حضور الغائبة
جميل حسين الساعدي
بَعُـــــــدتْ مســــــافاتٌ ومرت أعصــــرُ
وهواكِ يزهرُ في الفـــــؤادِ ويكبـــــــــــرُ
مِن قبلِ أنْ ألقــــــاكِ كنتِ حبيبتــــــــــي
مــــا كُنتُ أعلمُ غير أنّـــــي أشعـــــــــرُ
مـــا قلتُ مِنْ شعــــرٍ ومـــا سطّــــــرتُهُ
هـــوَ للذي أخفــى الزمانُ تذكّـــــــــــــرُ
فهوَ القــــــديم المستجــــدُّ لأنّـــــــــــــــهُ
مِنْ قبلُ في لوحِ الخفــــــاءِ مُسطّــــــــرُ
هــوَ شوقُ روحٍ، موجـة ٌ تطوي المدى
تأتـــــي كموجـــات الضيــــاءِ وتعبــــرُ
قال النديمُ: سكرتَ مِنْ خمرِ الهــــــوى
وأنــــا هنـا فـي حـــانةٍ لا أسكـــــــــــرُ
فأجبتــــهُ: لا لستُ وحــــــدي إنّمــــــا
الكــلُّ حـــــولي مُنتـــــشٍ يتبختـــــــــرُ
اطلــبْ شراب الحبِّ وارشفْ رشفــــةً
تجــــدِ الوجــــودَ خلافَ مــــا تتصـوّرُ
وتحسُّ أنّـــكَ غارقٌ فــي نشـــــــــــوة ٍ
يعيـــــا اللســانُ لوصفهـــــا والأسطــرُ
سترى بلا عينيــنِ كونـــا ً ساحــــــرا ً
فيهِ جمــالٌ ـ ليسَ يوصفُ ـ مُبهــــــــرُ
ولســـوفَ تنســـى يا نديمــي كًلّ مـــا
يؤذي النفــــــوسَ بلحظــــةٍ ويُكــــدّرُ
الحبُّ عتــــــقٌ ما لــــهُ مِنْ غـــــايةٍ
تُقصيـــــكَ عمّــا تستلــذّ وتشـــــــعرُ
فسفينــــــةُ العشّــــاق لا ترســـو ولا
تبغـــــي موانئَ فهْــيَ دومـــا تُبحــرُ
ربّانـــــها هجــرَ الامــاني عندمـــــا
وجـــدَ الامــاني غيمــة ً لا تُمطــــرُ
***
يا مَـنْ برغمِ البُعْـــــدِ أبصرها معي
والحبُّ يختصرُ الدروبَ فتقصـــــرُ
إنّي عرفتُ وذاكَ مِنْ سرِّ الهــــــوى
أنّ الحبيــبَ بطبعــــــهِ يتنكّـــــــــرُ
يـــا مَنْ برغمِ الموتِ عادت حيّــــةً
في صــورةٍ تُذكــي المشاعرَ تسحرُ
فإذا تلوّثَ كــــــلُّ شـــئٍ إننـــــــــا
دومــــا ً بمحــــرابِ الهوى نتطهّـرُ
تتغيّـــرُ الاشيــاءُ لكـــن حبّنــــــــا
باقٍ كمـــــاقدْ كانَ لايتغيّــــــــــــرُ
في البيــــدِ كانَ صداهُ امسِ مُدويّا ً
واليوم ردّدهُ الفضـــــا والأبحـــــرُ
***
يا مالئ الأكوابِ خمراً خمرتـــــي
ليستْ هنا هي في السمــاءِ تُحضّرُ
لا بابــــــــلٌ عرفتْ لها شبهاً ولا
روما ولا هـــيَ في بلادٍ تُعصـــرُ
جلّتْ عن الوصف الدقيق فما لهـا
وصفٌ وإنْ وِصفتْ فليستْ تُحصرُ
هيَ خمرةُ الحبِّ الكبيـرِ برشفِــها
يتكشّـــفُ السحــرُ الخفيّ المُبهــرُ
الحبّ مملكــــة الذينَ تطهّـــــــروا
ستعيشُ خالدةً ويرحـــــلُ قيصـــرُ
شاخ الزمـــانُ وكنتُ أعرفُ أنني
سأظلُّ طفلاً لا يشيـــخُ ويكبــــــرُ