قراءة نقديّة للأديب النّاقد الأستاذ عبد الله النّاصح الميّاح الموقّر في نصّي السّردي :
عن اليمّ أتحدّث
في متناول امتداده الشّاسع وانبساطه الأزرق المتماوج إنعتاق بصري مسمعي وكلّ حواسّي. لانشراحه الفضفاض تستسلم روحي تنسلخ منّي تسترخي سويعات تسرج صهيلها المكبوت في حنايا الصّمت كلّما يأخذني قارب الإصرار لراحة نفسي أطرح في أغواره موبقات شجوني أبدّل شحوب ملامحي وتجهّم وجهي المتأرق أنزع عقدة حاجبين دامغة من شقوة الحياة فتراني كالمجنّدة عند شاطئه الرّملي يستدرجني رذاذ عذب يغسل سحنة اكتئاب عابرة ينثر سرابات أحلام تسبح كأسماك في عرض مياهه الصّافية وتختفي وتبقي نظراتي تطارد قوارب الإبحار غدوًا وأوبة تطارح صخب الموج هناك يهطل مطر المقل غزيرًا يرخي ثقل الحدقات تاركًا الصّخور تمتصّ أملاح شجون تراكمت من محن فيغوص بعضها ليكمل رحلة اللّؤلؤ النّقي تتلقّفه أصداف رابضة تحتسيه بشغف. أخذني أمضِغ تساؤلاتي عن هذا البلسم المجّاني النّاجع كم نفسي مديونة لتلك الواحة المائيّة الزّرقاء ينبعث منها ألف طبيب وطبيب يعيد عشّاقه كمن ولدتهم أمّهاتهم في وضح النّهار بحلّة جديدة ونفس زكيّة حيث الرّاحة والسّكينة والاستجمام على أنغام تتكسّر على الصّخور تردّ الرّوح وتبعث الحياة ويبقى الخيط موصولًا بين اليمّ وعابري السّبيل يخلّف حصاد حكايا بعين الشّمس وعهدة الزّمن تنقلها مرايا فيروزيّة التّكوين نذرت تراميها للسّماء.
…………………………….
وقفة امام نص(عن اليم أتحدث)
بقلم/ريحانة العرب ،الأديبة جميلة مزرعاني
شاسعٌ هو البحرُيحتضن السيولَ والغيثَ والودقَ
ويعانق ألعهادَ والصبيبَ وكلَّ وابلٍ..
وتلك سمةٌ حباها له الرحمنُ ليبهرناا بإمتدادِهِ الشاسعِ
ويلفتنا بجمالِ صفحته ووجهِ ماءِهِ الذي يصافح قطراتٍ تهملها سحبُ السماءِ وتهتُلُهاالسحابُ الثقالُ
ليفغر الإنسانً فاهَ الأعجابِ بعجيبِ صنعِ يدِ الباري
وليتفكر في أمرِ الماءِ الذي خُلِقَ منه كلُ شيءٍ حي،
وإذا ما هتنتْ السماءُ ،رفعنا رؤسنا لمصدر هطول الماء
واسرار وجوده بيننا وحولنا..
وأجمل ما في هذه الأسرار ذلك التماوج الفتان الذي شاطر لونَ السماءِ سارقاً فتنتها في عز النهار..
ربما لا يختلف معنا أحد إذا قلنا:–
( إنه سر رباني يدعونا إليه الرحمن للتفكر) لنقول
سبحان الله، ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك…!
خصوصاً إذا ما امتد بنا البصرُ بحثاً عن نهاياتٍ ..فترتد ابصارنا حاسرةً وثمار جنيها الوصول الى المالانهاية.. اللهم إلا أذا سلكنا سبيل وصولٍ للوقوف الى نهاية منطقية يطابقنا الرأي فيها كل أصحاب الرأي السديد…..!!!
وإلا سنر ى الماءَ فضفاضاً منشرحاً يخلب الالباب بهيبتهِ…!!
فسبحان الله الذي دعانا للتأمل والتفكر..!!
ولكن للبحر أسراراً غير هذه، وغير الدرر التي كمنت في خلجانه وصخوره، وغير الحياة المتباينة فيه..وغير هذا
وذاك..الكثير..الكثير..!!
