جميلة (قصة قصيرة)

637
جميلة
قصة قصيرة
تأليف /حسن ابوقباعة المجبري

عام ١٩٩٤
ظلت (جميلة) كعادتها تتباهي بجمالها دون سائر زميلاتها، كانت لاتراع مشاعر الآخريات في نفس الصف، أو بالأحرى لم تراعي مشاعر أحد البتة!
.. كانت في قمة الجمال والجاذبية.. شقراء.. عينيها خضراوتين.. أنيقة، يبدو أنها من عائلة مترفة.. كانت محط أنظار كل طلبة الدفعة.
…اغلبهم كانوا مفتونين بها ، أما هي فقد كان شغلها الشاغل، التلاعب بمشاعرهم فقط.
صدمني خبر اكتئاب صديقي الطالب (جمال) ، فقد وقع في حبها هو الأخر ..شاب وسيم تظهر علي ملامحه الرجولة المبكرة ، كانت زميلاته الطالبات يتوددن اليه ويقتربن منه اعجابا به ،وبتفوقه، لكنه وقع في حبايلها (جميلة ) دون سواها ودون وعي لحقيقتها ، فهي كلما تفطنت أن هناك شابا محط انظار زميلاتها ، ينتابها شعورا بالغيرة ، ثم تبدأ بالتفنن في استمالته، حتي تنتبه رفيقته، فتقرر غير آسفة التخلي عنه .
..ابتلع المسكين ( جمال) طعمها، وقد بدأ يتظاهر بالانعزال والسنقلة حتي تعذره رفيقته المفضلة حينها،فتبتعد عنه بهدوء ، كان يفعل ذلك معتقدا أنه وبهذه الطريقة سيظفر بحب ورفقة جميلة الجميلات (جميلة)
..”حقا أنها فاتنة ” عبارة مازالت يرددها وعالقة بفمه!.
…( جمال ) و منذ ان وقعت عينيه عليها أول ايامه الدراسية، صار هائما علي وجهه، أمست هذه العبارة تتردد علي لسانه طيلة الأيام، ولازمته اثناء الصدمة، تلك الصدمة التي نجمت عن تخليها عنه و بكل بساطة ،فقد ذهبت لرفقة أخر مثلما كانت تفعل كل مرة.
…يبدو انه سينعزل حقيقة اذ لم اتدارك الأمر قالها صديقه (عبد المصلح ) فى قرارة نفسه.
واضاف :
فهذه الطالبة (جميلة) لا اراها إلا إنسانة ماكرة وخبيثة الي ابعد الحدود!
..لكن .. لكن.. كيف لها كل هذه القدرة علي التأثير في كل هؤلاء الفتيان ؟
وكيف جعلتهم واحدا بعد أخر يتخبطون حبا بها و يتخلون عن حبيباتهم ويهتمون بها فقط؟
..ثم.. ثم..
كيف صاروا اكثر انعزالا واكتئابا، بعد أن فارقتهم بدون سابق إنذار؟
كانت هذه الأسئلة تدور في ذهن (عبد المصلح ) وهو يفكر بالإنتقام من (جميلة ).
…لابد أن القنها درسا… فكر مليا … قرر أن يمرر لها ورقة متظاهرا بهيامه بها هو الأخر .
..ذات يوم دراسي ، وبعد أن اكثر من التأمل بها والنظر إليها، أستطاع أن يلفت إنتباهها ، فهاهي بدأت تنتبه اليه أخير…
..وكزت زميلاتها بمرفقها واحدة بعد الأخري .. همست اليها إحدي صديقاتها :
(مبروك جالك حمار)
..قهقهن جميعا طويلا ..فرقعن ايديهن كثيرا ..
وازدادت (جميلة ) غيا وغرورا، ثم انتفخت.. تعملقت .. تضخمت .. كعادتها كلما وجدت ضحيتها.
… شيطانة!
.. كيف تستطيع نفخ اعضاء جسمها فجأة هكذا، بدون أن تراعي وجودنا من حولها ألسنا ذكورا؟
فقد يفتضح أمرنا نتيجة سرعة الاستجابة التي ابتلينا بها،كيف لها التحكم في قوامها فتكوره تارة، لتصبح اكثر فخامة، وتنكمش به تارة أخري لتصبح كالطفلة الصغيرة؟
ألا تخاف .. إلا تخاف أن تتمزق ثيابها وكسوتها أمامنا جراء كل هذا التضخم الفجائي ؟
..كل هذا كان يدور في رأس الطالب ذو خفة الظل (عبد المصلح ) بينما
انتهزت (جميلة ) الفرصة فمررت ابتسامة رائعة أعقبتها بغمزة ساحرة الي (عبد المصلح ) والذي تمادي بالتظاهر امامها بالارتباك والترنح كذبا، ليوهمها أنه الضحية العاطفية الجديدة، أتقن الدور حتي كاد أن يسقط.
ثم اراها من بعيد خلسة قصاصة من الورق، موهما اياها بأنه يرغب في تسليمها اليها ،فهي ستتوقع انها من رسائل الحب المعتادة.
قفزت(جميلة ) متظاهرة بالفرح.
ثم اشارت اليه بأن يتبعها.
تظاهر بالسعادة هو الأخر، وأظهر حماسة زائفة تجاهها … بدأ يتبعها… مترنما بأغنية :
جميلة فيك الخد نظيف //
سحرتي عقلي يالطيف..
انسجمت حين تهادت الي مسامعها كلمات الأغنية.. وأخذت في نفسها مقلب!

..اسرع (عبد المصلح ) في خطواته ليتجاوزها، واضعا قصاصة الورقة الصغيرة في احدي زوايا نافذة بين الممرات.. استمر بالمشي مبتعدا… التفت فجأة ليراها وقد التقطتها في لمح البصر.. أخفتها بين نهديها المغرورتين.
عادا الاثنان كل الي مكانه ا
هو عاد ليراقبها كيف ستفتح الورقة؟
وهي عادت لتضحك سخرية منه مع صديقاتها، معتقدة أنه كتب قصيدة حب مليئة بالتوسل والتوجع والآهات كا أغلبية الشعراء مكسوري الخاطر حينها.
..فتحت الورقة..كانت الصدمة.
لم تضحك كما كانت تتوقع صديقاتها…
..في الزاوية المقابلة بدأ (عبد المصلح) يصفق ويفرقع بكفيه ويضحك بعلو الصوت منتشيا بما انجز..

ثم انتقلت موجة الضحك الي زميلاتها!
اما (جميلة) فقد انفجرت غيضا حين وجدت نفسها ضحية مقلب مختلف تماما فالورقة كانت قد حوت كلمتان فقط هما:
(واحد شيء)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المقالات