مثقفات جزائريات رائدات
الكاتبة و الاعلامية صافية كتو ، قلم أنثوي اختار التمرد
بوخلاط نادية

تعتبر “صافية كتو” قلم نسوي متمرد و متفرد في ذات الوقت في زمن لم يكن فيه للأنثى صوت مسموع ، و كانت ككثيرات ممن عاصرنها في صدارة المثقفات من أمثال آسيا جبار ، زهور ونيسي ، زليخة السعودي تمتشقن و تعانقن الأعالي و تصنعن المفارقة بكتاباتهن التي تصور وسطهن الاجتماعي و بيئتهن التي نشأن فيها ، فالمرأة الكاتبة غالبا ما تكون كتاباتها مرآة عاكسة لها بكل تلك التفاصيل الجميلة و المؤلمة في كثير من الأحيان
“صافية كتو” ….سيرة ذاتية
اسمها الحقيقي زهرة رابحي ، ولدت في 15 نوفمبر 1944 بمدينة عين الصفراء، حيث يعود أصلها إلى عائلة رابحي من عرش أولاد سيدي يونس الذين استوطنوا بمدينة الجلفة و ضواحيها.
تلقت تعليمها الأول على أيدي بعثة تبشيرية مسيحية، كان والدها يحلم بأن يراها طبيبة أو مُدرّسة، شغلت عدة وظائف بين التعليم و الإدارة، حيث عملت مع مطلع الاستقلال كمدرّسة للغة الفرنسية بإحدى مدارس عين الصفراء، انتقلت في سنة 1969 إلى الجزائر العاصمة، و هي في سن ال25 عملت كمتعاونة في وزارة التربية والتعليم، ثم موظفة مؤقتة في شركة تعنى بالشؤون الفلاحة، الظفر بمنصب في ذلك الوقت كان بحد ذاته انجازا كبيرا بالنسبة لفتاة منحدرة من بيئة صحراوية محافظة .
في بداية سنة 1973 التحقت بميدان الصحافة حيث باشرت مهامها في وكالة الأنباء الجزائرية و هناك تدرجت في مهنتها إلى أن بلغت قسم التحقيقات الصحفية، اشتهرت خلال سنوات الثمانينيات بكتاباتها في العديد من الصحف والمجلات على غرار ” جريدة الجزائر الاحداث”، ” الثورة الافريقية”، و مجلة ” افريقيا آسيا” الناطقة باللغة الفرنسية و كانت الصحافة هي من قربتها من فضاءات الأدب و شغف المطالعة ، و و جعلتها تتذوق لذة الكتابة التي اعتبرها هروبا من اليأس.
أصدرت صافية كتو في سنة 1979 باكورة كتابتها الشعرية التي تمثلت في مجموعة عنونتها ب “صديقتي القيثارة” ، تلك المجموعة الشعرية التي وقعتها باسم مستعار هو “صافية كتو”، و صدرت لها دار أنطوان نعمان بكندا.
لقد كشفت مجموعتها تلك حساسيةً جديدةً في التجربة الشعرية الجزائرية، تنأى عن الأسئلة الإيديولوجية المبتذلة، ولعبة اللغة الساعية إلى إبهار المتلقي، مفضلة كتابة تدنو أكثر من السرديّة الشعرية، افتتحت ذلك الديوان ببيان عرفان لروح الشاعر التشيلي “بابلو نيرودا”.
في سنة 1983 أصدرت مجموعة قصصية تحت عنوان “الكوكب البنفسجي”، و نص مسرحي مسرحية بعنوان “أسما” قمت على أمواج أثير القناة الثالثة، كما أصدرت مجموعة قصصية للأطفال بعنوان “وردة الرمال ” و التي لم تعرف طريقها إلى النشر.
كما كان ل”صافية كتو” تجربة في الكتابة الروايئة من خلال عمل روائي اهتمت فيه بالشق النفسي والاجتماعي لم تنشر ، وتعد “صافية كتو” من الكتاب السباقين في مجال أدب الخيال العلمي بالمغرب العربي.
محفزات الكتابة عند “صافية كتو”
تعتبر “صافية كتو” واحدة من الأديبات الجزائريات اللائي تميزن في مجال الكتابة، إذ أنها سجلت اسمها في صنوف عديدة من أنماط الكتابة بداية من المقالة ونهاية بأدب الأطفال مرورا بالشعر والقصة ، بيد أن المتأمل لكتاباتها خصوصا ما تركته في انتاجاتها القصصية الثلاث “الكوكب البنفسجي” و”المنتخب الشعري”، “صديقتي القيثارة”، سيدرك لا محالة أهم ملامح الأدب عندها انطلاقا من موضوعات الكتابة، حيث أن الكتابة بالنسبة لها كانت لحظة تنفيس جمعت بين الألم والفرح، الألم لأنها كانت تجسد صوت الأنثى الذي كان شبه مغيّب، فقد كان من العسر الشديد في ذلك الزمن أن تكتب المرأة معبرة عن أنوثتها وكينونتها، أما الفرح فكان معبرا عنه بلحظات الانتشاء والتفريغ أو في لحظات الكتابة بالمعنى الذي يؤسس تصالحا مع الذات.
لقد مارست “صافية كتو” الكتابة في مجالات متعددة، تغنت بالطفولة وبكت آلامها خصوصا ما تعلق بالأبناء الذين يولدون و يتخلى عنهم أولياءهم ويتركون على قارعة الطريق .
كما كتبت عن الأم أشعارا شجية، فرغم فراق الشاعرة لأمها حينما اتجهت من مدينتها الأصلية العين الصفراء الواقعة في الجنوب الغربي الجزائري إلى الجزائر العاصمة، إلا أن التغني بها والعودة الدائمة إلى حضن الحنان الصادق كانت حالة ملازمة لصافية كتو، فها هي تؤكد لأمها بأنها كانت سعيدة وهانئة في بطنها، حيث كتبت نصا تصف فيه باء حساس فياض منقطع النظير لذلك الشوق حيث تقول :
أمي لقد كنت سعيدة في بطنك
مدة تسعة أشهر ما عرفت الأحزان
مدتها كنت سابحة في الحنان (…)
أمي رغم الفراق والبعد
لازلت ناصعة متلألئة .
كما يظهر الأدب عند صافية كتو في الكتابة المخلدة للوطن، سواء في الشعر أو في فضاء القصة .
فعلى مستوى الشعر تغنت “صافية كتو” بالوطن، الذي أحبت رؤيته طليقا متطورا، الشيء نفسه يتضح من خلال (الكوكب البنفسجي) حينما يتغلب الإحساس بالوطن على الإحساس بالأمومة ومثال ذلك “سعدية الممرضة” التي آثرت أن تتجه إلى الجبل لتضميد جراح المجاهدين على أن تبقى لرعاية زوجها المقعد أو أن تراعي ابنها الوحيد .
زيادة على ذلك فقد تمثلت “صافية كتو” أفراح وأحزان المرأة وتغنت خصوصا بشجاعة المرأة الريفية التي تحملت المشاق العديدة من أجل رعاية أسرتها وخدمة وطنها ..
إن أعمال “صافية كتو” تظهر بما لا يدعو مجالا للشك أنها كانت نصيرة لقضايا الخير والحق والجمال في ضوء واقع صعب عاشت فيه، إذ كان من العسر الشديد أن تبرز الأنثى على مستوى الكتابة باعتبار ان الكتابة في تلك الفترة كانت حكرا على الرجال ، لم تكن تلك خاصية جزائرية بل في كل الأقطار العربية باءسثناء مصر و لبنان التي عرفت رائدات في مجال الكتابة .
و لكن كتابة صافية كتو تبقى شاهدة على تفردها و تميزها و ربما تفوقها، خصوصا اعتبارها رائدة لأدب الخيال العلمي على المستوى المغاربي، وهذه الشهادة قدمها الناقد التونسي “حمادي عباسي” في مقال نشره بجريدة “الوقت” التونسية المكتوبة باللغة الفرنسية.
وعلى سبيل المثال فقصة “الكوكب البنفسجي” تعبر عن حضور أدب الخيال العلمي، حيث تخيلت الكاتبة كوكبا بنفسجيا يسكنه أناس لا يهرمون ولا يسأمون، أما في قصة “القمر يحترق” فتتحدث الكاتبة “صافية كتو ” رحلة سفر إلى القمر، عن طريق الخطوط الجوية القمرية يعيش أصحابها وضعا مربكا يكتشفون من خلاله بأن القمر يحترق.
زيارتها لمسقط رأسها بالجلفة
في أواخر شهر أوت من سنة 1988 قامت “صافية كتو” رفقة شقيقها “رضوان رابحي” الذي كان آنذاك مفتشا عاما بوزارة البريد المواصلات و كذلك زوجته، بزيارة عائلية إلى بيت البشير رابحي والد الكاتب والفنان التشكيلي بن علية رابحي، حيث صرح هذا الأخير:
.. كانت ترتدي قميصا أصفرا و بنطلونا بنيا فاتحا و كان شعرها الأشقر المتموج منسدلا بشكل فوضوي على كتفيها، بدت و كأنها تخفي حزنا عميقا، كانت ابتساماتها غامضة و كلماتها متثاقلة، في بيتنا الواقع بحي البرج “القرابا” أخرجت آلة التصوير و راحت تأخذ لنا صورا جماعية، كأنها كانت تودع عائلتها الكبيرة، لأنها غادرت الحياة بعد خمسة أشهر…
فجيعة رحيلها الغامض
بتاريخ 29 جانفي 1989، تم التبليغ عن جثة هامدة عثر عليها أسفل جسر الكائن بحي “تيليملي” بالجزائر العاصمة، حسب ما جاء في مقالة منشورة للكاتب سعيد خطيبي جاء فيه ما يلي :
“ذكرت تقارير الشرطة عن أحد الشهود، أنّه رأى امرأة تنزل من سيارة أجرة عند الثامنة صباحاً، دفعت للسائق أجرته، ثمّ انحنت يمنةً، سارت بضع خطوات وقفزت من أعلى جسر تيليملي في وسط الجزائر العاصمة .. ، لكن البعض يشكك في حادثة الانتحار مثل الكاتب الروائي “عبد القادر ضيف الله” ابن مدينة عين الصفراء و رئيس جمعية “صافية كتو” حيث يقول :
” لا أعرف كيف وجدت نفسي داخل سيارة الأجرة وأنا أحدث ذلك السائق عنها وعن موتها التراجيدي، فجأة أدار بأصابعه مرآته العاكسة وراح يحدق فيّ بعمق، بعدها زفر وهو يسألني إن كنت أعرف صافية حقا، هاته التي سمعني أردد اسمها وأنا أركب سيارته، قلت له أنا ابن مدينتها ومهتم بكتاباتها لهذا تجدني في كل ذكرى وفاتها أجيء إلى هذا الجسر لأعيد حكاية الارتطام، ثم أردفت قائلا : “شجاعة كبيرة أن يرمي الإنسان بنفسه من ذاك العلو ( ابتسم بصمت ثم رد معقبا:
“ومن قال لك أنها رمت بنفسها من هناك ؟”.
كدت أقول له: وأنت ماذا يعنيك إن كانوا قالوا لي ذلك أو استنتجته بنفسي، لكنني تراجعت لأنني كنت أدرك أن الكل كان يعرف أنها انتحرت أو على الأقل أن هذا ما كتبته شرطة العاصمة في تقريرها حينما عاينت حادثة الموت يومها.
تذكرت حينها أخت صافية الصغيرة التي قالت لي يوما أنها لا تصدق أن صافية أقدمت على ذاك الفعل وهي التي كانت تصاب بالغثيان لمجرد رؤية قطرة دم على أحد أصابعها، لحظتها تابع السائق كلامه:
“تلك فترة انعطاف في حياة هذه البلاد ،أتعرف الرئيس الذي كان في تلك الفترة ؟ كان يريد أن يقدم بعض الأسرار عن تلك التحولات المتسارعة والانهيارات التي بدأت تمس البلاد، وقد جيء بصافية لتكون هي مسجلة تلك الأسرار باعتبارها صحفية متميزة، سجلت كل تلك الأسرار التي كانت محفوفة بسرية كاملة، وحينما خرجت صافية في ذاك اليوم بعد ذاك اللقاء، غابت وبعدها كان خبر موتها يا صديقي.
