المحطة رقم 10 الفرزة الخامسة عشرة

المحطة رقم 10 الفرزة الخامسة عشرة

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

عند وصولي الى الشقة أخبرتُ بريجيت بحصولي على عمل فقرأت العنوان وهي سعيدة وأخرجتني الى البلكون لتصف لي مكان العمل فبينتُ لها أني فهمتُ الموقع من خلال وصفها وكلامها والحقيقة أني لم أعرف شيءً مما قالتهُ لي والامر ليس بالصعب ما دام الانسان يسأل.
نمتُ ليلتي مُبكرًا لأستيقظ مبكرًا في الغرفة الجديدة فنهضتُ في الساعة الرابعة صباحًا تناولتُ وجبة الإفطار التي جلبتها معي وأخذتُ أخرى وجبة للغداء. نزلتُ للشارع وركبتُ القطار الأرضي والمسمى بالمترو القريب من بناية السكن متوجهًا الى مركز مدينة برلين وعند وصولي أخذتُ اسأل على عنوان العمل فاهتديتُ الى سيارة النقل العام التي توصلني اليه وعند دخولي للسيارة سألتُ سائقها للتأكد فأكد لي ذلك وأجلسني في المقعد الأول حتى يُخبرني بالوصول وهذه من الجوانب الأخلاقية الطيبة عند جميع السائقين وبعد مسير زهاء الساعة في شوارع طويلة وسط غابات توقف عند نقطة وأشار لي بالنزول وحدد المدخل بالاتجاه الاخر فشكرتُهُ ونزلتُ.
دخلتُ من الجهة التي أشار اليها السائق وإذا بي في شارع ضيق وسط غابة يطبق عليها السكون يتخللهُ ندى الصبح المتساقط فواصلتُ طريقي الى ان شاهدتُ مدخلًا فدخلتُ منه وبعد مشيي بضعة أمتار وجدتُ نفسي في ساحة عمل فتيقنتُ من خلاله بصحة دخولي وهو العنوان المطلوب. وبعد سؤالي أحد الموجودين أخذني الى المسؤول ويطلقون عليه بالالماني /بُـولـيه/ فسلمتُ له ورقة التحويل من المكتب فتسلمها ووجهني للعمل بنقل مخلفات البناء الموجودة في داخل البناية وتجميعها في المكان الذي كنتُ واقفًا به ثم أشار الى شخص آخر للعمل معي فدخلنا البناية فتبين لي أنها حجرات كبيرة متعددة على طول البناية وانها جناح ملحق لمستشفى مجاور لها. أمضيتُ نهاري بنقل مخلفات مواد البناء مع صاحبي الذي أفصح عن هويته التركية وغادرنا المكان عند الرابعة عصرًا. والغريب أن صاحبي التركي بعد أن عرفني عراقي كان يكرر على مسمعي عبارة / حكومة العراق كَبّوت / وأتوقع معناها سيئة حتى انتهى وقت العمل عصرًا. في اليوم التالي وهو الأربعاء باشرتُ وصاحبي التركي نفس العمل وكان البُليه وآخر كان مساعده وقد تبين لي أنّه تركي أيضًا يتناوبان الاشراف على عملنا بين ساعة وأخرى فيشاهدني البُليه فيعطيني كلمة الاستحسان أما مساعده التركي فيقف مع صاحبي التركي عدّة دقائق يتكلم بها معه ثم يذهب. حضرتُ في اليوم التالي صباحًا الى موقع العمل وكان الأربعاء ومعي صاحبي التركي ولأن العمل أوشك على الانتهاء ولا يوصلنا الى نهاية الأسبوع وهو يو م الجمعة أخذنا بالتراخي والفتور الا أن صاحبي التركي كان يخرج ولا أعلم الى أين ثم يعود وبعده بدقائق كان يأتي مساعد البُليه التركي فيرانا واقفين وأحيانًا يتكلم مع صاحبي التركي لدقائق ويذهب وما أن يذهب يأتي البُليه الالماني بعده فيراني أعمل فيطلق كلمة الاستحسان والرضى عن عملي ثم يذهب وقد تكررت هذه الاعمال كلما يخرج صاحبي تحصل هذه