فحينها تمتلك الانسان الحيرة، وتضج روحه بالضنك، ويضيق صدره لينشر على صفحة ماء البحر شجونه وبعض بوحه…ومهما طالت منادمته للبحر او قصرت
فلا بد من حين ينهض بعده للمغادرة فتراه كأنما نفض عن كاهله كل شجونه..كل شكواه.. كل أسراره..وحمٌَل البحر أمانة
ثقيلة لا ندري هل ينوء بحملها…؟ أم انه حفيظ أمين
على حفظها..
وربٌَ أسئلة تحاصرنا:–
ما سرُ الإرتياحِ الذي يغمر نفوسنا بعد ألفِ اطراقةٍ وإطراقةٍ نرسلها الى حيث آفاق البحر الشاسعة..؟! ولنا ان نتساءل لماذا اللجوء للبحر..!!؟؟
أهو شحةُ الأذنِ السامعة و الأمينة على الكتمان حين تدخر موضوعا..؟
أم أن زمننا هذا يحبذ لكل منا أن يكون صموتأ كتوماٍ
ونطرح أحمال همومنا على صفحة زرقة البحر..؟؟
أم أننا ننوء بأحمال ثقال ليس لنا من أحد نكبده أوزارَ مشقةِ
حملِها إلا البحر..!! ؟؟وهذا على ما يبدو هو الأختيار المفضل للبوح عند
الاستاذة جميلة، فقد اختارت ُلجةَ امواجِ البحرِ مقبرةً
لموبقاتِ شجونِها، فأنسلخ شحوبُ وجهها ليتبدلَ بتأثير إرتياحٍ لكلِ أساريرِها، وانفرج قطوبُ الحاجبين
ليتبدلا من عاقدين يخفيان وراءهما غضباً وحيرةً وحزناً مكبوتاً ،الى
نسائم ربيعٍ ملبدةٍ برذاذٍ يجتثُ آثارَ الإكتئابِ وركامةِ المتاعبِ ،ومع نفث كل هم ُتطفِقُ الروحُ إبتساماتِها
لتلامسَ ٌقذالَ بسمةِ الإرتياح…!!
ليس هذا فقط..فللنفسِ بعدَ اجتياحِ همومِها تهبُّ الطيور مصفقةً بأجنحتها لتغازلَ قواربَ ألصيدِ والتنقلِ ولتتاح
الفرصةُ لرقرقةِ جفونٍ نضبتْ دموعُها بعدَ إحتقانٍ..لتتمطى رموشها متزينةً بكحلِ الاستقرارِ المواربِ لقرارةِ
أمواجِ الروحِ التي أرست دعائمها على مرافيء الانتصار..والزهو ..
بعد الإنكسار.. وبعد حيرةٍ وامتلاءِ الصدرِ بتوالي المحنِ
والإحنِ التي تحيط بتقاويم البشر هذه الأيام..
فياله من انهمارِ دموعٍ يجتازُ معابرَ جمةً ليقرَ له القرار..
ُطعْماَ لأصدافٍ راسيةِ على حافاتِ صخورٍ لزجةٍ..
وحين يحين موعد الأوبةِ بعد تحقيق نجاحِ مهمةٍ عصيةٍ..
مهمةٍ ناءَ بحملها فكرٌ وقلبٌ وبدنٌ وروحٌ..تعج وتزدحم وتنداح عند
ذاك تنهداتُ الإرتياحِ إثرَ وبعْد َ _ مكابدةٍ وعناءٍ_ عابثةَ بوتينِ
القلبِ ، منغصةً لوسائدِ السهرِ.. وانقلب ظهر المجن وطفق في ثنايا
الروح شجنٌ وصدىً لثناءٍ لصفحةِ ماءٍ رجراجةٍ
إمتد جبروتُها الشاسعُ بهيبتِهِ، المرعب بعنفوانِهِ ليفرشَ
أجنحةً للطبابةِ وتمسيدِ الجراحِ..ولتنتفضَ الروحُ بعدها سليمةً تماماً..
كالمعافى من كابوسٍ جَثَمَ على عمرِ الآمالِ وقطَّعَها اوصالاً، والتفتَ لقرارِ الروحِ فطيَّرها شعاعاً وعلى حين لحظة إنزياح إيجابي يبزغ الامل وتشرق شمس التفاؤل ..
وإذا بتغير الأحوال نحو الانفراج، واذا بدموع الحزن
تنقشع ليحل محلها دموع الفرح..
فلا كمدَ ولا ضنكَ ولا تطيِّرَ ولا قنوطَ ولا حيرةَ ولاإخفاقَ ..بل استشرافٌ ليومٍ فيروزيٍ مطعمٍ بشلالاتِ
أفراحٍ ترقد ابتساماتُها على عتباتِ شفاهٍ رافضةٍ للأفول..
هكذا تدعونا لجيناتُ حروفِ جميلتِنا لمائدةِ أدبٍ من
العيارِ الثقيلِ،،تجتلبُنا بمرهفِ المضمونِ الذي يشرحُ لنا
حالتين متباينتين لذاتٍ بشريةٍ ضاقت بها سبلُ الحلولِ
وتشعبت في عيونِها متجهاتها..ولكن جمالَ معالجتها سافرت بنا بنفسٍ مثقلةٍ بألفِ همٍ وسرٍ..ثم سرعان ما
عهدت للبحرِ حلحلة أسرارِ حيرتها متشبثة مستنجدة لتنتصب قامة فرحها مزهوةٍ لتعانقَ شمولَ
الرياحِ ولتعط ألذَّ أريجها..!!!
وإذا ما كان يتوجب علينا من لحظة إنصاف
فلا بد لنا من ان نشهد لبراعةِ أديبتنا بهذا الألهام المعرفي الذي قادنا بخطاها المتباينة…. حيث حَزَنّا معها..مرات..
وشاطرناها ضجرها مرات اخرى، دون ان تشعر بنا..ثم سرعان ما صفقت قلوبنا معها فرحاً وهي تقذفُ بهمومها وسطَ
قرارةِ امواجٍ متلاطمةٍ..!!..
إنه حقا إيذان لولادة نص سردي رفيع جليل مبهر بإمتياز.. أبدعت فيه شاعرتنا بتطريزات عدة
فإستخدمت اديبتنا لغة شعرية ناضحة..تارة بالأحاسيس المموسقة بالحزن مرة وبالفرح اخرى.. وفي تارة اخرى
أبهرنا استخدامها للدلالات الصورية التي تقرب لنا
المعاني وتعيننا على معايشتها حتى اصبحنا ظلا لمبدعتنا وهي تنفث احزانها بوجه البحر..مثلما اصبحنا
ظلا لفرحها..
وهذا بالطبع ليس لبراعتها باستخدام التعابير الرقيقة
والجزلة حسب، إنما لمكنتها من الاستخدام الرصين
لحسن صياغة المفهوم وجمال الاستمرار في ذات السياق دون أدنى ميل..
أما حين اتخذت من البحر ملاذا للبوح فهذا يسجل طبعاً لجمال فطنتها، حتى وان كان في هذا اللجوء شيء
من غمط حقوق بعض البشر الذين قد يكون احدهم كتفا لها او أذنا صاغية.. وروحا مواسية ، ولكنها بالبوح الحصري للبحر، نفضت يديها
من امكانية وجود من تثق به، تماما كمن ينفض يديه
من تراب قبرِ عزيزٍ واراه..وقرأ آياتٍ من الذكر الحكيم عند قبره..
وبعد هذا التطواف الساحر بين تضاعيف السرد التعبيري الأخآذ..أبارك لريحانة لبنان والعرب الأستاذة جميلة مزرعاني هذا السبك الماتع للنص ، والذي يعد أنموذجا مزدانا بفرادة حبكته وألقه..
داعيا بديمومةهذا العطاء الثر..
أستاذنا الكريم القدير الناقد الأديب بودّي أشكركم أثني على عرفانكم وهذا الجميل المدرار السخيّ يواكب نصوصي الأدبيّة بكثير من التّقدير والإعجاب فالكلمات قاصرة لا توفيكم حقّكم. هو اعتراف أبديّ لوقوفكم بجانب حرفي ودعمكم المستمرّ ليرقى آخذًا مكانته المستحقّة في عالم الأدب الشّاسع حيث كثرت الأقلام وقلّ الأعلام من قامات متميّزة فجهودكم المبذولة بصمة تشجيع وتحفيز وأوسمة تنمّ عن ثقة بما يقدّمه حرفي من أثر دامغ وجلّ ما أشعر
به في قرارة نفسي من تقدير وامتنان .
ألف ألف شكر الأديب النّاقد أ. عبد الله الميّاح الموقّر.