دراسة نقدية الصورة الشعرية في الشعر السردي عند الشاعر أ . كريم عبد الله
بقلمي د . رشا السيد أحمد

الشعر السردي التعبيري هو الحالة الفريدة من الشعر التي جمعت جمالالشعر مع السرد مع الفن التشكيلي التعبيري بصورته العذبة جدا وكأننا نرسم بالكلماتفوق الورقبأعلى صورة حسية تصويرية شعرية ,
ندخل في قصيدة الشاعر (( كريم عبد الله )) : لنشاهد الصورةالتعبيرية التي تحوزها القصيدة , وكيف يؤثث السردية بكل هذا الكم من المشاعرالملونة بحب وجمال وشفافية منسابة بعذوبة بتلقائية صرفة , تسرد تلك الحالةالشعورية بلطف شديد . معنا نص القصيدة :
شجرةُ الليمون أغنية الفرح
شجرةُ الليمون كوّمتْ مشاعرها اليابسة هنااااااااكَ في أقصى الضجر, صاغها الربيعُ كرستالاً دافئاً يترقرقُ يظلّلهُ الحنين , هيفاء غضٌّة ٌ مشاعرهُارهيفة ٌ يرتسمُ الفرحُ على ثيابها يكسو عريَ أيام الجفاف , لامفرَّ لالليلِ الناعسإلاّ أن يخلعَ نعليهِ يطوفُ حولَ أسرارها يتوسّدُ عطرهِا المرتعش , ضفيرتانِ مِنَالنجومِ تتماوجانِ يرتقيانِ شموخها المتطاول سحراً , مِنْ عتمتها تخرجُ رائحةُالليمون تتمايلُ على شواطىءِ الفيروزِ وحفيفُ البحرِ المترجرج يزيّنها بـ حُليّالغبشِ ويقظة النهارات , حافية أوراقها طريّة تخبّىءُ الندى في إبطيها تتشمّسُ علىأريكتها الشفيفة يداعبها قوس قزح يتخافقُ فوقَ الوسادةِ , كلَّ صباحٍ ترفرفُعصافيرها تغنّي أغنيةَ الكونَ تراهنُ على صمودِ الحياة تلملمُ شذراتَ الربيعتُطعِمُ براعمها إكسيرَ الخلود , ترتدي ريشَ الأحلامِ الورديّة ترقصُ فرحاً متدفقةفادحة التأنق , تعلّقُ الأمنيات مستنفرة القبلات تنتظرُ مواسمَ اللقاء تمسحُ عنهاتقشفَ الشتاء تتفادى ذبولَ السبات , خجلاً تتعرّقُ ملامحها إذا برقَ الحبَّ فيقلبها الصائم تطردُ مِنْ رئتيها موسيقى الحزن , ينضجُ القدّاحُ يومىءُ إذا دغدغتهامناديل الفجرِ المتستّرةِ بـ الوشوشاتِ وفي جذورها العميقةِ جداً سـ يتكاثرُ النبض, كلّما يبزغُ الطلع مسروراً تتهللُ الأسارير تمضي و أنامل الدفءِ الحنونِ تتلذّذُعلى القمةِ , مازالت تحفظُ ابتسامة جميلة تفتحُ أبوابَ الصباحِ الموشّى بـ الحرير, في نظراتها أفقٌ ثملٌ ناصعُ الأمل , تحتَ أجفانها تفقسُ الأزهار تعتنقُ أنوارهاحرّة تتسكّعُ تتنشّقُ أريجَ ضحكتها البريئة , حتماً سـ تصغي الفصولُ لـ هديرِكنوزها العاشقة تملأُ مجاعتها تغاريدَ بلابل وتغيّرُ طقوسَ الأيام , وسـ تدلّيسلالمَ الوفاء نحو ابراجها تدعوني أتفكّهُ حرّاً تمنحني تيجانَ ربيعها تلوّنني .
شجرةُ الليمون كوّمتْ مشاعرها اليابسة هنااااااااكَ في أقصى الضجر, صاغها الربيعُ كرستالاً دافئاً يترقرقُ يظلّلهُ الحنين , هيفاء غضٌّة ٌ مشاعرهُارهيفة ٌ يرتسمُ الفرحُ على ثيابها يكسو عريَ أيام الجفاف .
العنوان في حد ذاته قصيدة جميلة فرحة , تلج للحواس البصريةوالإدراكية للقارىء وتصور شجرة خضراء فرحة , مزينة بثمارها ورائحتها الطيبة تفوحفي الأرجاء في جسد إمرأة , تتضوع في أحاسيسه رقة العطر الجميلة وجماله بكل ما يمكنمن تصوير يخالج النفس والروح
إن الصورة هنا أستطاعت بسرعة القفز لمخيلة القارىء والمكوث هناك .
نتابع معه الشطر الأول من القصيدة
” شجرةُ الليمون كوّمتْمشاعرها اليابسة هنااااااااكَ في أقصى الضجر ”
يسرد الشاعر مشاعر حبيبته تلك مشبهاً إياها بشجرة الليمون الخضراءالجميلة التي تخبىء داخلها مشاعر تيبست من الضجر والعزلة فلا أبشع من الضجر, فهيتحتاج قلبا يمطرها حباً
جمال الصورة هنا يفرد اللوحة للقارىء عنصرا عنصرا , وكأنه فنانيشرح ما بلوحته ويترك للقارى حيز كبير إيمائي ليرى اللوحة من خلال الكلمات ,
” إن الصورة هنا تصويرية حسية ” أمتهنت اللون والشكل والرائحةوالعمق في قلب المرأة التي يصفها .
من جمال السرد الشعري أن يتركك الشاعر تدخل عمق اللوحة السردية دونأن تشعر بذلك, ومن ثم يسلط الضوء على أجزء اللوحة شيئا فشيئا , كأنك تشاهد الصورتمر أمامك من خلال السرد أشبه بقصة تمر في مخيلتك أو فيلم تجري أحداثه أمامك بينماتلمس أحاسيسك بالعمق دالة على ما يتوهج داخل الشاعر .
والشاعر كريم عبد الله من الشعراء الفذين في الوصف السردي الجميل ,الذي يكون اللوحة بحسية عالية تفرد ألوان الحس وتداخلاته في قصيدته ببراعة تبهركوأنت تقرأ وكأنك تشاهد .
ـ يستكمل السرد بتتالي لوحات جميلة مكملاً الوصف بحيث يجعلنا نتتبعالقصيدة بشغف فيقول
( صاغهاالربيعُ كرستالاً دافئاً يترقرقُ يظلّلهُ الحنين )
ما أروع الصورة لشدة جمالها وشفافية مشاعر تلك الهيفاء التي يراهاويستحسها, كأنما كانت كريستال شفيف دافىء يكسوه الشوق والحنين فيتضوع الجمال أكثرباهرا يلتمع في أقصى أكنات النفس .
الصورة تلمس العمق منا بيسر وجمال لقد عبر عما داخله بسلاسة أتخذتمن السهل الممتنع لها عنوانا دون تعقيد وحشو في المعنى
ـ ” نحتاج في التعبيرية الصورة الطازجة ”
التي تشعرنا بتوهج الشاعر وكأنه ابن اللحظة وكأننا معه الآن وهويتكلم , وليس سردا من غابر الأزمان أو من زمن بعيد
هنا اختلاف الصورة التعبيرية في الشعر عن الرواية أو القصة التي قدتأخذ بعداً زمنياً طويل المدى بسرد واقعي
يتابع الوصف فيقول
( هيفاء غضٌّة ٌ مشاعرهُا رهيفة ٌ يرتسمُ الفرحُ على ثيابها يكسوعريَ أيام الجفا ) .
حملت الصورة هنا صفات ملموسة فنجد كلمة (هيفاء .. غضة ..رهيفة .. فرح يرتسم .. يكسو عري الأيام ) .
كلها جاءت وصفية ملموسة تصور الحالة التي فيها تلك الهيفاء الفاتنة
صارت الصورة هنا فيها الكثير من المشاعر الحسية وفي الصورة الكثيرمن الوصف الشكلي المحسوس, الذي يجعلك كأنك ترى ما تقرأ وهنا براعة الشاعر السرديأن يصف كأنك ترى ما يصفه وتحسه بكل إنفعالاته الشعرية الجميلة , إن يدخلك معهالحدث من خلال الصورة التعبيرية يحدث حالة شعورية تشعرك بجمال الشعر العميق محدثةداخلنا التغير .
فعلى الشاعر السردي أن يكون فنان يرسم بالكلمة إذا أراد أن يكتبالقصيدة السردية التعبيرية فهو شعر يرسم بالكلمات حتى يستطيع أن يعبر عن داخلهبأقصى ما يمكن ويستطيع لمس قلب الجمهور وإحداث التغير او وصل الأفكار التي يريدهاللخارج .
أخذ من القصيدة مقطعاً آخر
فجمال الوصفي الشعوري والدفق يزداد توهجا مع كل شطر جديد ومجازجديد في القصيدة
وذاك يعطينا إنطباع عن قوة الإستشراق داخل الشاعر المتصلة , في وصفسردي ينقلنا معه لتدفق الأحداث , فالأحداث تتباثق مع كل مجاز بحدث جديد هذهالتباثقية المتصلة بفكرتها منذ البداية , تجعلك تتابع الأحداث بدقة وترى اللوحاتوهي تشرح داخل الشاعر حساً ومكاناً وزماناً فلا يشت إنتباه القارى لأن الشاعرأفكاره مترابطة بقوة يقول هنا
( تعلّقُ الأمنيات مستنفرة القبلات تنتظرُمواسمَ اللقاء تمسحُعنها تقشفَ الشتاء تتفادى ذبولَ السبات خجلاً تتعرّقُ ملامحها إذا برقَ الحبَّ فيقلبها الصائم تطردُ مِنْ رئتيها موسيقىالحزن ) .
وكأنما الأمنيات أقراط تعلق أو ثمار تعلق على الشجرة وكأني أرى رقةالصورة وألوانها أمامي
ثم تنتظر مواسم اللقاء .. الصورة تعطيني إنطباع بفصول للقاء تحملألوانا مختفلة
وما زال يسرد حيث أنها تمسح تقشف الشتاء وبرده وزمهريره وتحيد عنهاالسبات الشتوي لتنهض مع صيف اللقاء .و ما زال يسرد عن المرأة في روح شجرة كل مابها جميل أو روح إمرأة يرسمها بجمال شجرة طيبة مباركة
) خجلاتتعرق ملامحها ) أي تعبير أكثر طزاجة من هذاالمعنى الحسي وكأنك تقف أمامها وتراها تتعرق توهجاً ودهشا وحباً
أتت الصورة الثانية متى وذاك
( إذابرق الحب في قلبها الصائم )
وكأن الحب برق يضرب في القلب فينهض بكل أحاسيسيه .
الصورة هنا لوحة عميقة الحس رشيقة المجاز بكل ما فيها تتابع معناالسردية للنهاية حتى يختمها بصورة
( حتماً سـ تصغي الفصولُ لـ هديرِ كنوزها العاشقة تملأُ مجاعتهاتغاريدَ بلابل وتغيّرُ طقوسَ الأيام )
أتت الصورة واسعة فهي تصغي لكل أمانيها وحتما ستحققها , وكأنني فيختام الفيلم أشاهد كيف يستجيب القدر لأمانيها .
يذكرني ذلك بلقطة من فيلم حين جلست الفصول الأربعة تتحداث مع بعضهاالبعض لمساعدة الأميرة لقد حرك ذاكرتي العميقة وليس فقط وليس فقط الحس الأني , إنهجمال السرد الذي يتغلغل برقة سرده للأعماق
وها هي الفصول ستملأ جوع قلبها وتجعلها ممتلئة على أغصانها ببلابلتغرد رقيق النغم من فرحة اللقاء , ما زلنا نتكلم ونصور صورة تلو أخرى شجرة الليمونفي روح أمرأة والمرأة الحيبية في روح شجرة ليمون غناء طيبة الرائحة جميلة بكل مافيها
هذا هو جمال التعبيرية
أن تعبر عن ذاك الإنفعال الضخم داخلك بلوحة شعرية فنية طازجةتستطيع أن توصل أحاسيس الشاعر بأكبر قدر ممكن من الأحاسيس والوصف الصوري الموصوفبإطار الصورة الشعرية وما تحمله من تعبيرية جلية واضحة .
لقد أمتعنا الشاعر الفذ أ. كريم عبد الله برقة الوصف وجمال الصورةالتعبيرية بكل إكتنازها بجمال المعنى المرسوم , ورقة مجازاته الشعرية التي تبهركوأنت تطالع شفافية الوصف وصدقه وروعة السرد ورقته وعذوبة الصياغة العامة في تداخلالشعور بالصور .
إنها المدرسة التعبيرية الشعرية الحديثة لما بعد الحداثة بكل ماتحمله من جمال وعذوبة في التعبير والسرد والتصوير والإختزال والإيقاع المختلف عماسواها من مدارس الشعر .
.
12 . 4 . 2020 الأحد