أأعلن التوبة عن الحبر

380
أأعلن التوبة عن الحبر
سميرة سامي عواد

 

على مدى ربع قرن، من معاقرة الحروف، أودعت قلبي أسراراً وتجمعت فيه قصصاً عن الحب والحرب، عن الفراق واللقاء، عن الغدر، والوفاء. وكم أصبح لدي من أفكار، وأحلام، وأراء، يصعب حشرها في دفتر أو كتاب، وكم من أشعار وقصص تسمرت إلى جدران عقلي وقلبي إلى الأبد. وفي غفلة مني أخذتني الحياة مأخذ شتى، وسلكت بي أوعر الطرق! ولا يعوزني الشغفُ بالأدب والفنون والنهم في القراءة، كنت أقرأ كل ما يقع تحت يدي بتمعنٍ ومتعةٍ، قرأت أمهات الكتب وآباءها، قرأت لعمالقة الأدب وأقزامه، والكثير من الروائع والتفاهات. وبعد كر السنين وفرها ومعاقرة الألم الذي يدفع إلى الكتابة، وصراع دام مع سم الحبر وقسوته ومعاركٍ طويلةٍ وضاريةٍ مع الأوراق والأقلام والأفكار، تحول دمي إلى حبر واكتشفت بعض الجوانب من سره المقدس، في كيفية صياغة الجملة ونقش الحرف. فمجدت الأدب وانضويت تحت عباءته الجليلة. وامتلكت ذاك البعد الروحي, أحببت نجاحي وإخفاقي, وأخطائي التي لم أرتكبها وصوابي. دائما أوراقي مبعثرة، وأفكاري حاضرة.
من عادتي أن أكتب أينما تفاجئني الفكرة والرغبة في الكتابة، أنكب مرتعشة على الورق وتتساقط من عقلي الأفكار الواحدة تلو الأخرى أكتب وأشطب، وأنا أتمشى في أي مكان، أضع أوراقي على ركبتي، واستل قلمي وتبدأ الخواطر بالتوارد والأفكار السامية بالتدفق!! لأدون, وأقص، وأنثر بمتعة, واستمتاع كبيرين، حسبما تحركني انفعالاتي وأهوائي؟! أحياناً لا أجد الكلمات الملائمة، وأحياناً تأتي الكلمات سخيفة بلا معنى!! وأحياناً تأتي مبهرجة وغير لائقة، أو مجردة ومليئة بالهواء ينقصها الجسد والروح، وأحياناً كسولة تنقلني حيث لا أريد!! وعبثاً أجهد للعثور عل مصطلح بسيط، دون مكياج أو زينة يثقل العواطف ويحطمها. ولأن كلامي لاذع فقد أحبني القليل وكرهني الكثير.
ذات نزوة كرم ممن أحبوني. أهدوني مكتباً أنيقاً فاخراً ونادراً وبضعة أقلامٍ ثمينةٍ وأنيقةٍ إكراماً لجرأتي الأدبية التي وصلت حد الفظاظة. وبدؤوا يملون علي بعض الموضوعات العامة والخاصة، فأخذتني العزة والغرور، وقررت نفسي المسكونة بالحبر والأمارة به، اتخاذ الكتابة والأدب حرفة أسوة بفرسان الكلمة الذين كنت اعتبرتهم نخبة المجتمع وصفوته!؟ على الرغم ما جره ذلك علي من تحقير وسخرية!! ولم أكتب عن نفسي ولا عن متاعبي يوماً؟!
صرت أجلس وراء المكتب وتبدأ معاركي! أحس أن عقلي يطقطق وينتفخ، ثم بضعف وخواء وذبول وعطش، وتهرب من رأسي كل صور النشاط الذهني، ويبدأ قلبي بالخفقان وحلقي بالجفاف، وأستجدي غيث أصابعي، اعتصر أفكاري وذاكرتي متوسلاً إلى السماء أن تجود علي بحرف أو فكرة، وأعيد الكرة تلو الكرة، فيصل الكلام إلى تخوم دماغي ثم ينحسر، فيعتريني شعور حاد بالصداع والخجل من نفسي. وذات جلسة عقيمة سمعت صوتاً رخيماً من لجة عقلي يقول:
-دعكَ من الأدباء وطقوسهم الوهمية وأبراجهم العاجية، الإبداع هو أن تكتب ما تريد دون التشبه بأحد. وليس ما يريدون، عُد إلى المنبوذين, والمهمشين والفقراء الذين أماطوا اللثام عن موهبتك وكانوا المادة الأولية لإبداعك. فحملت المنشار وانهمرت على ذاك المكتب أصيره قطعاً صغيرة وأرمي بها إلى جوف المدفأة الملتهبة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المقالات