تجربتي مع كورونا- مقال ذاتي لا يخلو من فلسفة

183
تجربتي مع كورونا- مقال ذاتي لا يخلو من فلسفة
داود السلمان

 

جئناالى الحياة عن طريق الصدفة، الصدفة فحسب، فهي التي اختارتنا، ولم نختر الحياة بمحض ارادتنا، حيث جئنا للحياة، وأننا فاقدي الارادة. ولم يكن، ايضًا، الاب والام هما اللذان اختارا هذا المجيء المخصوص بنا، بل ولم يفكرا بنا في لحظة من اللحظات.الصدفة هي وحدها التي اختارت ذلك، بمحض ارادتها. الاب ينط على الام في عملية بايدلوجية معروفة، هي سنّة الحياة، كما يحلو للبعض أن يفسرها، أي تفسيرا وجوديًا؛فنحن ولُدنا كتحصيل حاصل لتك العملية التكاثرية، وحتى الشكل والرسم الهندسيلتقاسيم اجسادنا وملامحنا، هي الصدفة التي حددت ذلك سلفًا؛ وعينت ذلك مع سبقالاصرار. اما اختيار الاسم والمعتقد والاتجاه الديني فهو الذي اختاره الاب والاممعًا، وشارك فيه المجتمع والمدرسة ورجل الدين، وسرنا على نهج ذلك الاختيار طائعينمسيرين، نستلم الاوامر عن طوع خاطر، وليس ثمة اختيار لنا.

ومنه،يحلو لبعض المفكرين والفلاسفة، ومنهم البير كامو، أن يحكم على الحياة بأنها”عبثية” حيث لم يكن لنا نحن البشر ثمة اختيار(سلبي أو ايجابي)، او اخذوجهتنا قبل أن نحل كضيوف في ربوع هذه الحياة، إذ ربما أن نرفض هذا الوجود أوالحضور مجبرين، لا سيما إذا عُرضت لنا صورة فوتوغرافية رُسم فيها لنا ملامح مصيرناومستقبلنا، ودورنا في الحياة التي من المؤمل أن نعيشها، بحلوها ومرها، بأفراحهاواتراحها، وعلى المنغصات التي ستكتنفها، وعلى مجريات الحياة التي سنعيشها ونتحملمصائبها ومراتها، فلربما قد نرفض أو ربما قد نوافق، لا ندري.

تواجه حياتنا الكثير من التحديات، التي تدفعبالاتجاه المغاير لمجريات هذه الحياة، واقصد بالمغاير هي المنغصات والمشاكل الاخرىالتي تكتنف الحياة نفسها، وتجعل من هذه الحياة صعوبة ومسوغات غير لائقة بعيشها، منحيث المرارة والالم والتحدي؛ ومنها الامراض المختلفة، والمصير المجهول الذي تخلفهتلك الامراض التي تفتك بالجسد الانساني الضعيف، ضعيف قياسًا الى شدة تلك التحدياتوافتراسها لذلك الجسد، الذي قليلا ما يصمد امام شدة وبطش تلك الامراض المختلفة،والفايروسات التي هي بالآلاف وربما بالملايين، وهذه الفايروسات معظمها لا يرىبالعين المجردة، بل يرى من خلال مكبرات خاصة، تكبّر حجم الفايروس ملايين المرات.وكل تلك الفايروسات هي عدو لدود للإنسان،تشن عليه حروب ضروس خفية لا تظهر له ولا يعلمها الا بعد أن تبان علاماتها، وذلك منخلال الفتك الظاهر على ملامح ومحيا الانسان، وظهور تغيير واضح على شكله الداخليوشكله الخارجي، ويبان الهزال والضعف، وتدني الحالة الصحية للإنسان، حين ذاك يتبينأن الانسان ها قد وقع فريسة سهلة لتلك الامراض والفايروسات الخطيرة، كالسرطاناتوالامراض الاخرى المستعصية المميتة.

وكماقلنا سلفًا، وحدننا بعض هذه الامراض والتحديات الاخرى للإنسان، من فايروسات وغيرهامن تلك المخاطر الجسيمة، التي هدفها القضاء على الانسان من خلال شن حروب معلنةواخرى غير معلنة، وبالتالي ستقضي على الانسان شاء ذلك أم رفض. كفايروس كورونا، هذاالفايروس اللعين الخبيث، الذي ظهر قبل اكثر من عام وانتشر في كل بقاع العالم، حتىحصد ملايين من الناس، وخصوصًا كبار السن من الذين يعانون من بعض المشاكل الصحية.

