة، تلقاه في الكويش يامعلم.
– رد أمراجع:
أمنورعارفك أصلي وتربايتي.
وبمجرد خروج (العريف سالم)، ومن معه، قام (إمراجع) بتفتيش الحذاء الرياضي ، فأخرج كمية من المخدرات والحبوب منه.
وفي نفس التوقيت، وصل(مصباح) بسيارته إلي الطريق الواقع بين مدرستي فاطمة الزهراء الإعدادية للبنات، ومدرسة الانتفاضة ثم مدرسة القومية العربية، في اتجاه مبني بنك الوحدة، ومن بعده مبني السجل المدني علي الشمال، وأمانة اللجنة الشعبية لمحلة الصابري والمركز الثقافي علي اليمين،و بينما ينقطع حديثه وتسلسل تفكيره بين الفينة والآخري، وبرفقته (نبيل)، نتيجة تركيزه علي كلمات أغنية المطرب الليبي الفذ (محمد حسن) والتي كانت تنساب عبر مذياع مركبته لتقول كلماتها:
يلادنا زين على زين ــــــــــــــــ بلادنا ورد وياسمين
– فيرفع صوت مذياع سيارته عند وصول الأغنية إلي الكلمات :
الصابري عرجون الفل ــــــــــــــــــــــــ الصابري عمره ماذل
” الصابري زين علي زين ــــــــــــــــــ الصابري ورد وياسمين
ياعيـــــــــــــن ياعيــــن ـــــــــــــــــــ ـ أنتي ـــ هانا والغالي وين.
ثم يُخفض الصوت عند مشاهدتهم، لجموع كثيرة من العائلات، والتي كانت تهرول في اتجاه المدخل الجنوبي لنادي التحدي الثقافي الرياضي، كانت العائلات تهرول والنساء تجرجر الأطفال والأمتعة، والرجال تتسابق في ذلك الاتجاه!!.
أطفئ (مصباح) مذياع مركبته، وأخذ ينظر من أمام مفترق الطريق، تاركاً البحر من خلفه دائس علي البنزين، ومبدل لمقبض السرعات ثانية، فثالثة، فرابعة، لتصدر دواليب مركبته، نتيجة احتكاكها بالإسفلت، صراخا عظيما وهائل، مما أسترعي هذا الفعل إنتباه رجالات الأمن المستنفرين أمام مركز شرطة الصابري، وأتجه مُسرعا ناحية عمارات السبخة ليستوضح الأمر هو و(نبيل)، ويتبينوا سبب زحف العائلات ناحية مدخل نادي التحدي الرياضي.
لحظات فقط وأيقن (مصباح) و(نبيل) علي إثرها، أن الهدف لم يكن النادي مطلقاً، لقد كانت تلك الشقق السكنية الجاهزة والمزمع تسليمها لمستحقيها بموجب إيصالات قانونية ضامنة لحقوقهم!
توقف (مصباح) عن قيادة مركبته ثم ترجل منها، تاركاً (نبيل)، منتظرا بها، واقترب من مدخل العمارات السكنية الجديدة ليشاهد عن كثب ما يحدث من سلوكيات لصوصية جماعية بدأت تترسخ في المجتمع.
– فأدركه أحدهم بحوار مباغت باللهجة العامية الليبية والمحرفة:
“ازقوب يا أستاذ دونك شقة أزقب عليها قبل ما تدعك”.
التفت (مصباح) إلي المتحدث وأشار إليه بيده بإشارة لها معني وحيد الا وهو (أنا لست معنيا بالأمر)، ودون أن يتلفظ (مصباح) بكلمة البتة، رجع قافلا إلي مركبته حيث يجلس (نبيل)، ومارس نشاط التجول مستذكرا شريط الذكريات، فأخبر (نبيل) أن هذا المشهد يشابه مشهد الاستيلاء على المساكن الجاهزة وبيوت طلبة جامعة قاريونس، بمنطقة الكيش بداية التسعينات، وأخبره بما حدث له مع أخوته وكيف رجع إلي البيت ليخبرهم، أن هناك شققاً سكنية قد استولي عليها المواطنون، واقترح أن ينهضوا ليستولوا علي بعض من الشقق، مثلما فعل بعض من آهالي بنغازي، وتذكر كيف وبخه احد أخوته الأربعة ومنعه حتي من مجرد التفكير في مثل هذه الأمور.
