كتاب(مَوسُوعَةُ مَدِينَةِ العَزِيزِيَّةِ):مَحمُودٍ دَاوودَ برغلٍ/ تَحْيَا مِصْرُ..(أبو محسنٍ الخياطُ)
كتاب (مَوسُوعَةُ مَدِينَةِ العَزِيزِيَّةِ)
تَأليفُ وإعِدادُ
مَحمُودٍ دَاوودَ برغلٍ
تَحْيَا مِصْرُ … (أبو محسنٍ الخياطُ)
(أبو محسن المصري) هو أحدُ رعايا العمالة المصرية الوافدة الى العراق مطلع الثمانيات من القرن الماضي
وكان يمتهنُ الخياطةَ مصدراً لرزقهِ .
اذ أستأجر محلاً في الزقاق المؤدي الى شارع شاطئ دجلة الخير في الجانب المحاذي لمقهى ( بربن )١ رحمه الله .
كان رجلاً مثيراً للجدلِ فهناك من ابناء ( مدينة العزيزية) من يعتَقدُ ان هذا الخياطَ جاسوسٌ لمصر (أنور السادات ) الذي ابرم اتفاقية (كامب ديفيد ) مع الكيان الصهيوني ، وآخرون يظنونه وكيلاً متواطئً مع الاجهزة الامنية العراقية والسبب في هذا الاعتقاد انه كان يستمع الى نشرة ألاخبار العربية من
( BBC Arabic )
بأعلى صوتٍ من مذياعهِ الذي يضعه في ركن من اركان محله الصغير الذي تتقدمه منضدةٌ توازي حافة الرصيف مغطاةٌ بغطاء صوفي او مايسمى ( بطانية ) يكوي عليها مايخيطه من ملابس رجالية .
وكان بطريقه بهلوانية يبخُ بفمهِ الماءَ الذي يضعه في وعاء بلاستيكي عندما يَكْوِي ما أنتجتهُ يده البارعة من (دشاديش ) .
وكان زبائنه عراقيين ومصريين اذ كان يخيط لابناء جلدته ( الكلبية المصرية ) .
كان يجلس القرفصاء عصراً فوق تلك المنضدة ويراقب المارة الذين يَسِيرُونَ في هذا الزقاق باتجاه شاطئ النَّهر وأحيانا يُطرِقُ بنظرةٍ غريبة فيها الكثير من التساؤل وهو يضعُ يدَهُ على خدهِ ويستغرقُ في تفكير عميق ليجول بعدها ببصرهِ يميناً وشمالاً وكانهُ يبحث عن شيء ما !!
كانت تتكرم عليه الحاجة الفاضلة (رفعة الصالح )٢ رحمها الله بأطباقٍ من الطعام الشهي الذي عُرِفتْ به من باب الاحسان والمعروف والكرم العراقي المنقطع النظير في أيام الجمع وتهدي ثواب عملها هذا وأجره الى روح زوجها فهي امرأءة صالحة ووفية مخلصة .
اذ كانت تقول لي رحمها الله
(انه غريب ، الله الله في الغريب يا محمود )
( وانه _ ياأبا شكرية _ سيعود يوما الى وطنه واهله ودياره وسيذكر اهل العزيزية بخير ) .
وفيما تقوله (الصالح ) رحمها الله يتجلى حب المدينة والاوطان .
كان الخياط محط ثقة العمال المصريين العاملين في المدينة
وهم يضعون أماناتهم لديه من نقود وجوازات سفر لثقتهم العاليةِ فِيهِ ، كانوا يعظمونَ شانَهُ وكأنهُ عمدتهم او كبيرهم ، والسبب في إيداعِ هذه الاماناتِ لديه هو تعرض غرف سكن العمال في البيوت التي استأجروها للسرقة عدة مرات اثناء ذهابهم الى أشغالهم !!!
والسارق كما يُشَاعُ منهم و بينهم وفيهم وقد حدث ذلك مراراً ولذا لجأوا الى (ابي محسن الخياط) الذي يحفظ تلك الامانات حتى موعد سفرهم وعودتهم الى ديارهم.
وقد قال لي احد العمالين المصريين ان (ابأ محسنٍ الخياط ) كان يتقاضى عمولة رمزية عن حفظ تلك الامانات يسددها من أئتمنهُ عند انتهاء هذه المهمة وهو يعزم على مغادرة العراق بعد ان حقق ( تحويشة العمر ).
كان المصريون يرسلون اشرطة تسجيل كاسيتات باصواتهم الى اسرِهُمُ في مصر يتحدثون فيها عن تفاصيل حياتهم اليومية ومشاعرهم وشوقهم ويصفون شعب العراق الكريم المضياف ، وكانت هذه الكاسيات ترسل بيد من يروم العودة الى أهله من قبل زملائهم الذين لم تحن بعد ظروف عودتهم او زيارة اهاليهم وكان دور الاستلام والتسليم لبعضهم يجري احيانا عند ابي محسن.
والجدير بالذكر ان الدكتاتور المخلوع ( صدام حسين) قد فتح ابواب العراق مشرعة امام المصريين وقد استقبلهم شعب العراق بكل ترحاب حتى بلغ عددهم (٧) ملايين مصري خلال حرب السنوات الثمانية التي شنها العراق ضد الجارة ايران .
عاش المصريون وعملوا في اعمال البناء والزراعة والصناعة وشتى انواع المهن الاخرى وتعامل معهم شعب العراق العَظِيم بمنتهى الطيبة والكرم وكانت علاقةُ المصريين والعراقيين علاقة مميزة حاول فيها الحاكم تخريبها من خلال تحريض المصريين على العراقيين وتفضيلهم عليهم حتى ان (صدام حسين ) قال في احدى زياراته الى (محافظة البصرة ) ان من يعتدي على مصري كأنهُ اعتدى على (صدام حسين ) لكن مشاعر صدام الودية اتجاه المصريين سرعان ما انقلبت رأسا على عقب بعد وقوف مصر العربية مع دولة الكويت التي تعرضت للغزو في الثاني من اب (١٩٩٠)م اذ بدا المصريون بالعودة الى بلدهم
وكان احدهم ( ابو محسن الخياط ).
————————
الهوامش
(١). ( الحاج بربن حمود) رحمه الله صاحب مقهى شهير في مدينة العزيزية يقع مقابل مسطر العمال الذين يتناول بعضهم الافطار عند الفجر فيه بعد شرائهم القيمر من بائعات القيمر اللائي يَجْلِسْنَ على رصيف مقهى الجهة المقابلة ( مقهى لطيف گطوف ).
(٢). (الحاجة رفعة الصالح ) رحمها الله احدى نساء مدينة العزيزية الفاضلات عرفت بطيبتها وكرمها وحبها لمساعدة الآخرين وخاصة الفقراء منهم وكانت ظريفة حادة الذكاء وحاضرة