قَيْدَ سَرَحان
جميلة مزرعاني
قادتْ شرْدةٌ ذاكرةَ التَّأَمّلِ قَيْد سَرَحان مباغتٍ إلى الأزقّةِ القديمةِ في قريتنا أثناءَ زيارة خاطفةٍ بعدَ انقطاعٍ قسريٍّ طال زمنًا،شغفُ الرّوحِ كانَ تذكرة السَّفرِ إلى هناكَ جعلَ البَصَر يتعلّقُ بحبالِ الماضي المُنْصَرِم يشحنُ القلبَ تيّارُ الحَسْرة واللَّوْعة، غصصُ انفعالٍ غَيَّرَت انتظامَ نبضاتِ القلبِ حين تراءَت ِالأحياءُ معرّاةً من الخُطى وجدتُني كمنْ يقفُ على
أطلال دارسة،أبوابٌ مقفلةٌ كأنّها دُمِغَتْ بالشّمعِ الأحمرِ نوافذُ أُغْلِقَتْ على غربةٍ معتقّة يتجسّدُ الماضي بقامةٍ مترهِّلة يبيتُ فيها بين جُدُرٍ نقشَ عليها الزّمن معالمَهُ لوحاتٍ تُراثيّة تثيرُ النّاظرين،لا صوتَ يُسْمع غير حشرجاتِ السُّكون.هو الموتُ القاهرُ جرفَ الكثيرين ممّنْ وافتهُم المنيّة كانوا يملأون الأزقّةَ جَلَبَة وضجيجًا،بصماتُهم لا تزالُ في كلِّ مكانٍ، من هنا مرُّوا في الغداةِ إلى الحقول،هناك قعدوا على تلك المصطبات يستريحون من عناءِ النّهارات المتعبة في طريقِ الأوْبة بانتظار المسايا حيث تعمُرُ الدَّبْكةُ على ضوءِ القمرِ وغمزِ النّجومِ. شيءٌ ما قطعَ تفكيري أتساءلُ في سرّي أين أبو علي بصوتهِ الجبليّ يصدحُ بالعتابا والميجانا ؟ أين أمّ حسين تجمع القرويّات على فنجانِ القهوة السّحْريِّ لتكشفَ لهمُ الطّالع؟ أين وأين وأين…؟لقد ارتحموا تاركين ذكرياتٍ تُقفلُ على القلبِ تستقرُُّ في جيوبِ الماضي دونَ أن تَسْلَم منها الذّاكرةُ.لم يبقَ إلّا شرفاتٍ هَرِمة أسْطُحٍ غزاها المشيبُ هي الأماكنُ تتوق لساكنيها مُنْهكةً ترشحُ عرق ماضيهم في حين فضَّل الأبناء الهجرةَ على البقاءِ طلبًا للعيش خارجَ حدودِ الوطن.هالني الواقعُ المريرُ يُطَأْطِئُ رأسي أسفًا يعيدني إلى الحاضر منبّه السّاعة وقدْ حانَ وقتُ الصَّلاة.
جميلة مزرعاني
لبنان الجنوب
ريحانة العرب