الإبداع وخبرات السنين

267
الإبداع وخبرات السنين
شدري معمر علي

قد يندهش الإنسان عندما يرى عملا إبداعيا متقنا ،يأخذ بالألباب فيستسهله ويحتقره ويظن نفسه أنه يستطيع أن ينجز أحسن منه وينسى هذا المتلقي أن هذا العمل الإبداعي المتقن الذي أنجز في دقائق هو وليد خبرات السنين المتراكمة ونستحضر هنا قصة الرسام الشهير “بيكاسو” :(( كان الرسام الشهير ” بيكاسو” يمشي يوما في الشارع حينما قابلته امرأة من معجباته وصافحته بحرارة ثم أخرجت من حقيبتها ورقة بيضاء وهي تقول له : سيدي أنا مغرمة جدا برسوماتك العظيمة ،هل يمكنك أن تشرفني برسم شيء من إبداعاتك على هذه الورقة ؟ فابتسم بيكاسو وهو يتناول منها الورقة ثم شرع في الرسم حتى إذا ما انتهى أعطاها الورقة قائلا : سيدتي احتفظي بهذا الرسم فستبيعينها يوما ما بمليون دولار . فقالت له المرأة مندهشة : سيد بيكاسو ،لكنك لم تستغرق سوى ثلاثين ثانية فقط لترسم تلك اللوحة الصغيرة ،فابتسم لها وهو يقول : سيدتي لقد أنفقت من عمري ثلاثين عاما لأعرف كيف أرسم مثل هذه التحفة في ثلاثين ثانية )). هناك أعمال أدبية عظيمة وخالدة كتبها أصحابها في أيام و أسابيع معدودة لكنها كانت نتيجة تفكير وتجارب ومعاناة روحية ووجودية دامت سنوات طوال فرائعة غارسيا ماركيز ” مائة عام من العزلة ” عاش أحداثها وشخوصها مدة ثلاثين سنة قبل أن يشرع في كتابتها ويجد الرفض لدى دور النشر لطبعها ولكن بعد أن يخرج العمل مفعما بالصدق والصفاء والتجربة الإنسانية العميقة يجد النجاح والانتشار فيحقق لصاحبه المجد والخلود . والخبرة ليست الأقدمية ،الأقدمية في إنجاز الأعمال هي التكرار الممل دون مهارات أو استفادة من كل جديد ،أما الخبرة فهي علم وممارسة ومتابعة لكل جديد فيما يخص العمل الفني أو الإبداعي . وحتى الموهبة وحدها لا تكفي لإنجاز عمل مبدع متقن فهي واحد بالمائة والباقي هو علم وبحث وجهد وعرق وممارسة يومية وتدريب شاق حتى يصل الفنان أو الكاتب أو صاحب المهارة إلى السرعة في الإنجاز مع الإتقان المبهر. لهذا عزيزي القارئ عندما تقف أمام الإنجازات الفنية الخالدة أو عندما ترى أصحابها يمارسونها بكل سهولة ويسر لا تظن أن الدور الكبير للموهبة فقط بل تيقن بأنها رحلة طويلة في بحار المعاناة الفكرية والمادية وتضحية بالوقت حتى وصلت إليك بهذه الصورة الرائعة فهل أنت مستعد أن تدفع الثمن لتكون فنانا مبدعا ؟

*الكاتب والباحث في التنمية البشرية : شدري معمر علي * alichedri@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المقالات