تجليات صوفية عند ” أروى الشريف “
فردوس منصوري
- تقديم الديوان: ” مرايا زرقاء ” للشاعرة ” أروى الشريف “:
صدر ديوان ” مرايا زرقاء ” للشاعرة” أروى الشريف ” عن ” دار الروح” بقسنطينة، سنة 2013، يتألف الديوان من” 32 ” قصيدة في ” 107 ” صفحة من الحجم المتوسط؛ من تقديم الشاعر والمترجم والناقد ” جلال جاف ” ،
يتميز الغلاف بتقسيمه لثلاثة أجزاء: الجزء العلوي بلون أزرق سماوي يتوسطه اسم الكاتبة ، ثم يأتي العنوان في منتصف الصفحة تماما بلون أزرق وبخط واضح وعريض، مع صورة للطبيعة وصحراء الآهقار ، ليغوص الملاحظ للغلاف للحظة في عمق البيئة الصحراوية ومدى امتزاج الخلفية مع العنوان مشكلة خلفية صوفية بامتياز ، تسلب تفكير القارئ وإلهامه وتغوص بمخيلته إلى مدى توافق زرقة العنوان مع دلالاته ومع زرقة جبال الآهقار وامتزاجها بالرمال الذهبية ، لترسم لوحة صوفية تعكس عمق الطبيعة الصحراوية ..، وعمق الفكرة أو التوجه الفكري للكاتبة ..
أما خلفية الكتاب جاءت بلون أزرق تحتوي على سيرة مختصرة للكاتبة..
تبدأ رحلة الشاعرة بالغوص في بحر من الإشارات الصوفية والدلالات التي تعكس مقامات ومرايا اللون الأزرق من سماء وماء و جبال ” أهقار” تتفجر منها نواة الإبداع والخيال البعيد المدى، إذ تتمكن من تطوير أدوات الكتابة بلغة شعرية زرقاء معتمدة على تقنية ” التناص” مع نصوص تؤثث لخطاب سردي بحيث يمكنها من ابتكار لغة نثرية لا تقوم على الإبلاغ والإخبار بل على زخم ووهج صور شعرية جديدة تنبع من عناصر الزرقة ” الصهيل ، البريق ، دم الحريق “، حتى تتناسب مع موضوع كل قصيدة شعرية التصوير والإيحاء[1].
كما لا تعطي الشاعرة تفاصيل عن الرجل و لا تكتب بدلالات الجسد لأنها اختارت لغة القداسة الشفيعة لروح الحبيب. لرسم معالم حلم يضيء مسارات هي مقامات الروح المتصوفة التي تشع زرقة و نورا ..
تركز الشاعرة على تشكيل فضاء النص مستلهمة ” العناصر الزرقاء” من بيئتها لتبعث الواحات من صمتها بألوانها الذهبية و تحولها إلى ألوان البحر و السماء وتمزج ألوانها الصحراوية بحميمية المشاعر و تنقل العرش إلى عرش الإنسان الأول حيث يكون الماء عنصر التكوين الأول وتلقي الضوء على رموز تجردت من بيئتها البكر [2]..
و من الضروري الإشارة إلى أن الديوان مقسم إلى مجموعتين من النصوص الشعرية ترسمان تفرد عملية الكتابة عند الشاعرة بكونها رحلة داخل کون ضاج بانزياحات وصور لكل واحدة منها نمطية كتابة و إبداع تختلف باختلاف الإشارات النصية و الدلالات مما يدفعنا للقول أن عملية ” الفرادة ” عنصر أساسي في كتابة الشعر كخاصية تنفرد بها مدرسة الزرقة. استطاعت الشاعرة كتابة الديوان على أساس بناء فني هو آلية خلق و إبداع تتم في انحناءات حركة الإنتاج أي أن عملها يكتسي طابعا شعريا يكشف عن الحركة الباطنية لروح الأشياء الزرقاء وعمقها كتفجير ل ” نواة ” الشعر التي تتشبع بروح الزرقة وعمقها عند الشاعرة هو ارتباط وجداني وروحي بالأماكن، فتتجلى لغة شعرية خاصة لا تهب نفسها إلا لقارئ حريص[3] …
- سيميائية العنوان – صوفية العنونة – ودلالة اللون الأزرق:
العنوان مصطلح إجرائي ناجع في مقاربة النص الأدبي، و مفتاح أساسي يتسلح به المحلل للولوج إلى أغوار النص العميقة قصد استنطاقها و تأويلها[4]. وهو عبارة عن عتبة من عتبات النص، و مفتاح من أهم مفاتيحه، و هو بمثابة هوية النص..
