جمالُ صوت المرأة في السرديّة التعبيريّة(رابعا)

382

بقلم : كريم عبدالله – بغداد – 3/1/ 2019

أولاً : – اللغة المتموجة كما في :

رابعاً: غليان .. بقلم: خالدة أبوخليف/ سورية.

المقدمة :

يقول ( هيجل ) : الشعر هو الفن المطلق للعقل, الذي أصبح حرّاً في طبيعته , والذي لا يكون مقيّداً في أن يجد تحققه في المادةالحسيّة الخارجية , ولكنه يتغرّب بشكل تام في المكان الباطني والزمان الباطنيللافكار والمشاعر .

مما لاشكّ فيه انّ الموهبة قد تموت وتنتهيبالتدريج اذا لم يستطيع الشاعر تطويرها واستثمارها أقصى إستثمار عن طريق الاطلاععلى تجارب الاخرين والاستفادة منها والاتكاء على المخزون المعرفي لديه ,  وتسخير الخيال الخصب في انتاج وكتابة كتاباتمتميّزة ومتفرّدة تحمل بصمته الخاصة التي عن طريقها يُعرف ويُستدلّ بها على إبداعه, وقد تموت ايضا اذا لم تجد التربة الصالحة والمناخ الملائم لأنضاجها , وقد تنتهيحينما لمْ تجد مَنْ يحنو على بذورها التي تبذرها ويعتني بها ويُسقيها من الينابيعالصافية والنقيّة , فلابدّ من التواصل والتلاقح مع تجارب الاخرين الناجحة والعملعلى صقل هذه الموهبة وتطويرها والاهتمام بها وتشجيعها والوقوف الى جانبها قبل أنتُجهض . نحن سعداء جدا في مؤسسة تجديد الادبية ان نستنشق الان ملامح إبداع جميلوحضور مشرق من خلال دعمنا المستمر للمواهب الصادقة والناجحة في هذا الموقع , فلقداصبح لدينا الان مجموعة رائعة جدا من الشعراء والشواعر الذين يجيدون كاتبة القصيدةالسرديّة التعبيريّة , ونحن لم ندّخر اي جهد في مساعدة الجميع عن طريق الدراساتالنقديّة والنشر والتوثيق المستمر في المواقع الالكترونية الرصينة وفي بعض الصحفالورقيّة , وابداء الملاحظات من أجل تطوير وإنضاج هذه الاقلام الواعدة , نحن علىثقّة سيأتي اليوم الذي يشار الى كتابات هؤلاء والاشادة بها والى القيمة الفنيةفيها ومستوى الابداع والتميّز وما تحمله من رساليّة فنيّة وجماهيريّة .

فلم تعد قوالب الشعر الجاهزة ترضي غرور شعراءالسرد التعبيري لذا حاولوا ونجحوا في الانفلات من هذه القوالب ومن هيمنتها ولوبشكل محدود ( في الوقت الحاضر ) , وتجلّ هذا من خلال طرق كتابة النصّ والموضوعاتالتي يتطرق اليها , وترسخت فكرة التجديد لديهم وخطّوا لهم طريقا مغايرا فيكتاباتهم , وصاروا يواصلون الكتابة وياخذون منحا اخر لهم بعيدا عما هو سائد الانفي كتابة قصيدة النثر , صارت القصيدة أكثر حرّية وانفتاحا على التجارب العالمية,  لقد منحت السرديّة التعبيريّة لكتّابهاالحرية والواسعة والفضاء النقيّ الشاسع والأنطلاق نحو المستقبل خاصة حينما يكونالتعبير أكثر شبابا وصدقا عن المشاعر الحقيقية المنبعثة من القلب الصافي كالينبوعالعذب , فلقد أحسّ الشاعر بمهمتة الصعبة في الكتابة بهذا الشكل الجديد والمختلفوالذي نؤمن به وبقوّة , فنحن نؤمن وعلى يقين بانّ القصيدة السردية التعبيريّة هيقصيدة المستقبل لقدرتها على  الصمود والتطوّرالمستمر نتيجة التجربة الطويلة والتراكم الابداعي , بروعة ما تقدّمه وتطرحه علىالساحة الشعرية , نعم أحسّ الشاعر بالانتماء والاخلاص لهذا اللون الادبي الجديدوالذي نطمح في قادم الايام ان يكون جنسا أدبيا متميّزا , لهذا استطاع الشاعر انيطوّع المفردة رغم قسوتها وعنادها وإعادة تشكيلها وتفجير كل طاقاتها المخبوءة ,وأن يفجّر من صلابتها الينابيع والانهار وإستنطاقها نتيجة ما يمتلكه من خيال جامحابداعي وعاطفة صادقة جيّاشة وإلهام نقيّ وقاموس مفرداتي يعجّ باللغة الجديدة .

سنتحدث اليوم عن صوت المرأة الشاعرة فيالسرديّة التعبيرية ونختار بعض القصائد كي نشير الى مستوى الابداع وكميّة الشعريةفيها , ونستنشق عبير هذه القصائد النموذجية .

انّ حضور الصوت النسائي في السرديّةالتعبيرية له تاريخه المشرق وحضوره البهيّ , فمنذ تاسيس موقع ( السرد التعبيريّ )كان حضور المرأة الشاعرة متميّزا ينثر عطر الجمال ويضيف ألقاً وعذوبة في هذاالموقع الفريد والمتميّز, وقدّمت قصائد رائعة جدا تناولها الدكتور انور غنيالموسوي بالقراءات الكثيرة والاشادة بها دائما , وتوالت فيما بعد الاضاءاتوالقراءة النقدية لهذه التجارب المتميّزة من قبل بعض النقاد ومن بعض شعراءها .فاصبحت هذه القصائد نوعية مليئة بالابداع الحقيقي وبروعة ما تطرحه من أفكار ورؤىومفعمة بالحياة وروح السرديّة التعبيريّة وخطّتْ لها طريقاً تهتدي به الاخريات ممنعشقن السرد التعبيري وحافظن على هيبته وشكله وروحه والدفاع عنه . لقد أضافتالشاعرة الى جمالية السرديّة التعبيريّة جمالا آخر وزخما حضورياً وبعثت روحالتنافس وحرّكت عجلة الابداع فكانت بحق آيقونة رائعة . القصائد التي كتبتها المرأةفي السرد التعبيري كانت معبّرة بصدق عن اللواعج والالام والفرح والشقاء والحرمانوالسعادة , بثّت فيها شجونها وخلجات ما انتاب فؤادها , ولقد أزاحت عن كاهلها ثقلالهموم وسطوة اللوعة , ولقد جسّدت في قصائدها آلامها ومعاناتها في بناء جملي متدفق, منحت المتلقي دهشة عظيمة وروّت ذائقته وحرّكت الاحساس لديه . كانت وستظلّ زاخرةبالمشاعر والاحاسيس العذبة ومتوهّجة بفيض من الحنان , نتيجة الى طبيعتهاالفسيولوجية والسايكولوجية كونها شديدة التأثر وتمتاز برقّة روحها فانعكس هذا علىمفرداتها وعلى الجو العام لقصائدها , فصارت المفردة تمتلك شخصية ورقّة وعذوبةوممتلئة بالخيال وبجرسها الهامس وتأثيرها في نفس المتلقي , فكانت هذه القصائدتمتاز بالصفاء والعمق والرمزية المحببة والخيال الخصب والمجازات ومبتعدة جدا عنالمباشرة والسطحية , كانت عبارة عن تشظّي وتفجير واستنهاض ما في اللغة من سطوة ,كل هذا استخدمته بطريقة تدعو للوقوف عندها والتأمل واعادة قراءتها لأكثر من مرّةلتعبر عن واقعها المأزوم وعن همومها وهموم النساء في كل مكان . فرغم مشاغلهاالحياتية والتزاماتها الكثيرة استطاعت الشاعرة ان تخطّ لها طريقا واضحا وتتحدّى كلالصعاب وترسم لها هويّة واضحة الملامح , فلقد بذرت بذورها في ارض السرد التعبيريونضجت هذه البذور حتى اصبحت شجرة مثمرة . لقد وجدنا في النصوص المنتخبة طغيانالنَفَس الانثوي واحتلاله مساحة واسعة فيها معطّرة برائحتها العبقة واللمساتالحانية والصدق والنشوة , فكانت ممتعة جدا وجعلت من المتلقي يقف عندها طويلامنتشيا , وحققت المصالحة ما بين الشاعرة والمتلقي وهذا ما تهدف اليه الكتابةالابداعية .

ولكن بعد كل الجهود التي بُذلت من قِبَل ممنكتبن القصيدة السردية التعبيرية وبعد ان أصبحت هذه القصيدة ملامحها وتقنياتهاواضحة للكثير منّا , وجدنا بأنّ صوت المرأة وجماليته بدأ يأخذ مكانته في الخطابالشعري وبشكل واضح ومؤثر في القصيدة السردية التعبيرية . لقد أصبح صوت المرأة يمتلكجمالية فذّة عميقا يعكس رؤيتها نحو هذا الكون ويعكس حاجاتها ورغباتها بطريقة رمزيةابداعية ساحرة , لم تكن تبحث عن التوسل بالجسد والأثارة ولم تفتعل قضايا وأزماتلأجل الشهرة , انما أصبح صوتها عبارة عن صراخ بوجه الواقع المتردي / السياسي –الأجتماعي – والثقافي / , أصبح صوتها منافسا قويا في فضاء السردية التعبيرية لصوتالرجل من خلال هذا الكمّ الهائل من الجمال والأبداع الحقيقي , أصبح صوتها يعبّر عنالمرأة أينما كانت وتكون , ولم تعد مجرّد رقم يحمل صفة المتلقي فقط في الخطابالشعري , وانما أصبحت شاعرة تجيد لعبة الشعر وتتقن صياغة قصيدتها بحرفية رائعة , فأصبحتهذه التجربة الأنسانية الأبداعية تتطور بشكل سريع ومذهل نتيجة تعدد الأصواتالأنثوية ممن يُبدعن في كتابة القصيدة السردية التعبيرية .

وبالعودة الى الشاعرة / خالدة أبو خليف /وفي قصيدتها / غليان / نجد كلّ هذا الصراخ – الغليان – يتخفّى وراء صوتالرجل ولو كان بصوتها لكان صراخاً وغلياناً يأخذ مسارات أخرى , لكننا من خلالالعنوان نجد الشاعرة تبحث عن قيمة ثقافية وجمالية للجسد أكثر من الأثارة والأبتذال, وهي تقف ما بين التذكير بهذا الجسد او إنكاره . انَّ في العنوان / ثورة / تثيرنامن خلاله الشاعرة ولتضعنا على أعتاب زخم شعوري عنيف وهذا من مميّزات السردالتعبيري . فنحن نعلم بأنّ السرد التعبيري لا يعني السرد الحكائي / القصصي / وانمانعني به السرد الممانع للسرد , السرد الذي يكون همّه نقل الأيحاء والمشاعر العميقةوالأحاسيس المرهفة وتضخيم طاقات اللغة عن طريق الخيال والرمزية , بينما التعبيريوالمأخوذ من المدرسة التعبيرية نقصد به التكلّم والكتابة بعمق وبوح شعري فيكونتجلّي لعوالم الشعور والأبهار . ويتجلّى السرد التعبيري بوضوح من خلال عناصركتابية نصّية / فقرات نصّية متتالية بدون توقف او تشطير او نقاط بين هذه الفقرات /وكذلك الرمزية والأيحاء وممانعة السرد ببوح شعري فتتحقق الشعرية من خلال هذاالنظام الكتابي , فكأنّ النصّ يريد الحكاية او سرد حادثة معينة و وهنا تبرز الشخوصالنصّية والحدث النصّي حتى تتجه جميعها نوح بوح شعري وبتعبير عميق وشاعرية كثيرة .نصّ الشاعرة تمّ اختباره على اساس انه يحمل بعض ملامح السرد التعبيري الا وهي /اللغة المتموّجة / والتي تتناوب ما بين فقرات وتراكيب توصيلية وأخرى إنزياحيةمثيرة , لأجل تسريخ فكرة السرد التعبيري والكشف عن ملامحه فقط .. / قهوتك السمراء حيرة في طعمها عبق ولذة ../ للوهلةالأولى نستشعر بانّ النصّ يحاول ان يحكي ويسرد لنا سردا قصصيا من خلال / قهوتكالسماء – وهي عبارة عن فقرة توصيلية – لكنّ اللغة تتجه نحو التغريب والأبتعاد عنالواعية واللاالفة والترابط ما بين هذا المقطع من خلال هذه الانزياح اللغوي – حيرة– في طعمها عبق ولذّة . ./ جوزةالطيب تحلق عاليا”أرتشف من عينيك جواباً ../ هنا نجدأيضا – جوزة الطيب – وهي فقرة توصيلية – نجد الشاعرة تمنحها هذه القدرة علىالتحليق والارتفاع عاليا , فأنّ الشاعرة استطاعت من أن ترسم لنا هذه اللوحة بعدماتخلّصت من المباشرة في اللغة وبعثت في / جوزة الطيب / الحياة . وفي هذا المقطع نجدأكثر من شخصية نصّية تتناوب فيما بينهما اللغة امتموّجة ../ يفيض بركانهاتغويني شفة واحدة قبلة مستعصية ../ يفيضبركانها عبارة عن انزياح لغوي – الشفة الواحدة فقرة توصيلية – قبلة مستعصية انزياحلغوي / . . لا أتعب فيالبحث عنك أتعقب الرائحة، أغرد بصمت أمامها / وهنا أيضا نجد الفقرة – لا أتعب في البحث عنك أتعقب الرائحة –عبارة عن فقرة توصيلية مباشرة – بينما الفقرة – أغرد بصمت أمامها – نجد فيهاالأنزياح اللغوي والتغريب . وكذلك نجداللغة المتموّجة من خلال هذا المقطع ../ قدرة على احتواء الألم تنقصني الصدفة لتقرأي مستقبلي ../ . لقدامتلكت الشاعرة مقدرة وقوة في الخيال على ان تخلق لنا صورا غير واقعية مشعّة والتعبيرعما يجول في خاطرها عن طريق هذا اللغة المتموّجة العذبة المتسمة بالصفاء والفنيةالعالية وعبّرت عن همومها برسالية زاخرة بالحنين والحبّ والحياة , عبّرت عن روحهاالجامحة العاشقة في جرأة وتصوير دقيق وتميّز . فكانت الشاعرة / خالدة أبو خليف /إضافة زاهية للسردية التعبيرية سيكون لها مكانة بارزة في هذا المجال .

غليان .. بقلم : خالدةأبوخليف/ سورية.
قهوتك السمراءحيرة في طعمها عبق ولذة، رائحة الهيل تشق النفوس، جوزة الطيب تحلق عاليا” أرتشف من عينيك جوابا”، يفيض بركانها تغويني شفة واحدة قبلة مستعصية، لا أتعب فيالبحث عنك أتعقب الرائحة، أغرد بصمت أمامها، حيرة السواقي طعم غريب قهوتك لونعينيك تنويم مغناطيسي سيدة القصر تنافس الجميع، قدرة على احتواء الألم تنقصنيالصدفة لتقرأي مستقبلي، أنت مكعبات سكرها أضبطيها كما تريدين، إذا لامست شفتيكاستعرت،
أنت والأمان ليصنوان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المقالات