هزني هذا الكلام قلت ربما هذا مخبر يريد أن يجرجرني بالكلام عن السياسة حتى أصدق فرضيته، لهذا لم أعرف بماذا أرد عليه، اكتفيت بالصمت ودون أن ادري وجدتني أشير له كيما يتوقف عند المحطة البرية التي كنا نمر بجانبها، نزلت مسرعا حتى لا يفوتني موعد الحافلة وأسئلة الحيرة تتآكل في رأسي: ترى هل أصدق قصة انتحار “صافية كتو” أم قصة اغتيالها ؟ “
و كانت قد كتبت قبل رحيلها قد كتبت قصيدة مشبوبة بالحزن و كأنها استبقت أو تنبأت بوفاتها حيث جاء فيها ما يلي
إذا مت بينكم يوما
ـ ولكن أتراني سأموت حقا ؟ ـ
لا تتلوا من أجلي آيات من القرآن
دعوه لمن يتاجرون به
لا تجزوا لي فدّانين من
فردوسكم
فدان واحد على هذه الأرض يكفي
لسعادتي
لا تنثروا على قبري بذور التين
المجففة
كي تأتي طيور السماء
وتأكلها
لا تمنعوا القطط من التبوّل على
ضريحي
لأن القطط كانت كلّ يوم خميس
تبول على عتبة بابي
ولم ترتعد الأرض قط جراء ذلك.
لا تزوروني مرة في السنة
لأن ليس عندي شيء أقدّمه لكم.
لا تقسموا بخلاص روحي، لا
صدقا
ولا حتى زوراُ
ظروف تشييعها لمسقط رأسها
في أواخر شهر جانفي سنة 1989، وفي صباح ممطر و جو مهيب استقبلت مدينة “عين الصفرة” نعش الكاتبة والصحفية صافية كتو، كان الموكب محدودا وإذ ذاك حان موعد الدفن فكثرت وشوشات وغمغم القليل من الحضور بأصوات غير مفهومة و ما انفكت أن تحولت إلى لغط وجدال وصل بالبعض إلى الدعوة إلى عدم الصلاة عليها، وكادت الشاعرة أن لا تدفن وألا يعرف لها قبر وشاهد، لم تكن الطريقة التي دفنت بها الكاتبة “صافية كتو” في أحداثها “الجنائزية المؤلمة” بعيدة عن ما عانته في حياتها جراء نضالها كصحفية شرسة وشاعرة وقاصة، فالمرأة كانت تمثل معادلة نسوية في الساحة الأدبية الجزائرية، فتلك الخمرية ذات الشعر الفحمي الآتية من عمق مدينة تحفها الكثبان مدينة “عين الصفراء”، لكن جدلية المكان المتغير بين المدينة والريف لعبت على أوتار قيثارة جعلته صديقا حميما فأهداها ذات يوم ألحانا من الفرح وأغنيات للحرية ووصف الوطن، كانت الشاعرة كتومة تعمل بصمت ولا يعرف عن أخبارها إلا القليل من المحيطين بها إلى غاية موتها سنة 1989. “صافية كتو” بالطريقة التي رحل بها عبد الله بوخالفة و بعدها بسنة رحل عبد الله شاكري و تلاه رحيل بختي بن عودة ، حيث لا زال رحيلهم لغزا محيرا تتناقله الأجيال دون إجابة شافية تميط اللثام عن ظروف رحيلهم المأساوية .
مهما قيل فاءن الكاتبة و الصحفية ” صافية كتو” تبقى علما من أعلام الأدب النسوي في الجزائر و ايقونة الشعر و احد رواد رواية الخيال العلمي في المغرب العربي و العالم العربي و إعلامية متمرسة جمعت بين شساعة الثقافة و النبوغ في المجال الصحفي و تفردت كامرأة ناضلت بالقلم في حقبة لم يكن فيه للمرأة صوت مسموع .
بوخلاط نادية