أديبات جزائريات رائدات
في الذكرى الأولى لرحيل الشاعرة سليمي رحال
صوت شعري نسوي مستنير اسقط من لائحة الأدباء الجزائريين
بوخلاط نادية

شكلت سليمي رحال مع نخبة من الكاتبات المتبصرات و الحاملات لذلك الوعي في تسعينيات القرن الماضي حين اشتعلت و استعرت فيه نيران الإرهاب الدموي في الجزائر، ، فسليمى رحّال التي رأت النور بعين وسارة ، و التي جاءت من مدينة الجلفة المحافظة إلى الجزائر العاصمة لتدرس الأدب في بالجامعة المركزيّة، بعدها الاشتغال في الإذاعة الوطنيّة، لتنضمّ إلى نخبة من الشّعراء والكتّاب الشّباب على غرار نصيرة محمدي ، رشيدة خوازم ونجيب أنزار وفاطمة بن شعلال ، و أبو بكر زمّال.
تأسست التجربة الإذاعيّة للشاعرة سليمي رحال في فترة كان فيها الكاتب الطاهر وطار على رأس إدارة الإذاعة الوطنيّة فكان اغتيالها متوقّعًا في أيّة لحظة، و كانت الراحلة سليمي قد أعلنت و كشفت عن صوتها الشّعريّ القائم على القطيعة الجماليّة مع مدوّنة شعريّة جزائريّة هيمن عليها صوت الجماعة أكثر من صوت الذّات، وكبّلتها القضايا العامّة بالنّظر إلى تبعيّة الأدب للتوجه السّياسي منذ الاستقلال، حيث كانت تلك الموالاة امرا الزاميا
في تلك الفترة يمكن اعتبار أن تجربة جيل سليمى رحّال كانت استكمالًا لمسعى جيل الثمانينات الساعي و الهادف إلى تحرير الشّعر من نير الهيمنات المختلفة التّي تخرجه و تجعله منحرفا عن غير وظيفته الجماليّة.
و قد ترجمت الشاعرة الراحلة سليمي رحال هذا الخيار في أكثر من نصّ قرأته في الملتقيات ذات التّوجّه الحداثيّ التّي لعبت دورًا حاسمًا في دعم ورفد وإبراز “الصّوت المنفرد التواق للاختلاف و التميز ليس تساميا او تكبرا بل سعيا لرسم معالم نظرة ذاتية مغايرة للأشياء ، و برز ذلك وفي نصوص نشرتها الشاعرة في عديد الجرائد والمجلّات داخل وخارج الجزائر، فكانت تلك النّصوص صرخةً في وجه القدامة الشّعريّة ووجه الموت، وكان لكليهما أنصار و عرابون تتقاطع معهم في يومياتها.
لقد كان فعل الكتابة عند سليمى رحّال فعلًا مضادًّا، فمارسته بشجاعة مثيرة للاندهاش والإعجاب، خاصّة إذا عدنا إلى ذلك السّياق الزمني، حيث كانت الكتابة المهادنة طريقًا معبّدًا للموت، ناهيك عن الكتابة المشاغبة والمثيرة للأسئلة والمحرّضة على تحرّر الذّات من بوتقة الجماعة بكل مفاهيمها و كان اغتيالها أمرا متوقعا في أية لحظة .
كانت سليمي تصحو هي ومن شاركها نفس الخيار تصحو في كل لحظة على خبر ذبح أو حرق أو اختطاف زميل من زملاء الحقول الفنّيّة والأدبيّة والثّقافيّة والإعلاميّة كلّها!
مع ذلك كانت لا تترك عادتها الأثيرة هي أن تترنح و تتجول في شارع ديدوش مراد بالجزائر العاصمة؛ لتأكل وتشرب في مطاعمها ومقاهيها التّي كانت تربطها بها علاقة روحيّة خاصّة. فهي من النّوع الذّي يمنح معنًى ليومياته من خلال الوفاء لطقوس معينة ، لقد حافظت الشاعرة على تلك الطّقوس في القاهرة، بعد أن هاجرت إليها إذ تزامنت هجرتها مع بداية استتباب الأمن في الشّارع الجزائريّ، فكانت هجرة رغبة وبحث عن مناخات مختلفة لا هجرة هروب من واقع ما .
و تساءل العديد ممن تابعوا أعمالها و اضطلعوا عليها تساءلوا مرارا هل كانت سليمى رحّال تعيش الشّعر؛ فلم تكن تهتمّ بنشره؛ مثلما فعل كثير من أبناء جيلها ، هل كانت تصارع اللّغة نفسَها، وهي بيت الكينونة بتعبير الفيلسوف “هايدغر”، فآثرت الصّمت و عدم الإفصاح، فسليمي رحال جاهرت باختيار غوايات العزلة القاسية، ولكن ليس لدرجة الموت لأن الحياة كانت دومًا خيارها الأسمى.
و كان القاص والرّوائي محمّد علّاوة حاجّي قد قال بشأنها : “مِن دون أنْ تبحث عن تفسير، كانت سليمى تسعدُ برؤية وجهِ أُمّها في صُوَر القطّة المخزَّنة على الهاتف، وهي التي تعلّمت كيف تُسعِدها قطّة وكلبةٌ وتُسعِدها الأشياء البسيطة والصغيرة، وكيف تكون إنساناً. كتبت مرّةً : “السعادة التي احترنا في تعريفها منذُ كنّا صغاراً وكتبنا فيها مواضيع الإنشاء المكتنزة بشحم المحفوظات هي ببساطة: قطٌّ أو كلب في بيتك أو أي حيوان تحبُّه من الحمار إلى الهامستر. حيوانك الحبيب سيُعلِّمك ما لم يعلّمه لك أهلك ولا مدرّسوك ولا البرامج التلفزيونية أو الأحاديث الدينية وخطبة الجمعة، ولا حتّى الكتب الكثيرة التي قرأتَها! سيُعلِّمك كيف تعود إلى أصلك الحيواني البكر وتكون إنسانًا”.؟
برحيل سليمى رحّال يجد المشهد الأدبيّ الجزائريّ، خاصّةً الشّقّ الأكاديميّ والنّقديّ منه، نفسه أمام سؤال مزدوج ومسكوت عنه: لماذا هذا الإهمال في حقّ جيل مفصليّ في المدوّنة الشّعريّة الجزائريّة هو جيل التّسعينات الذّي كان صوتَ الحياة في عزّ هيمنة خطاب الموت الأعمى؟ .
الراحلة سليمي رحال مثلها مثل الشاعرة الراحلة سامية كتو لم تقتسما مسقط الرأس فحسب بل اقتسمتا شغفهما بالإعلام و الكتابة و بنفحات التحرر الواعي المشبوب بالحداثة و لقيتا نفس المصير ، و كان مصيرهما الموت الغامض و لم تنل أعمالهما و ارثهما الأدبي حظه من التدريس و اسقط اسمهن من مدونة الشعر الجزائرية برغبة و رعونة مقصودة و لم يتم نفض الغبار عنهن كما فعل الأستاذ الدكتور محمد بوطارن حين نفض الغبار و اخرج للنور أعمال الأديبة الراحلة زليخة السعودي التي كانت عنوانا لمذكرات تخرج و دراسات أكاديمية ثرية .
لقد تركت الراحلة سليمي رحال إرثا أدبيا غزيرا نذكر منه: “هذه المرة ” ، “البدء”، “مواجع الجسد”، “اسطمبول” ،”سؤال شائك” و ” أفعال”، وغيرها من المؤلفات التي تعبر ليس عن فطنة أو ذكاء في صناعة توليفة الكلمات الفريدة من نوعها بل صوت شعري نسوي ناضج صادح و صارخ في نفس الوقت ضد تلك الرتابة و الجمود ، فسليمي رحال كتبت أوجاعها و أفراحها و أحزانها و هي التي اختارت طريق الهجرة و العيش بالقاهرة و الاستقرار بها لعشر سنوات كاملة ، فلا احد يختار المنفى طواعية بل عن كراهة حين يسلبك الوطن قيمتك كانسان و كمبدع .
في ذكرى السنة الأولى من رحيل سليمي رحال الذي كان في الثامن جويلية 2021 لم يتذكرها احد و لو بكلمة ترحما على روحها لا في الإعلام المرئي و لا المكتوب و لا حتى المسموع في زمن المسخ و الفسخ و الانسلاخ الوجودي الذي نعيش فيه و لا نتذكر فيه سوى الرداءة و الاحتفاء بها بدءا من الوزارة و وصولا بمسؤولي الثقافة بمسقط رأسها .
بقلم الصحفية بوخلاط نادية
وهران / الجزائر
bravo