محطة رقم 10 الفرزة العاشرة

محطة رقم 10 الفرزة العاشرة

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

 

استقبلني ابن خالي محسن ودخلتُ غرفته ثم سألتُهُ عن اخي نافع فأخبرني بأنّه في جولة ترفيهية خارج العاصمة وسألتُهُ اما قرأتما رسالتي التي أرسلتها من الكويت؟

فأجابني بأنه لم يعلم بها فسكتُ، ولكن علامات الاستفهام بقتْ تدور في رأسي.

بتُ ليلتي في الغرفة التي حجزتُها وهي في الطابق الثاني وفي الصباح نزلنا سويةً في جولة الى مركز العاصمة براغ وفي جولتنا تبين لي أن براغ متحف تأريخي لزمن قديم

يعود الى زمن الاباطرة وقد وقفتُ على مبنى لكنيسةٍ فيه ساعة وفي مرور كل ساعة تخرج من نافذة لها صورة تُـشير الى دلالةٍ وبعد اكتمال دورتها الرابعة والعشرون

تكون النتيجة هي صورة ليوم القيامة ولهذا وجدتُ هتلر محقًّا حين دخلها بالدراجات البخارية ثم ذهبنا للمقهى العراقي الذي كان ملتقى العراقيين ومنها عدنا.

انتهى اليوم الأول وفي يومنا الثاني ولكوني من مدمني لعبة الشطرنج منذ طفولتي حيث تعلمتها من دون معلم حيث تعلمتها من خلال نظري لمرة واحدة الى لاعبين كانا

يلعبانها هما المعلم هادي احمد حبيب ابن عم والدتي ورسيله المعلم سعد مرهون حيث كانا يلعبان قرب كشك اشتراه ابن خالتي الحاج نصرت الناصر من أقاربنا صالح عبد

الوائلي والذي يقع في بداية الزقاق الفاصل بين مقهى سيد كاظم ومقهى عائدون بمحلة المشروع حيث كنتُ اساعد ابن خالتي في ذلك الكشك.

لقد شدّني للشطرنج ما فيه من سكون وتَفَكيرٍ عميق فبقيتُ واقفًا الى نهاية الدستْ وقد فهمتُ كل حركات الآتة من خلال لعبهما الا حركة الحصان والجندي فسألتُ المعلم

هادي عنهما فشرح لي ما كان غامضًا وكان ذلك في صيف عام 1950.

وفي المساء توجهنا الى احدى مقاهي الشطرنج كان المكان مكتظًا رغم سعته وفي تقدمنا الى الداخل شاهدنا امرأةً خمسينيةً جالسةً أمامها رقعة شطرنج فتكلم معها ابن

خالي محسن ان تلعب معي فوافقتْ على أن يكون اللعب حسب الوقت سألني فوافقتُ على شرطها فضبطت الساعة الشطرنجية التي الى جنبها على جولة من خمس دقائق

فيها ينتهي الدست والخاسر أمّا يكون في الوقت او في اللعب.

كانت هذه هي أول تجربةٍ لي في لعب الشطرنج على حساب الوقت وبدأتُ اللعب على ضبط وقت 5 دقائق على الساعة الى لعبة الشطرنج فكانت النتيجة أنّي خسرتُ بفارق

الزمن وطلبتُ اعادة اللعب فخسرتُ ايضًا بفارق الزمن.

ثم طلبتُ منها إعادة اللعب للمرة الثالثة وفي هذه المرّة صارت اللعبة أسهل بالساعة وذلك لعدم نسياني ايقاف الساعة عند نقل الالة كما كان يحصل في السابقتين وكانت

نتيجتي أنّي كسب الدست ثم طلبتُ اللعب معها للدست الرابع الا انها انسحبتْ وكانت رغبتي لو استمرت معي طويلًا.

ولو شبهتُ حالي حين نازلتُها في الدست الأول لكان اشبه ما يكون بدخولي الى ساحة معركة ولا أعرف استعمال السلاح بعد ذلك رجعنا الى غرفتنا في مجمع الطلبة.

وفي اليوم الثالث كانت جولتنا في مركز العاصمة براغ كاليومين السابقين وبالطريق اوضحتُ قصدي الذي جئتُ من أجله وكان محسن يتجاهل فأجابني أنّهُ ينتظر مجيء

نافع ليتكلم معه ثم أضاف حُجّةً أخرى هي أنه مشغول في تحضير اطروحتَهُ الدراسية لسنته الاخيرة وبهذه الحجة افهمني ان لا أكلفه في طلب المساعدة وابقى انتظر حضور

نافع وليته صدق في قوله.

استيقظت في اليوم الرابع صباحًا لأتحمم في الحمامات المقابلة لغرفتي كالعادة وعند دخولي الى المكان وإذا بي أجد امرأةً خمسينيةً تغتسل ولما رأتني اضطربت وتصورتْ

ان لي غايةً فانسحبتُ ودخلتُ الى القسم الاخر لأغسل وجهي وفي اثناء غسل وجهي جاءتني شابةٌ لتُخرجني باعتبار ان المكان قد تخصص الى النساء فلم اجبها وأكملتُ

غسل وجهي ثم خرجتُ وقد تبين لي أن هناك سفراتٍ طلّابية من مدن أخرى تأتي الى براغ فتكون هذه الأقسام الطُلّابية منازلًا لهم وقد أخذتُ بالحسبان هذا وكان درسًا لي.

أكملتُ لبسي وصعدتُ الى غرفة محسن ليعطف عليّ ونخرج لبعض الوقت فبقيتُ في الانتظار وإذا بنافع يطلُّ علينا بعد ان انهى مشوار الراحة والاستجمام فتفاجأ بوجودي

والظاهر أنّه نسي ما كتبتُهُ له في رسالتي التي أرسلتها له من الكويت على كل حال تم اللقاء ودار الحديث عن العائلة والأمور العامة وانتهى لقاءُنا بأن يأتي لي في اليوم التالي

بعد الانتهاء من عمله في أحد المعامل بالعاصمة براغ.

مَرّ إسبوع على مكوثي في الغرفة ونافع يتجاهل موضوعي الأساسي وهو تقديم طلب للحصول على كرسي دراسي كما ترتب عليَّ ان أجدد مدة البقاء بالغرفة ودفع مبلغ عن

المدّة التي انوى البقاء بها.

فأخبرتُ محسن بانتهاء مدة اقامتي بالغرفة فأخبرني عن طريقة متّبعة يعملون بها وهي التسلل من مكان مهدوم في السياج ومنها يكون التسلل الى غرفته وهذه الطريقة في

مصطلحنا العراقي/ قجق/ حتى لا تشعر الإدارة بدخول وخروج المتسللين.

وحسب قول محسن لقد أتعبت هذه الفتحة الإدارة فكلما تُسد صباحًا تعود مهدومةً ليلًا فتركتها للطلّاب الذين يصطحبون خليلاتهم فوافقتُهُ على اللجوء اليها عند الاضطرار.

وقد توفر لي مصروفًا بسيطًا عن خسارتي بتصريف 10 دولارات يوميّا دون الحاجة اليها ولا ادري لماذا هذا الاكراه القانوني المعمول به فقط في جيكوسلفاكيا ؟؟.

اعود الى نافع بعد أن تفاجأ بوجودي وبعد ان انهينا الكلام في الأمور العامة اتفق معي على الذهاب في صباح اليوم التالي الى المصرف لتصريف ما بذمتي من مبالغ مترتبة

عن الأيام السابقة كي لا تحصل مساءلةٌ قانونية.

حضر في الصباح وطلب مني أن أضع كل ما عندي من نقود في حوزته حفاظًا عليها من السرقة فسلّمتُهُ كل ما عندي من الباوندات الإنكليزية وكانت 300 بقيت طيلة مدّة

مكوثي ويقوم هو بالتصريف ويحجب عني ما يُعطى له مع التصريف ورقة / التوزك / ولكوني لم أرها فلا أستطيع وصفها ولكني عَلِمتُ بأنها تُباع في السوق السوداء مقابل

مبلغ جيد عن كل ورقة وعليها اقبال في السوق من قِبَل المواطن الجيكي لميزتها حيث يستطيع بها شراء البضاعة المستوردة من المحلّات المخصصة الى الأجانب ولهذا

استأثر بها أخي نافع وجعلها من أتعابه.

ولا ادري كيف سمع صديق نافع وهو في الغرفة المقابلة لابن خالي واسمه عبد الجبار العلي /ضابط من تكريت هارب/ لا اعرف سبب هروبه واتوقع أنّ له وشيجة قربى

بصلاح عمر العلي السفير العراقي في الأمم المتحدة في زمن البعث.

طلب عبد الجبار من نافع ان يقرضه ما عندي من مبلغ كي تُحَلَّ ازمته القانونية التي ترتبت جراء تخلفه عن التصريف القهري ويعيدها لي حين وصول المبلغ الموعود به

من أهله فجاءني نافع ليأخذ موافقتي فوافقتُ على أن يُعيدها لي بالباوند مثل ما تسلمها مني ولم أحدد له موعدًا لإعادتها بناءً على الثقة.

بقي نافع متجاهلًا موضوعي وكأنّني أتيتُ للتفسح وانتظرتُ منه الإشارة ولمّا يئستُ فاتحتُهُ بالموضوع فأخذ يُراوغني الى أن وصلتُ معه لاتفاق وهو أن اذهب الى برلين

الغربية للعمل ويذهب هو للجزائر باعتباره مهندس مختص بالنفط وقد انهى دراسته ولا داعي لبقائه في جيكوسلفاكيا فرفض اقتراحي وحدد العودة الى العراق.

في خلال هذين الأسبوعين وقبل أن أغادر الى برلين أجمل للقارئ ما حصل فيهما:

فقد أعاد عبد الجبار العلي ما اقترضه مني وزارني في غرفة ابن خالي محسن برفقة صديقه قاسم الشبلي وهو ابن أخ عميد المسرح العراقي حقي الشبلي ووعدني بكتابة

رسالة فيها توصية بمساعدتي الى صديقه غانم حمدون الشيوعي القيادي في برلين الشرقية وهو من ابناء الموصل.

كما التقيتُ بصديق نافع وهو مهندس جيكي اسمه بافل يعمل معه كذلك وعدني بكتابة رسالة ايضًا الى صديقته في برلين الغربية وقد حصلت لي معه طريفة اثناء لقائي وكان

في باب المعمل وبعد الحديث سألني ماذا تحب ان تشرب من المشروبات الكحولية فقلتُ له الماء فاستغرق بالضحك.

كما التقيتُ بشاب عراقي يصغرني سنًّا جاء الى غرفة محسن عصرًا وكان خارجًا وبعد تعرفي عليه تبين انّه أخو زوجة زاهد محمد القيادي الشيوعي وقد ساعده زاهد وحصل

على زمالة دراسية محسوبة على الحكومة الجيكية باسم الحزب فتذكرتُ موقف زاهد الشيوعي القيادي حين طلب منه صهري وابن عمي مساعدتي بالحصول على زمالة

دراسية مما تخصصه الحكومة الجيكية للحزب بعد أن شرح له ظروفي بكاملها.

ولنافع بزاهد معرفة قوية الا ان القيادي زاهد الزاهد والحريص على القيم الحزبية أغلق جميع الأبواب بوجه ابن عمي وكان ذلك في عام 1968 حيث كان في سفرة قامت بها

نقابة المعلمين في الكوت قبل انقلاب حزب البعث بأسابيع.

لكن هذه الأبواب تبقى مفتوحةً لأقارب القيادة والمقربين منهم وهذا عرفتُهُ من خلال حديثي مع ضيفي نسيب زاهد محمد.

لما تأخر حضور محسن أراد المغادرة وكان على الطاولة كتاب نهج البلاغة أقرأُ فيه قبل حضوره وكان يقلبه بين حين وآخر وقبل أن يخرج طلب أن اهديه الكتاب فضحكتُ في قرارة نفسي ولم أخيب ظنّه فأهديتُهُ إياه.

أما ابن خالي محسن الذي خذلني بتخليه عني فقد طلب مني مبلغًا كي يساعده على إكمال اطروحته لدراسته النهائية فأخبرتُ نافع أن يُعطيهُ عشرة باوندات الا ان نافع

اختزل منها باوند فطالبني محسن بتعويضه فرفضت طلبه لعلمي أن خالي عبد الأمير لا يقصر بإمداده بالمال وتحويلاته المالية جارية حسب الأصول وفوقها زيادة.

امّا اخي المناضل نافع فلم يكنفِ براتبه ولا بتحويلات خالنا ولا بتحويلات والدنا المقترضة أحيانًا ولا بأوراق التوزك ولا بالباوند المصادر من محسن ولم يخبرني به فطلب مني ان أعطيه مبلغًا فأعطيتُهُ مثل ما أعطيتُ محسن وكان الله يحبُّ المحسنين.

 

الدنمارك / كوبنهاجن السبت في 18 شباط 2023

 

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

 

محطة رقم 10 الفرزة العاشرة
Comments (0)
Add Comment