– أحد الأشقاء الأربعة:
“ما لناش في الحرام يا (مصباح)، ورد بالك تأكل رزق حرام راك أتكملها مرض وجري وراء المستشفيات وتكملها ندامة طول العمر”.
ثم عاد بذهنه إلي ما تركه وراؤه من مشاهد غير طبيعية، فقهقه ضاحكا وردد موجها حديثه (لنبيل) وباللهجة العامية الليبية.
– قال (مصباح ):
ايقولوا العرب “اختار الجار قبل الدار” باهي ها ظوما جيران وسراقه، واختاروا بعضهم كجيران بعض، شنوا أنسموها الحالة هذي؟!
– رد نبيل ساخرا:
حيبقوا جيران وحيهتموا ببعضهم موش الرسول صلي الله عليه وسلم “أموصي علي سابع جار “
– شاركه (مصباح) في النكات قائلاً:
صحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام وصي بس وصي علي جيران أمثال (أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن إبي طالب) يا (نبيل)!! ولم يوصي بالاهتمام بمثل هؤلاء النوع من الجيران.
وضحك الاثنان جراء هذا المشهد الغريب وهم يرددوا “حقا من ليبيا يأتي الجديد”!.
وأكملوا الضحك مرددين في نفس التوقيت: “حقاً أن شر البلية ما يضحك”.
– وبعد أن توقف (مصباح) عن الضحك سأله (نبيل):
أستغرب يا(مصباح)، كونك لم تنخرط في مجال الصحافة والإعلام حتي الآن، فلماذا لم تعمل في صحف نظام القذافي؟ ففكرك مستنير وتملك ثقافة تنموية خلاقة.
– مصباح:
أولاد الحرام ما خلوش لأولاد الحلال حاجة، يا (نبيل)، لكني أعتزم إصدار صحيفة مواكبة لمجريات وانعطافات الثورة الجديدة هذه الأيام، متي وجدت طريقة للإنفاق عليها بشكل كافٍ ومستمر.
– نبيل:
إذن اعتبرني من ضمن كوادرها وسأبذل قُصاري جهدي متي عزمت على إصدارها.
– مصباح:
يشرفني أن تخطو معي خطواتي الصحفية التي أُخطط لها وأطمح أن أقوم بها الأيام القادمة، خصوصاً وأنك تعمل كسائق تاكسي فأنت المجس الحقيقي لواقع الشارع الليبي.
في هذا الأثناء دوي انفجاراً كبيراً، وكان مصدره المستشفى العسكري الواقع في منطقة السلماني الشرقي والمذياع يذيع الخبر، فالمواطنين يفتكون الأسلحة من مخزن بالمعسكر هناك.
وكذلك كان (مرعي) وشلته في عين المكان واستولوا كذلك على بعض والبنادق والمتفجرات
يا ساتر يا ساتر رددها (مصباح) و(نبيل) بصوت عال في آن واحد.
وعلي الفور طلب (نبيل) من (مصباح) إيصاله إلي ناصية الطريق العام وسط عمارات السبخة، حيث مقر سكناه، ليستقل سيارته ويباشر عمله كسائق تاكسي كعادته، في حين أستمر (مصباح) في التجوال وحيداً كعادته، حتي عتبات (الفندق الجديد)، الواقع في الركن الغربي بمنطقة الصابري، وبعد أن أقترب لمشاهدة الفندق عن كثب، قرر تأجيل الدخول للفندق الي يوما آخر، ليترجل و ليتعرف على مالكه (الحاج أنور)، فقد يستطيع أن يقنعه بمشروع دعائي صغير لصالح مجموعته الاستثمارية، وليدعم به مادياً توجهه لإصدار صحيفة.
***
يتبع
الفصل الثالث
الحاج أنور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع