مـحـطـة رقـم 9 الـفرزة السـادسـة

مـحـطـة رقـم 9 الـفرزة السـادسـة
الحاج عطا الحاج يوسف منصور

بعـد أن يئـستُ من الحصول على مقعـد دراسـي بفضل عـمي صاحب المحضر الطيب وأخي الـذي خـدعني ثلاث سنين توجهتُ للجهة الأخـرى وهي التفتيش عن وظيفة وليس غير مجلس الخدمة العامة الموجود في بغـداد/ بـداية شارع 52 فهو الجهة المسؤولة عـن التعـيـينات بالوظائف فـي كل العراق وفي إحـدى مُراجعاتي عثرتُ/على درجة وظيفية وهي كاتب ذاتية/ فتقدمتُ بالطلب لها وتحدد يوم أداء إمتحان التأهيل ويكون الحاصل عليها هو صاحب المُعـدل الأعلى هـذا هو الظاهر للمتقدمين أمّـا الباطن فلا يعلمه الا الله وذووا السيادة في المجلس.
حضرتُ في اليوم والـساعة المقـررتان ودخـلتُ مع المجموعة التي تتراوح بثلاثين متقـدم لـقاعة الامتحان وتوزعتْ الاسـئلة وهي تتضمن مجموعة مواد في اللغة العربية والاجتماعيات والعلـوم العامة وآخرها الرياضيات والهندسة ومن عادتي هي أن أُلقي بنظرة عامة على الأسـئلة كي أبدأ بالإجـابة فـلم أجـد في كل المواد المتقـدمة ما يُـشـكِلُ عَـليَّ الى أن وصلتُ الى أسـئلة الرياضيات والهندسـة فكانت مُـعـقـدةً لم يَـمـرّ مـثلها في دراسـتي بالـفـرع الادبي وعلى ما أتـوقع أنها كانت للفـرع العلمي فحـدّثتُ نفسي/ هـذا جـهـدٌ ضـائع وقـررتُ أن أكتب في أول صفحة الآتي نصًّـا/ يا حضـرات الاسـاتـذة /هل أنتم تُريـدون تعـيين كاتب أم تريـدون تعيين مهندس / وأعـطـيتُ الـدفـتر وخرجتُ/ ثم جرت محاولات من قِـبَـل صهري الحاج ناصر وصديقه الضابط الكردي هيوا المفتي /أبوهاندرن وكذلك محاولة من جارنا القديم جابر غلام لفته كُـلُّـها باءتْ بالـفـشل.
وفي شـباط من عام 1968عُـدتُ بحلمي القديم الى الواجهة لأطرح فكرة مساعدتي ماديًّا الى إبنيّ خالتي الحاج نصرتْ ومحمـد وعـمي الحاج نوري فوافقوا وبادر ابن خالتي نصرت بإعطائي صك بثلاثين دينارًا فحـددتُ الموقـف بالـدراسـة في تُـركيا وهـيّأتُ أوراقي المتـرجـمة وبعـد تصديقها وتَسلُّمي لها من السفارة عُـدتُ الى بيت خالتي لأضع اللمسات الأخيرة لبرنامجي مع ابنَي خالتي وعـند دخـولي الى حديقة المنزل أرى خالتي زوجة الحاج حـسون تبكي فسألتُها عن سبب البكاء فأخبرتني بأنّ خالي عبد الأمير منعها وخالتي أم نصرت ومعهما أمّي من أداء فريضة الحج وذلك لعدم وجود رجل مَحْرَم معهن فتوقفتُ عن الجواب وفي ذهني تجول أفكار أأضحي بالدراسة التي هي هدفي الأول أم أنعـش خالتَيّ بالـسفر ومعهن أمّي بالحج/ فجاءت إجابتي الى خـالـتي مباشـرةً أخبري خالي بأنّي سـأسـافـر معـكُنّ فـلم تـسع الارضُ فرحتَها ودخـلتُ الى الـدار فـوجـدتُ الحاج نصرت وأرجعـتُ له الصك وأخبرتُهُ بما قررتُهُ مع خالتنا وبعـدها جاءت موافقة خالي مشروطةً باصطحاب ابن عمهن حسين علي حبيب معنا وقـد تَحَمّلتْ خالتي نفقات سـفري وابن عمها.
وفي منتصف شـباط عام 1968 كان المنطلق لـبـيت الله الحـرام مع خالـتّي ووالدتي وابن عـمهن في حملة مكونة من سـيارتين كبيرتين واحدة للحاج شامل الزهيري وهـو من البعـثيين القـدامى في الكوت ومعه شَريكُهُ جعفر صراوه فانطلقتا من مدينة الكوت وفي منطقة شيخ سعد كان آخر مكان لتوديع الحجاج وبعد التوديع اتكلنا على الله متجهين الى العمارة فالبصرة وقد دخـلناها لـيلاً وكان مبيتنا بفندق قرب سـاحة أم البروم/ ومعـنى البروم أي القدور الكبيرة أقامها الوالي محمود باشا عام 1875 لإعـداد الطعـام للفـقـراء والمـساكين على أثـر حصول مجاعة فـيها فبقي المكان يُعـرف بهذا الاسم منذ ذلك الزمن.
كان مع سـائقـنا الحاج شامل مساعـد شـاب اسمه جاسم ولجعـفر مساعد شاب لا أعـرفه وحدثتْ في سيارتهم عـدّة توقفات في الطريق بسبب/ بناجر/ أي ثقوب في الإطارات المطاطية الظاهر أن الإطارات تعبانة ولديهم فكرة تبديل إطارات السيارتين بالكويت لرخص أسعارها وبذلك يتجاوزان
الكمرك العراقي باعتبارها مُستعمله وهذه حيلة قانونية.
وقـد تعرفتُ على اثنين وهما الحاج جريو/أو جلال من النعمانية وأخوه الشيخ وهو شاب ومعهما أمّهما كما تعرفـتُ على الحاج عـبد الرضا والـد المعـلم عـبد الواحـد وهـو من محلتنا سـيد حـسين والحاج هادي وهو موظف في التربية من أهل العزة ومعه خالته وام زوجته.
بتنا ليلتنا تلك بالفندق وفي الصباح نزلتُ للـشارع أسـتطلع ما هو قريب وقد اسـتوقـفـني نوع من النبق الـذي لم أرَ مثله في مدينتي ولا في بغـداد فاشـتريتُ منه فكان متميزًا في طعمه وخطر على بالي أن مصرف الرافدين يسمح بتحويل مبلغ150 دينارًا لكل مسافر وعندي 30 دينارًا فأردتُ أن أستكمل المبلغ من أمي وأبلغ خالتيَّ لأن التحويل به فرق كبيرعن الدينار العراقي فذهبتُ للسيارة التي ما زالتْ تنتظر الركّاب وأخبرتُهنَّ بذلك فرفضن وبعـد محاولاتي في جـدوى التحـويل وافـقـن على أن تدفع كل واحدة 40 دينارًا لأستكمل 150 دينارًا يكون تحويلها باسـمي وما هي إلا ساعة من الزمن وقد تم تحويلها ويكون المبلغ 465 دولارًا وكان الدينار 3 دولار و10 سنت ولم يعرفن بـفـائـدة التحويل إلّا بـعـد تصريفهن الدينار العراقي في مـدينة مَـكّـة فَـنـدِمنَ ولات ساعة نـدم.
رجعتُ الى الفندق للصلاة فوجدتُ الشيخ الشاب بـيـده مجلة على ما أتـذكر هي/الموعـد المصرية وفي هـذه الاثـناء جاء مدير الفـندق ودخل مع الـشيخ في نقـاش عـندما رأى المجـلة بـيـد الـشيخ وهو يـقـلبها وهي المجـلة المصرية فوقـفتُ أتـأمل ردّ الـشيخ فكان أشـبه بالاعـتـذار مـما دفـعـني أنْ لا أترك الموقف بلا ردٍّ أُسْـكِـتُ به مـدير الفـندق فـسـألـتُهُ هل تـسـتطيع أن تـنـقـدَ كـتـابًـا دون أن تـقرأهُ وتعرف ما فيه وما فحواه/ فأجابني بلا / فقلتُ له: والشيخ هنا يُريدُ معـرفة ما في هـذه المجلة لـينتقـد ما فيها وما كان تصفحُهُ كي يستمتع بها فارتاح الشيخ لردّي وسكت مدير الفندق.