الزيارة من المساعد ومن البُليه ولا أدري ما الدافع أو السبب وراء هذه الوشاية التي يقوم بها صاحبي. وفي صباح يوم الخميس كان المفروض أن ننتهي من رفع كل مخلفات البناء، ولكن صاحبي التركي أخذ بتكسير الطابوق السليم على أرضيات الحجرات بما فيها النظيفة مما دفعني الموقف لأن أعترض عليه ففهمتُ منه أننا اذا أنهينا تنظيف الحجرات سيُنهون عملنا قبل نهاية الأسبوع فتركتُهُ يُكسّر على راحته وأنا أنظر اليه متألمًا مما يفعله صاحبي التركي. انتهينا من العمل يوم الجمعة وذهبتُ الى البُليه لتسلم ورقة عملي والذهاب بها الى مكتب العمل لأتسلم مستحقات عملي وبعد تسلمها وجدتُ ان البُليه قد احتسب لي يوم الاثنين الذي لم أعمل به أمّا صاحبي التركي فلم أره. وصلتُ المكتب وسلّمتُ الورقة لصاحبة المكتب فصرفت لي مبلغ 28 مارك عن عملي الاسبوعي بعد أن كانت تحتسبهُ 26 مارك وهذا من بركة الهدية التي أهديتُها لها وأمّا ما يقبضه المكتب من أصحاب العمل فهو 60 مارك وبذلك يكون أكثر من نصف أجور العاملين بالأسود في جيب أصحاب المكاتب. استمر عملي وابتسم الحظ لي كما يقولون فسكني مجانًا عند برجيت باثك هذه الانسانة النبيلة التي وثقتْ بي وأعطتني مفتاحي/ الشقة والباب الخارجي للبناية / من اليوم الثاني لسكني لتسهيل أمر خروجي ودخولي للشقة كما قامت بتسجيلي في مدرسة اللغة رغم علمها بأنّي مطرود من المانيا وتذكيري لها بذلك حتى أكون جاهزًا للدراسة في بداية دوام المدارس وكانت تُبقي لي حصةً من الطعام عندما تطبخ الطعام في أيام عطلة الاسبوع لها ولولدها وصديقها وتعزل قسمًا منه لي لحين عودتي فذكرني عملها الإنساني هذا بالعراقي الرفيق المناضل القيادي غانم حمدون الذي أغلق باب الصالة عليَّ عند مبيتي عنده ورفض مساعدتي بالحصول على كرسي دراسي في المانيا الشرقية رغم التماس زوجته له لمساعدتي في تلك اللية مع ما حملتُهُ وهو رسالة التزكية من صديقه الحميم عبد الجبار العلي الذي كان في جيكوسلفاكيا. فسبحان الذي جَبَلَ النفوسَ كما نرى ….. فمنها كريمٌ طبعها ولئيمُ. إنّها النفوس وما أخسر الانسان القادر على مساعدة الاخرين من دون أن يخسر بمساعدته مالٌ أو يلحق به ضررٌ. بقيتُ أعمل ثلاثة أسابيع وسكني في شقة الانسانة الطيبة برجيت وخلال هذه الأسابيع حصل في اليوم الثاني من تَسلّمي المفتاحين ما ليس بالحسبان وهو أن جاءت متأخرةً مع صديقها فاتصلتْ بهاتف البيت من الباب الخارجي وأنا لا أدري بأنه لا يوجد عندها غير هذين المفتاحين اللذان هما عندي وأن ولدها شتيفان لم يكن معي في الشقة في تلك الليلة ليقوم بالرد على المتصل. بقي الهاتف يرن مرات ومرات فقمتُ للهاتف كي أُكلّمَ المتصل ثم تراجعتُ خشية ان يكون شخصًا لا أعرفه فعُدتُ لأنام وبعد زُهاء ساعة شعرتُ بدخولهما للشقة وبعد ذلك دخلا الى المطبخ ليتناولا شيءً من الطعام وبقيا يتكلمان حسب توقعي عن الموضوع ثم انتهى الكلام بصوت حادٍ من برجيت سكت على اثره صديقها وبعد أن قاما أغلقتْ باب الغرفة الذي كنتُ أتركه مفتوحًا تخفيفًا من حرارة الغرفة وتعمل هذا في كل ليلةٍ تغلق الباب فأعود فأفتحه بعد ذهابها للنوم وكان نقاش صديقها يتكرر كلّما يجلسان ليأكُلا بعد عودتهما ليلًا فتكون النتيجة أن تُخرسَه بنبرة حادة وفي عودتي الى الشقة من عملي عند الغروب وجدتُها فسألتني أما سمعتَ الهاتف؟ فأجبتُها نعم سمعتُهُ وقمتُ لأرد على المتصل لكني تراجعتُ متوقعًا شخصًا غيرك هو المتصل وتأسفتُ لها على ما حصل. وحصل موضوع طريف ففي يوم الاحد من الأسبوع الثاني عُدتُ للشقة بحدود التاسعة ليلًا فلم أجد أحدًا ودخلتُ المطبخ للدخول الى غرفتي فوجدتُ فوق الطباخ مقلاةً مغطّاةً رفعتُ الغطاء فرأيتُ نصف دجاجة كبيرة مشوية تكفي لعِدّة أشخاص ولأني متعب أعدتُ الغطاء وذهبتُ لأنام حيث يتوجب عليَّ النهوض في صباح يوم الاثنين مُبكرًا للوصول الى عملي. وبعد أن أخذتُ قسطًا طويلًا من النوم انتبهتُ لدخول بريجيت مع صاحبها ونظرا الى المقلاة فوجدا نصف الدجاجة على حاله فكلمت صاحبها وهي تتأسف كما أتوقع من نبرة كلامها ثم ذهبا للنوم. استيقظتُ صباح الاثنين في الرابعة وهيّأتُ الفطور ومن ضمنه نصف الدجاجة وبعد الانتهاء من أكله أعدتُ المقلاة وعليها الغطاء فوق الطباخ ولملمتُ عظامها ووضعتُها في كيس القمامة وعند خروجي حملتُهُ معي ورميتُهُ في احدى حاويات القُمامة. وفي طريقي خطر على بالي سؤال وهو كيف آكل نصف الدجاجة لوحدي وهي تكفي لثلاثة اشخاص هنا تغشاني الخجل وليس أمامي إلّا الاعتذار وما أن عُدتُ من عملي عصرًا ودخلتُ الشقة خرجتْ برجيت من غرفتها وهي تضحك فصار الموقف طريفًا وضحكنا وأوضحتُ لها سبب عدم عشائي بالأمس وعوضتها بكباب عراقي عملتُهُ لهم بيدي في نهاية الاسبوع. استمر عملي الى الأسبوع الثالث ودخول شهر تشرين ثاني/ نوفمبر وفيه تسلمتُ رسالةً من أهلي مكتوبة بخط صهري وابن عمي الحاج ناصر مفادُها أن اجازتي المرضية لم يوافق عليها رئيس الغرفة محمد رضا الشريفي وسيتم فصلي كما أن أخي رضا ترك المدرسة واخي جواد في طريقه ليتركها وأصغرهم أخي كريم سيلحق بهم وهناك مَنْ يشجعهم. الموقف كان صعبًا عليَّ ولا بُدّ من عودتي في هذه الحالة ليأسي من عودة أخي نافع الذي لا أعرف عنه شيءً فذهبتُ الى صاحبي ابن مدينتي الشيخ صبيح الى سكننا السابق واتفقتُ معه للذهاب صباح الاحد الى أحد مكاتب الطيران التي يعرفها وقد توافق الحجز مع طائرة لألمانيا الشرقية تغادر الى بغداد ليلًا من مطار المانيا الشرقية فتم الحجز وعدتُ الى الشقة لأودع الانسانة الطيبة برجيت فلم أجدها فكتبتُ بعض كلمات الشكر بالإنكليزية وتركتُ المفتاحين والورقة فوق المنضدة ثم أغلقتُ الباب ورائي ومن حسن حظي ان كل الموجود عندي من النقود كان سدًّا بسدٍّ مع أجور الطائرة واجرة التكسي وذلك بتأريخ 15 نوفمبر تشرين ثاني 1971. وفي صباح يوم الاثنين 16 نوفمبر دخلتُ مطار بغداد وليس عندي مبلغ لأنتقل به بسيارات الاجرة الى داخل بغداد فاتصلتُ بابن خالتي صديق الطفولة الحاج نصرت الناصر فأرسل سيارته الخاصة يسوقها أحد أصدقائه.

الدنمارك / كوبنهاجن الاثنين 3 تموز 2023
الحاج عطا الحاج يوسف منصور

 

المحطة رقم 10 الفرزة الخامسة عشرة
Comments (0)
Add Comment