لذا يعد العنوان نظاما سيميائيا ذا أبعاد دلالية، و أخرى رمزية، تغري الباحث لتتبع دلالاته، و محاولة فك شفراته الرامزة [5]، بغية استجلاء المفاهيم النصية المتراكمة داخل الحيز النصي.
و كذا لكونه أولى عتبات النص التي لا يجوز تخطيها، ولا تجاهلها، إن أراد القارئ التماس العلمية في التحليل والأقة في التأويل، فلا شيء كالعنوان يمدنا بزاد ثمين لتفكيك النص و دراسته، و هنا نصرح إنه يقدم لنا معرفة كبرى لضبط انسجام النص، و فهم ما غمض منه [6].
و في محاولتنا للوقوف على تجليات اللغة الصوفية في شعر ” أروى الشريف ” استوقفتنا قضية العنونة باعتبارها مؤشرا هاما في إضاءة عوالم النص و خفاياه ،
يظهر ديوان “مرايا زرقاء ” احتفاء خاصا باللون الأزرق؛ انطلاقا من العنوان.. ووصولا إلى توظيفه في قصائد الديوان؛
ما يجعلنا نطرح تساؤلا مهما، ما دلالة ” اللون الأزرق ” في الديوان ؟
لصوفية العنونة أهمية كبيرة في الكشف عن مدى علاقة عنونتها الصوفية بصوفية قصائدها ؛
حيث يطرح عنوان هذا الديوان أسئلة متشاكلة بين نصوصه التي تنقسم إلى مجموعتين شعريتين، وجهت الشاعرة خطابها الشعري كنبع جمالي من آلية المكاشفة البصرية بين مرايا اللون الأزرق وموجهات النص، تجربة الشاعرة ” أروى الشريف” تقوم على أساس انعكاس اللون الأزرق في مرايا النصوص التي تتوسع بتأثير فعل ” اللون الأزرق” مسهما في تفعيل مسارات جديدة لإثارة الصور الشعرية السحرية في ذاكرة المتلقي، لذا فان لشعرية “الزرقة” أهمية معقدة ذات طابع إشكالي، كونها ترتبط بالتراث العالمي في أنساق التعبير و الإيحاء و هنا تكمن صعوبة اللغة المستعملة وكيفية تصوير وإبداع لون أزرق يطفو على كل النصوص[7]..
وإذا كان الشاعر الأزرق ” جلال جاف ” يشير إلى مفهوم الزرقة بمعناه العام كمدرسة شعرية: ” مدرسة الشعر الأزرق ” ، فإني أراها نوعا ما ” فلسفة خاصة ” ، ذلك أن المدارس الأدبية تشترك في مفهومها على أنها نتاج أدبي يتميز بمجموعة من المبادئ الجمالية والفنية والفكرية ، وإن كانت شعرية الزرقة تتناسب مع هذا التعريف ، إلا أن مصطلح الفلسفة أبلغ وأوسع فالفلسفة بطبيعتها غير محدودة الفكرة تتقبل عدة جوانب وتأويلات، وكذلك الزرقة التي لمسناها في شعر ” أروى ” لا تقتصر على فكرة معينة بل تأخذ فكر القارئ إلى جو آخر من الإلهام والتخيل وتغوص بفكره في بحور إبداع لا متناهية، ليجد القارئ نفسه في عالم خاص بعيدا عن العالم الكائن ..
كما أن المدارس الأدبية تقتصر على زمن معين و تبدأ بالتلاشي بمجرد ظهور مدارس أخرى، في حين أرى أن شاعرية الزرقة قادرة على التغلغل في شتى الأنواع الأدبية باختلاف أزمنتها . كما يمكن أن تتبنى هذا النوع من الإبداع عدة مدارس أخرى..
لذا أجد مصطلح ” فلسفة الزرقة ” أو ” فلسفة الشعر الأزرق ” لائقا أكثر بهذا اللون الأدبي الخاص..
- تجليـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــات صوفيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة في قصيـــــــــــــــــــــــــــــــدة ” الياقــــــــــــــــــــــــــــــوتة ” :
إن تقنية التلاقح والتبادل بين الثقافات الإنسانية من رموز وأساطير العالم القديم وبين بصمات الصوفية مشبعة بإرث اكتسبته الشاعرة في كنف عائلة تمتد أصالتها في ريادة الزوايا يمكن استكشافها في قصيدة الياقوتة.. “[8]
” الشمس فرحة
عانقت مجرات الذهول
تركت السرير لها
ذهبت أخطو بعدها بعد المجهول
ما أسعدها بالتسبيح حول شفتيك.
كل الزوايا عسل، أغرقت السرير
يشدو البلبل على طاولتك كل الفرح “[9]
لقد حاولت الشاعرة ” أروى الشريف ” أن تستوحيَ فكرة القصيدة وموضوعها من خلال تجربة سيدي الشيخ وخصوصيتها في قصيدة الياقوتة.. فهو نص عبارة عن محاكاة لقصيدة ” الياقوتة لسيدي الشيخ ” * .
غير أنّ البنية العامة للقصيدة وما تضمنته من تداعيات، هو ما قد تختلف فيه الشاعرة عن المتأثر به والمقتبس منه، بل إن بنية نص” الياقوتة ” هي بنية أخرى مستقلة ذات قسمات مختلفة وتنفرد بهويتها الخاصة حيث تعتمد فيها الشاعرة تجليات ذات طابع خاص، تستمدّ ركائزها ومعانيها من التجربة الصوفية التي تقوم على محور خيالي يعتمد على الذهن والمحاكاة ..
تعد الطبيعة من الرموز التي تغنى بها المتصوفة، فنستشعر الجمال الإلهي في الوجود من خلال الأبيات:
” الشمس خيمتي
الليل لوعتي
على خطى النجوم
أذوب بخورا وأنتشر
الليل نور خافت فوق صدر الضوء “[10]
إن الجمال الإلهي يغمر كل الوجود و الشاعرة تتغنى به في كل مظاهر الكون، في الشمس، في الليل و بين النجوم..، فنجد أن رمز الطبيعة انفتح على دلالات شتى، ليصور لنا الحب الإلهي وجمال الخلق في أبهى صوره ..
ولعل أهم ما يمكن استشعاره من خلال الأبيات، انغماس ذات الشاعرة ضمن عالمها المتخيل، فنلاحظ فناء الشاعرة في جوهر العالم المحسوس، فأصبحت ترى ذاتها من خلال عالمها المتصور،
” كاتمة أسرارك أنا
خاتمة أحداثك أنا
حاملة اللواء أنا “[11]
—
[1]- جلال جاف، تقديم ديوان مرايا زرقاء، ديوان مرايا زرقاء دار الروح للنشر والتوزيع، 2013، ص 5،
[2]- جلال جاف، مرجع سابق، ص6
[3] – نفسه، ص8.
– حمداوي جميل، السيميوقراطيا و العنونة، مجلة عالم الفكر، ع:03، مج:25، الكويت، 1997، ص9 [4]
[5]- الجزار محمد فكري، العنوان وسميوقراطيا الاتصال الأدبي، الهيئة المصرية للكتاب، ط1، القاهرة، 1998، ص15
[6]- مفتاح محمد، دينامية النص تنظر و انجاز، المركز الثقافي العربی، بیروت، ط2، 1990، ص72.
[7] – جلال جاف، مرجع سابق، ص 5.
– جلال جاف، مرجع سابق، ص 11.[8]
[9]- أروى الشريف، ديوان مرايا زرقاء، مرجع سابق، ص 42.
*الياقوتة: قصيدة صوفية نظمها عبد القادر بن محمد بن سليمان بن أبي سماحة الملقب بسيدي الشيخ واحد من الوجود الأكثر بروزا في الجنوب الغربي الجزائري على الصعيد الديني كما على الصعب التاريخي، جاءت في واحد وسبعين ومائة بيت.
[10] – أروى الشريف، مرجع سابق، ص 42.
[11] – نفسه، ص 43.