وفي العصر ركبنا السيارة فاقـترح الحاج شامل سـائق السيارة أن نـسلم على محافظ وكان/ أنـور ثامـر/ في ذلك الوقـت وقـد ســبق وكان محافـظًا لـواسـط ولـه فـيها أعـمال أتـذكر مـنها الكازيـنـو المعلقة ومزرعة الأسـماك وحـقل الدواجن فكان أبـناء الكوت يـسـتفـيـدون من البيض والاسـماك وبعد انتقاله مديرًا لدائرة الامن العامة انتقل منتوجهما الى المسؤولين في بغـداد.
وقريب من وقت المغرب التقينا به في الـشارع قـرب منزله الواقع على شـط العـرب وبعـد حـديثٍ قصير تمَّ الـتوديع متجهين الى الكويت الذي كانت حدوده تبدأ بالمطلاع وليست بالعبدلي. دخلنا بحدود الساعة الثانية أو أكثر وحين وصلنا التقاطع كانت الإشارة الضوئية لنا حمراء ولكن الحاج لا يأبه بالإشارة فضربها وتبعته السيارة الأخرى وقد توقـفنا عـند أحد الجوامع فصلينا فيه الفجر وأخـذ بعضنا قسطًا من النوم في السيارة وآخرون الى جانب جـدران الجامع ومع الشروق
تناولنا الفطور مما حملناه معنا من الطعام ثم اتكلنا على الله من بعده.
قاربنا الحـدودَ السـعودية وقبل وصولها قام سـائقـنا الحاج شامل بإخفاء مساعده جاسم لكونه لا يحمل جواز سفر وصلنا موقع الحـدود وهو مجرد بـناية من طـين فخرج لـنا ضابط شـاب يحـمل كوكبتين ومعه جندي والذي لفت نظري أن الجندي يتكلم مع الضابط بأسـلوب لم أعـرفه من قبل عند جنودنا مع الضباط ولا توجد فيها حتى كلمة سـيدي وبعـد أن تم الـتفتيش وتأشير الجوازات غادرنا المخفـر الحـدودي متجهين الى الرياض وقـد أدركنا الظلام وفي احـدى تقاطعات الطـريق اتجهنا الى الـيـسار وبعـد مـسير أكثر من ساعتين تَبَيّنَ لسائقـنا أنّه قريب من الدمّـام فرجعـنا كما يقول القران المجيد على آثرنا قصصا.
بتنا الليلة في الطريق بداخل السيارة لشـدة البرد وعند شـروق الـشمـس تحـركنا صـوب الرياض فدخلناها ظهرًا وفي اثناء نزولي والحجاج أجد امامي صاحبي الشيوعي النازل معي بنفس العنبر أوالقاووش عام 1963 مـدرس اللغـة الإنكليـزية الـذي اُعجـبَ بقصيدتي الرائية التي هجوتُ بها حزب البعث وحملها على أسـاس الاعجاب الى كبار المخبـرين وبعد السلام دعاني والرجال الذين كانوا في السيارتين الى الغـداء ليوم غـدٍ فقبلتُ والأخرون الدعـوة ثم نزلتُ ومجموعتي في أحـد الفنادق ولا أدري أين ذهب الباقون.
عند الظهر جاءنا صاحب الدعوة ومعنا السائق الحاج شامل وبعد أن تناولنا الغداء شكرناه واثناء خروجي استوقفني جانبًا وحَمَّـلني سلامًا وامانةً لأخيه الذي يعمل كاتبًا بمعـمل طابوق بعـد احالته على التقاعد من سـلك الشرطة وهي مبلغ اربعمائة دينارا عراقيا أسلمها له في الكوت.
الدنمارك / كوبنهاجن الخميس 30 كانون أول 2021
الحاج عطا الحاج يوسف منصور

Comments (0)
Add Comment