وعلىاعتباري أحد الاشخاص الذين وقعت فريسة سهلة بفم هذا الفايروس، وكاد أن ينهي حياتيويقضي علي بلمحة بصر، لولا التفاتة ربانية أو محض صدفة أو غير ذلك، لكنت منالغابرين المُودعين للحياة وانا الى ساعتي هذه لم افقه شيء عن الحياة، حالي حالملايين الناس من فلاسفة ومفكرين وعلماء، وحتى أناس بسطاء، لأن الحياة هي نفسها لغزمحيّر غير واضحة المعالم، ولم تفصح عن اهدافها وعن غايتها وعن مكنونها البتة.

المهم،الالم الذي ذقته وتجرعت مرارته، وعايشته بنفسي عن كثب، لا يمكن أن اصفه بالدقةالصحيحة المطلوبة، لأن ذلك في الصعوبة بمكان، وهو تجربة شخصية خاصة، لا يدرك مداهاالا من محض ذلك الالم محضًا، وذاق تلك المعاناة الفتاكة بلسان الواقع الذي رسمته لهتلك الصدفة التي جاءت بذلك الفايروس وجعلته أن يدخل ذلك الجسد النحيل حتى صار يعبثبه كيف ما يحلو له أن يعبث، من دون اعترض او حتى رفض، وانّى للإنسان الضعيف أنيعترض على فايروس بحجم كورونا الذي حيّر العالم برمته حتى عجز الجميع عن ايقافه أوالقضاء عليه. وانا اكتب هذه السطور وثمة آلاف من الناس واقعة تحت رحمته، وتعاني منآلامه ومن عذابه.

لاتوجد ثمة كلمات ومفردات ادبية او فلسفية يمكن لي من خلالها أن اوصف مرارة الالموشدته، بحيث توصل كما هي وتدرك غايتها، الا الذي وقع تحت طائل ذلك الفايروس، وخضعلأوامره، فهو وحده من يشاركني الالم، ويدرك مدى المحنة التي مرّت بي كتجربة مريرةصعبة الهضم، حيث ساعتها تمنيت الموت كي اتخلص من تلك الطعنات التي تشبه طعناتالخناجر لجسد ضعيف نحيل، ولروح لم تتعود الآلام.

قبلزيارته غير المرحّب بها لي، أي اللعين كورونا، بثلاثة اشهر كنت قد قررت أن اعيدقراءة اعمال دوستويفسكي البالغة ثمانية عشر مجلدًا، وقد قرأت اقل من نصفها قبل أناصيب بهذا الفايروس.. وانا على فراش الالم اقاسي العذاب، كان دوستويفسكي هو الضيفالوحيد المرحب به، اذ لم يبرح مخيلتي بل كانت صورته بذقنه الطويل الابيض قبالتي،وانا انظر الى تلك المجلدات البنية اللون، وكأنني أحد الشخصيات التي كتب عنها هذاالروائي الكبير، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: كشخصية فيلتشانينوف في “الزوج الابدي” او شخصية ناستينكافي “الليالي البيضاء” أو شخصية “براسكوفيا” الفتاة الطيبةالجميلة في “المقامر” او حتى شخصية الامير موزغلياكوف، في رواية”حُلم العم” والذي اردت ماريا الكسندروفنا، ان تنصب عليه كي تزوجه بابنتهاالفتاة الجميلة بهدف أن تستولي على املاكه ومقتنياته، لأن رجل قد تجاوز الستين عامًا،ثم انه يعيش بمفرده بعد ان توفيت زوجته منذ امد بعيد فهو يعيش مع خادمه المطيع،لكن آمال الام قد خابت في النهاية حيث لم يتم ذلك الزواج، الامر الذي قد جعل منالام، بعد اكتشاف امرها، أن تغادر المدينة تحت جنح الليل بمصاحبته ابنتها وتعيشبعيد عن تلك الاحداث، مع ابنتها التي كانت قد رفضت فكرة الزواج من اساسها، وانتقدتوالدتها بشدة، ولم تخنع الى غوايات امها الطموحة.

هذاالشخصيات كانت هي عزائي، لأنني انقطعت عن التفكير بعض الشيء، فالفايروس قد جعلبيني وبين أمور أخرى حاجز من ضبابية، الا اعمال دوستويفسكي لأنني قطعت على نفسيعهدًا أن اقرئها بتمامها، قراءة ثانية، أي أن اقرأ دوستويفسكي، هذه المرّة، اقرأهكفيلسوف وعالم نفساني ومصلح اجتماعي، لا كأديب روائي. فكان الالم الذي صوره هذاالروائي الكبير على لسان احد شخوصه، وهو يعاني الم السن، وهذه الشخصية كما صورهادوستويفسكي قد تعايشت مع الم السن، حيث استثمر هذا الالم ايجابيًا، فهذه الفكرةافادتني بعض الشيء، أو قُل حاولت ان أخدع نفسي بهذه الفكرة التي ابتكرها هذاالروائي الكبير من بنات افكاره، فلا انكر بأنني خدعت بها نفسي حقيقة فجاءت نتائجهاايجابية، او استطيع أن اعلم القارئ النبيل، بأنني كنت في حالة من الارباك والهذيانوالوضع النفسي المتشظي، والحال البائسة التي امر بها.

لماذانخاف الموت، طالما أن مصيرنا سيؤول حتما الى ذلك؟. قبل اكثر من 25 عامًا كنت اخافالموت وارتعد منه حين يخطر على بالي، وهذا حال ملايين الناس، وهو ليس بالشيءالجديد، لكن بعد أن دخلت في عقدي السادس، وكذلك من خلال تجاربي في الحياة، والاهممن ذلك هو تعمقيّ في الفلسفة، وانحيازي الى بعض التجارب الصوفية لكبار المتصوفةكتأثير: من المسلمين ومن غيرهم، وخصوصًا في الديانة الهندوسية، فالهندوس هُم منافاض على معظم المتصوفة بفكرة التصوّف، لأن تاريخ الديانة الهندوسية يربو علىالستة آلاف سنة، بمعنى انها ديانة قديمة لا تؤمن بالعنف بقدر ما تؤمن بالتسامحوالمحبة، وتسعى الى نشر الخير والسعادة، عن طريق التأمل والفناء بالمعبود، ونبذ كلما هو يسعى الى تدمير الانسان، من الداخل او من الخارج، بل تسعى الى اصلاح الانسانوجعله بمثابة الاله، لذلك نجد الهندوسية والبوذية تقدّس كل ما هو حي، وترى أن روحالانسان بعد الموت، تنتقل الى بعض المخلوقات الاخرى.

كوروناتجربة شخصية، اعتبرها مفيدة، رغم حجم الدمار الجسدي والنفسي والمعنوي، وبعد تجربتهمعه استطيع القول أنه جعلني أن اعيد النظر في كثير من القضايا والتجارب الشخصية:النفسية والفكرية والفلسفية، وأن اتأنى قليلا قبل اتخاذ القرارات السريعة، التي قداندم عليها فيما بعد لتسرعي، وعدم اعطاء نفسي فرصة للتفكير، او لشيء آخر من هذاالقبيل. والسبب سنح لي هذا الفايروس ببعض التفكير وبعض التأمل واعادة النظر ببعضالقضايا التي لم انوه عليها، بل استطيع أن اقول ان كورونا كان بمثابة الصعقةالكهربائية، التي جعلت مني أن اوغل في التفكير بقضايا الحياة، والتي وصفها البعضبالعبثية كما قلنا بداية هذا المقال، والحقيقية هي ليست كذلك طالما نستطيع أن نساعدالناس، ونسعى الى اشاعة روح التسامح، وان ندل البعض الى طريق الخير لما فيه بثالسعادة في قلوب من يستحقون ذلك.

المشهورعن الفيلسوف الالماني الكبير عمانويل كانت، انه كان يقول: إن ديفيد هيوم قد ايقظنيمن سباتي الدوغمائي- الايقاني. وانا اقول أن كورونا قد ايقظني من امور كثيرة فيحياتي، لأن تجربتي مع كورونا دامت بحدود الشهر الا ايام قليلة جدًا، وقد قضيتهاببعض التأمل والخلو مع ذاتي، خصوصًا بعد تماثلي للشفاء.

ربما يسئل سائل: من خلق الفايروسات؟ ومنهاكورونا كمثال. هل هو الله أم الطبيعة، أم تجربة الحياة التي جاءت بهذا الشكل؟.فاذا كان الله- والجواب للسائل- لماذا خلقنا ثم خلق معنا خصوم تناصبنا العداءوتدور بنا الدوائر، وما هو الهدف أو الغاية من ذلك؟. او اذا كانت هي الطبيعة منخلق الفايروسات؟. فماذا تريد مننا هذه الطبيعة، وهل ضايقناها في شيء.

والحقيقة،انا لا أدري، ولم أمتلك الجواب لهذه الاسئلة الفلسفية او الوجودية، وانما كانت غايتيمن طرحي هذه الاسئلة هي بهدف مشاركة القارئ الكريم معي الرؤية، فحسب. واكيد ان للقارئ جواب أو اكثر من جواب.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المقالات