يوميات نصراوي:يا عدرا يا ام المسيح ارفعي عنا التصاريح

76

نبيل عودة

 

ارتبطت طفولة ابناء جيلي بواقعٍ مليء بالقيود العسكرية والسطوة البوليسية، بقينا جزءاً من شعبٍ تقطعت أواصرهُ، فقد مؤسساته، تمزقت عائلاته بين الوطن والمهجر، يعيشُ في مهب الريح،

لا يعرفُ ما يحدثُ غداً، الخوف من التهجير القسري، ظل مُخيّماً فوق مجتمعنا، ليس مجرد حديث عن سياسة عنصرية وخطط صهيونية، إنّما خطرٌ قائم وملموس.

عانى ابناء شعبنا من قلّة العمل، ومن منع التصاريح، للخروجِ الى المدن القريبة، ليجد لقمة خبز، حتى في الفترة التي تخرجتُ فيها من الثانوية الصناعية، ورغبتُ بالعمل قبل مواصلة تعليمي، كان من الصعب بمكان، أن أجد مكان عمل، إذ لم أكن محسوباً على حزبٍ صهيوني ما أو مرضي عني من السلطة، الوظائف بيد جهاز الحكم العسكري والمخابرات، وزلم الأحزاب الصهيونية من المرتزقة العرب، هذا واجهتهُ حين وجدتُ عملاً في كيبوتس من كيبوتسات مبام في منطقة الكرمل ( شاعر هعمكيم) في مهنةِ الحدادة واللحام الكهربائي، بعد أسبوع من العمل، جاء للمحددة عضو في حزب مبام من الناصرة، يسكنُ في حي الروم المشهور بأنّهُ حي أحمر، وهو نفس الحي الذي أسكن به، وأعرفهُ شخصياً، ذهب وتحدث مع المسؤول وهو يشيرُ أليّ،  بعد قليل حضر المسؤول وسألني: أنت هو نبيل عودة؟ أنت عضو في الشبيبة الشيوعية؟ كيف حصلت على العمل في الكيبوتس؟ أجبتُ: أنّي وصلتُ عن طريق قريبٍ لي يعملُ بالبناء وآرائي السياسية لا علاقة لها بالحدادة ولِحام الكهرباء، كنتُ أسماً معروفاً من كتاباتي الأولى في مجلتي “الجديد” و”الغد” الشيوعيتين، وعضواً نشيطاً في الشبيبة الشيوعية، مع انتهاء يوم العمل، قال لي المسؤول أن لا أعود غداً للعمل، كانت تلك أوّل مواجهة لي مع سياسة الحرمان من العمل، بسبب الانتماء السياسي، أردتُ السفر الى حيفا للبحثِ عن عملٍ، وقفتُ ساعة ونصف الساعة بالدور، للحصول على تصريحٍ، شرحتُ للموظف العسكري، الهدف من التصريح، شعرتُ به يترددُ ويتأملني، بنظراتٍ تخلو من أيّ تعبيرٍ إنساني، ثمّ كتب لي تصريحاً ليومٍ واحد.. من السابعة صباحاً وحتى الخامسة عصراً، وأن ألتزم بطريق الباص من الناصرة -طريق مجدال هعيمق (المجيدل العربية المُهجّرة) رمات يشاي (جيدة العربية المُهجّرة) طبعون، تل حنان (بلد الشيخ العربية المُهجّرة) مفرق السعادة (“التشيك بوست” باسمه المعروف اليوم) والسفر من هناك الى المنطقة الصناعية خليج حيفا، سُجل العسكري ملاحظة في قاع التصريح: ممنوع النزول في أيّة بلدة في الطريق ما عدا محطات الوقود، الهدف من السفر البحث عن عمل!!

عدتُ بكفيّ حنين، اراد والدي أن يثنيني عن اصراري للعمل في الحدادة، وأن أعمل مساعداً له في منجرته، رفضتُ بشدّة، وبعد أسبوع، حصلتُ على تصريحٍ لدخول حيفا، أوّل شيء قمتُ به، أنّي ذهبتُ لشاطئ البحر، وبللت قدمي بمياه البحر، ثمّ احترت؟ أين يمكن أن أجد عملاً؟ تجولتُ في شوارع حيفا بدون هدف، وقرب وادي النسناس العربي، رأيتُ مشغلاً للخراطة، دخلتهُ وسألت صاحب المشغل اذا كان يريد ان يشغلني عنده، فأنا خريج ثانوية صناعية، خراطة، حدادة ولحام كهربائي، بلا تردد قال لي: حسنا تعال غداً، تلعثمتُ وأنا أشرحُ له، أنّي أريدُ رسالة منه لمكتب الحاكم العسكري في الناصرة بأنّي سأعملُ لديه، لكي أحصل على تصريحٍ من الحكم العسكري للوصول الى حيفا، كتب لي ما طلبتُ منه، بعد يومين بدأتُ العمل لديه بحماسٍ وإصرار كي اُثبت نفسي مهنياً، أعجبهُ عملي وتعلمي السريع للعمل على مخرطةٍ بخمسةِ رؤوس، وهو ما لم نمارسهُ في تعليمنا الصناعي في المدرسة الثانوية الصناعية، خلال أسبوعٍ كنتُ مُلماً بكلّ تفاصيل العمل، بل وبات يتركُ المشغل لساعاتٍ طويلة، ثمّ أعطاني مفتاحاً للمشغل، شعرتُ بسعادةٍ كبيرة، وبأنّي اصبحتُ عاملاً مهنياً ، مسؤولاً عن نفسي وعن العمل ، كان يكفي أن يعطيني برنامجاً وطلبات العمل ليوم وليومين ، ثمّ لأسبوع، ثمّ صرتُ اطلع على ما يتلقاهُ من طلباتٍ ومواعيد انتاج وتسليم، واصبحتُ مقرراً في أولويات العمل.

هكذا بدأتُ حياتي المهنية.

كان أصعبُ ما في عملي، أن أحصل كل صباح أحد على تصريحِ سفرٍ الى حيفا، لمدّة أسبوع، إذ أضطرُ للتأخر عدّة ساعات كل صباح أحد، سمعتُ مُشغّلي يشتمُ الحكم العسكري الغبي، لأنهُ يخاف من شابٍ مثلي، بعد ستة أشهر، اشتكى لي، إن الطلبيات تقل وإنّهُ قد يضطر لإغلاق المشغل، بعد أسبوعين، أغلق المشغل حقّاً.

مرّة أخرى، وجدتُ عملاً في كيبوتس قريب من بيسان، أيضاً تابع لحركة مبام، وصلتهُ بتصريحٍ كالعادة، سؤلتُ عن مجال عملي، قلت أنّي متمرس في الخراطة، “هذا جيّد، نحنُ نحتاج الى خرّاط مهني” قال المسؤول وسجّل أسمي ورقم هويتي، بعد ساعة ناداني بشكلٍ شخصي، واعتذر لي بأنّهُ لا يستطيعُ قبولي. لم أعرف من شاهدني من مرتزقة مبام العرب، أو ربّما فحص أسمي مع الأجهزة الأمنية؟ فيما بعد، عملتُ حداداً في خليج حيفا، واصبحتُ رئيساً لفرقةٍ، رغم صِغر سنّي، كان الإصرارُ على التميز يعطيني قوّة وإرادة، ويوجّهُني نحو النجاح في المهنة التي قضيتُ فيها 45 سنة من عمري، لأصل الى مدير عمل في أكبر مصانع اسرائيل، ثمّ مديراً للإنتاج، يعملُ تحت أشرافي عدد كبير من المهندسين، وأكثر من 400 عامل وصاحب خبرة  مهنية، والمام هندسي متطور في بناء المنشآت الثقيلة، خاصّة منشآت تكرير النفط ، بناء محطات الكهرباء ، بناء شبكات تحلية مياه البحر، بناء مصانع إنتاج الإسمنت، وغيرها من المشاريع الضخمة، رغم أنّي لم أكن مهندساً، كنت قد درست لمدة سنتين هندسة ميكانيكيات وذلك بعد العمل في ساعات المساء، تهريبا بدون تصريح يسمح لي البقاء في حيفا لساعة متأخرة، ثم سافرتُ للاتحاد السوفييتي، لدراسة الفلسفة والعلوم الاجتماعية، وعدتُ للمهنة، بعد عدم تيسر وجود أيّة وظيفة مناسبة لي، بسبب الجهاز الوظيفي الخاضع لسيطرة الحكم العسكري. هذه مقدمة لإعطاء صورة عن واقعٍ عاشه أبناء جيلي في سنوات مقتبل الحياة. ولتمهيد فهم اجواء الحكاية/الذكرى التي سأرويها.

خلطة نصراوية

الناصرة مدينة المسيح كما تُعرف، لها عيدٌ خاص هو عيدُ البشارة، “عيد الناصرة” كما يسمى. حين بشّر الملاك جبرائيل العذراء مريم، إنّها ستلدُ أبن الله يسوع المسيح، ولهذا العيد قيمة خاصة في الناصرة. كان يجري الاحتفال البارز في مختلف كنائس الناصرة، ولكني سأتحدث عن الاحتفال في كنيسة البشارة للروم الأرثوذكس، لن ذاكرتي تحفظ ذلك الاحتفال.

عادة يحضر البطريرك الأورثوذكسي من القدس.

عادة بعد الصلوات الرسمية يقامُ احتفالٌ في ساحة الكنيسة الرحبة، يحضرهُ كلُّ مواطنيّ الناصرة من كلّ الطوائف، هذه هي أبرزُ قيم ذلك العيد وأعياد الناصرة التي لم تعرف التفرقة بين مسيحيٍ ومسلم، أصلاً من كان ينتبهُ الى كون ذلك الشخص مسيحياً أم مسلماً؟ لاتينياً أم كاثوليكياً أم أرثوذكسياً؟ كنا ابناء وطن واحد منكوب ـ أعيادنا واحدة، فرحنا واحد وألمنا واحد، كانت تعقدُ دبكة يُشارك فيها المئات، وفي وسط حلقة الدبكة، سيّافان من عائلة مزاوي النصراوية، يرقصان بشكلٍ فنّي بالسيوف، وتتوارد قناني العرق، خاصّة من طيب الذكر اسعد كردوش (أبو اسحق)، تُفتح القناني ويخلطُ بعضها بالماء، لتدور على الجميع، الجميع يشرب، وأعني المسلمين والمسيحيين، والسحجة تصبح أكثر حماسية، السيّافان يُبدعان بـ “القتال” الراقص، والعرق يتدفق من كلّ النواحي، ثمّ تبدأ المسيرة من ساحة الكنيسة الى دير المطران (كنيسة القلاية)، يتقدمُها كشّاف الروم الذي يضمُ شباباً مسيحيين ومسلمين، يسيرون أمام موكب المطران وضيفه البطريرك الى دير الروممع قرع الطبول، والدير يقع في مدخل سوق الروم. المسيرة التي بدأت كاحتفالٍ ديني تتحول بدون مقدماتٍ الى تظاهرةٍ سياسية، يطرحُ فيها المحتفلون هموم حياتهم، ويعبّرون عن غضبهم من الظلم والتمييز العنصري بأبشعِ صوره في تلك الأيام، تبدأ الهتافات ضدّ الحكم العسكري، تنطلق الأهازيج الوطنية والزغاريد، تُقام الدبكة التي يصطفُ فيها الرجال والنساء جنباً الى جنب، تبدأ السحجة في الشارع بعد الخروج من ساحة الكنيسة وتمتد من ساحة كنيسة البشارة حتى مدخل دير المطران، مسافة أكثر من 3 كيلومتر.. ويرقصُ المحتفلون بعيد البشارة، ويطلقون إغاثة للعذراء مريم سيدة البشارة:

يا عدرا يا أم المسيح أرفعي عنا التصاريح

ستي يا عدرا نجينا من الحكم العسكري خلّصينا

يا عدرا احمينا احمينا احنا الك التجينا ( أي التجأنا)

هذه بعض الأبيات التي أتذكرها. سالت كبار السن لعلهم يتذكرون، لكني لم أجد اكثر مما اعرف. وكانت مناسبة جمعتني مع السيدة نائلة عزام – لبس التي تهتم بالتراث الغنائي الفلسطيني ولها عدة اصدارات رائعة، سألتها ان كانت تعرف اغاني تلك المناسبة، بعد ايام فاجأتني بهذه المقاطع:

اول ما نبدا ونقول بالصلاة على البتول

يا شباب دادي دادي هاي العدرا بتنادي

يا عدرا احمينا احمينا واحنا ليكي التجينا

يا عدرا عليكي السلام وبعيدك يحلى الكلام

احمينا يا عدرا احمينا للزفة احنا جينا

يا عدرا يا ام المسيح شوفي شعبك عم بصيح

انت بنت بلادنا ابدا ما بتهملينا

بشوارعنا مشى المسيح وعلمنا الدين الصحيح

يا عدرا ليكي ليكي واحنا التجينا ليكي

يا عدرا يا ام النور ام الشامة والبخور

العدرا ام البشرية شفيعة المسيحية

الك يا عدرا السلام وبعيدك يحلى الكلام

مريم ام الطهارة مريم ام النصارى

الك برفع ايديي يا عدرا الناصرية

اسلام ومسيحية الكل بقول احمينا

طبعا هناك ابيات اخرى آمل ان تكتمل!!

بعد ان تفرغ قناني العرق، التي لا تخلو منها السحجة والتي لها حصتها في الغزل مثل:

“اللذة مش من اول كاس اللذة بقاع القنينة”

وغيرها من أغاني الغزل بالعرق يبقى الهم الوطني…

ما بقي ان أذكره ان الشرطة لا بد ان تعتقل مساء بعض المتظاهرين الذين بحت اصواتهم وهم يهتفون ضد الحكم العسكري ويناشدون ام المسيح ان ترفع عنهم التصاريح!!

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع