يوم امتحانيّ

34

منذ عصر نهار اليوم السابق والافق مريض , فكأن السماء كانت تنخل دقيق القصب فوق رؤوس الناس والاشجار ، فوق البيوت والشوارع , فوق المدينة الصابرة , وأهلها الطيبين. ومهما اغلقنا النوافذ واسدلنا الستائر كانت ذرّات الغبار تتسلل الى بيوتنا مثل لص ٍ حذر.
أخذ الأطفال الصغار يخربشون ما يشاؤون ويرسمون على منبسطات الأثاث المترب , وجوها وعيونا وبيوتا , حروفا وكلمات , بأنامل ضجرة , اذ ارغمتهم الغبرة ُعلى المكوث في المنازل وكانت الحدائق التي لبست ثوبا من الغبرة تنظر اليهم بعيون مشتاقة , غير ان الامهات اصدرن قرارا حازما بمنع الخروج اليها ….. اما الابناء الاكبر سنا فكانوا ينظرون الى كتبهم المدرسية تارة , وتارة الى النوافذ التي تبدو السماء والاشياء من خلالها حزينة بائسة , لانها اختفت خلف خيمة من غبار.
مسحت الجدة نظارتها بطرف الشال ربما للمرة المائة منذ البارحة بلا جدوى , وأخذت تردد ( لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ) . وحين انتهى نهار امس وتوجهنا الى اسرتنا لم ينم احدٌ منا . فقد كانت لنا مع النوم حرب ّ أعلنـَها من جانبه , فمهما استرضيناه واستدعيناه ظلّ يعاندنا كبغل ٍ ، النوم والبعوض والتراب شنـّوا معا حربهم الشعواء علينا , طوال الليلة الفائتة .
وفي البكور جادت علينا السماء ببضعة قطرات من مطر لذيذ فقد كنـّا في شهر مايس، هدأ الغبارُ وتسلل فرحٌ مبهم الى النفوس التي أتعبها وانهك رئاتها التراب .
وفي الشارع صباحا , كان عشرات التلاميذ من عمر واحد تقريبا , يسيرون فرادى أوعلى شكل مجاميع , يتدحرجون الى المدرسة الأبتدائية القريبة , ترسم نعال احذيتهم على التراب الراكد بصماتها مفصلة . كان النوم ما زال يلتصق بأهدابهم , لما عانوه من سهاد في الليلة السابقة , وما برحوا يفركون عيونهم بظهور اكفهم , يحاولون طرد النعاس من اعينهم نصف المغمضة , ويجتهدون بالسيرمسرعين الى المدرسة , لأنه يوم من ايام الامتحانات الوزارية النهائية . امتشق كل ٌ منهم مسطرة و وضع تحت ابطه كتابا أو اثنين ، قسم من الفتيان يفتحون كتبهم لمراجعة أخيرة ، والبعض يمشي بلا مبالاة , تكاد تعرف من سيماهم وضعهم الدراسي ّ ، بعضهم يناقش نقطة عالقة مع اصدقائه , أو يستعيد محفوظاته .
وكان بينهم ولد ٌ مشاكس كان يلقي بظلاله الثقيلة على زمرته ويتحدّث بصوت صاخب يُخطىء أو يسخر من كل َّصبي يبدي معلومة مفيدة ما – استلها من بين السطور – ليشرك بها زملاءه .
ما كان فارعاً بالنسبة الى عمره , بل كان ممتلئا , أحمر الوجه برأس كبير . ما كان في يده لا كتاب ولا كرّاسة , وان حشا جيوبه ببضعة أقلام من الرصاص أطلّ بعضها برأسه . كان ضخما منتفخ الصدر , يتباهى بثقــة فارغة , ويطفح بغرورطائــش .
فجأة دوّى انفجارُهائل…. ويظهر انه وقع في احدى المناطق القريبة ، اضطرب الأولاد وتبعثروا كجوّال بطاطا سقط من شاحنة الى الطريق العام فاندلقت أحشاؤه ، اما الفتى المغرور فقد عثر بالرصيف حينما قفز مذعورا ً فسقط على وجهه …. ورغم الظرف القاسي تضاحك بعض الأولاد لرؤيته يسقط , للوهلة الأولى , ثم تجمعوا بقربه وكأنه قطعة (مغناطيس ) تجذبهم بقوة , انحنوا عليه يرفعونه وهم يعلقون على ( كرشه ) وسادة الشحم التي يحملها امامه , وانها مصد ٌّ رائع , ولكنهم فوجئوا اذ تبينوا ان السقطة جاءت على انفه . أخذ الدم يتدفـق بغزارة من أنفه الضخم مضمخا شفتيه الكبيرتين بكمية كبيرة من دم احمر فاقع … وكانت السقطة قد رسمت على أحد خديه وعلى جبهته بقعتين من تراب حيث تلقى الأرض بوجهه مما جعل بعض الاولاد يبتسمون للحظة رغما عنهم فقد كان يبدو كمهرج …… احتار الاولاد .. ماذا يفعلون ؟ ! وبعد ان وضعوا كمية من المناديل الورقية على انفه المصاب . فكروا ……….. بعد دقائق يبدأ الامتحان , وهم قريبون جدا من المدرسة وبيوتهم اصبحت على مسافة بعيدة وراءهم . فماذا سيفعلون ، سيفوتهم الامتحان . وفي ارتباكهم هذا وتحيرهم – بين نجدة زميلهم الصاخب , و.. وقت بدء الامتحان . كل ٌّ أبدى رأيا ً, وهم يسندونه من جهة , ويبعثون في نفسه الطمأنينة من جهة اخرى …. وهم يتساءلون أياخذونه لداره البعيدة ؟ أم لمركز حيهم الصحي الأبعد .. والامتحان ؟!! …… ماذا عليهم ان يفعلوا ؟؟ كانت الآراء متضاربة ولم يستقروا على شيء . وجموا للحظة , ثم انبرى صوت ٌضعيف من تلميذ قلــّما التفتوا اليه , فهو ضئيل هادىء , ما شاركهم في صخب ولا لهو , ولا أبدى جدالا حول موضوع مما يخوضون فيه , اذ كان عادة يسير في معيتهم صامتا ، وقد حلّ في حيّهم منذ أشهر بعد ان هـُجـّر وذووه من بلدته ومسقط رأسه ومن داره , ولقد كان لهذه التجربة الظالمة واللا أنسانيّة وجه نفع واحد , فقد انضجته قبل الاوان .
قال الفتى : اذهبوا به الى المدرسة بسرعة
فهم سيحسنون التصرف في امره .
ولن يفوتَ الامتحانُ أحدا منا

*****

سمية العبيدي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع