وجهي .. صبحٌ مدلهم الشروق/للشاعرة : رحمةعناب

20

كريم عبدالله/

تجلّيات اللغة التعبيريّة في السرديّة التعبيريّة

وجهي .. صبحٌ مدلهم الشروق – للشاعرة : رحمةعناب – فلسطين

بقلم : كريم عبدالله – العراق 2/11/2020 .

اذا كان السرد النثري هو سرد قصصي – حكائي يقصد الحكاية او توصيلي بشكل خطاب ورسالة أو الوصف , فأنّ السرد في الشعر هو سرد لابقصد السرد , هو السرد الذي يمانع ويقاوم السرد , أنّه السرد بقصد الأيحاء والرمزونقل الأحساس وتعمّد الأبهار وتجلّي لعوالم الشعور والأحساس و تعظيم طاقات اللغة ,فأنّ ما نقصده بالتعبيريّة أو اللغة التعبيريّة فهي اللغة التي تتحدث عن المشاعروالعواطف والحالات الذهنيّة عن طريق تكثيف اللغة وأنزياحاتها العظيمة والدهشةالمبهرة , أنّها التعبير عن مشاعر الذات الأنسانيّة وعمّا يدور في داخلها وأعماقها, وما يستغور في عوالم الذات الأبداعيّة الخلاّبة والغامضة , وعن طريقها يمكننا أننتلمّس ونشاهد العوالم الداخلية للشاعر ., أنّها التجربة الداخليّة للذات الشاعرةوالتي لابدّ لها من أن تظهر على السطح وتستفزّ المتلقي .

 ويخطىء مَنْ يظنّ ويعتقد بأنّ التعبيريّة هيالكلام المعبّر عنه بالحكي والقصة والأنشاء العادي والسطحي , لهذا فأنّ الكتابةالمباشرة والسطحية تجعل العقل تابعا لما يقرأ , وحينها يكون العقل أعمى وبليد يعيشفي رتابة وخمول , عكس الكتابة باللغة التعبيريّة التي تحتاج الى قارىء يمتلك حدسايقظا نشيطا مبدعا , حدس قويّ يمكّنه من أكتشاف العوالم الداخلية البعيدة عندالشاعر,  أنّاللغة التعبيريّة هي التعبير عن القيم المعنوية لدى الشاعر بدلا عن محاكاة الواقع, أنّها التعبير عن مشاعر الذات , أنّها الذاتية الأبداعية التي تغور في العوالمالدفينة والغامضة لهذه الذات , أنّها التعبير عمّا يدور ويتجلّى في داخل الأنسان .أنّها الأشراقات عن الحالات الذهنية والنفسية دون اللجوء الى الخيال والرومانسية ,هي أنعكاس لما يحدث في هذا العالم من الخراب ومدى تأثيره في نفس الشاعر , أنّهاالرؤية العميقة والتأمّل في أعماق الذات ,  أنّها تبتعد عن محاكاة ما يحدث على أرض الواقع ؛حيث يقوم الشاعر بالسعي الى وقعنة الخيال .  تحتاج اللغة التعبيريّة الى لغة مغايرة مستفزّةتشوّه الواقع واعادة صياغته ورسمه من جديد , فتكون المقاطع النصّية في القصيدةالتعبيرية عبارة عن كتل من المشاعر الدفينة المتأججة والباحثة عن الأنطلاق من داخلالذات الى الواقع الحقيقي , وفيها نجد كمّ هائل من هذه المشاعر والأحاسيس المرهفةوالعميقة.  أّنّاللغة التعبيريّة دائما تسعى الى خلق فضاءات واسعة عن طريق تسخير الخيال الخصب ورسمهذه المشاعر والأحاسيس بطرق ابداعية خلاّقة . أنّ اللغة التعبيريّة تحاول ان تبثّالنشاط والحيوية في عقل الأنسان , في لا تنقل صور الواقع كما هو , فهي تبتعد كثيراعن هذا الواقع , أّنّها غرابة اللغة وانزياحاتها العظيمة بطريقة ابداعية محببةتجعل الألفة ما بين المتلقي والذات الشاعرة المأزومة نفسيا وعاطفيا , الذاتالمملوءة بالقلق واليأس والغربة , الذات التي ترى القادم مجهولا مظلما يعجّبالضياع والغربة والتشاؤم ,. كلّما تزداد الأزمات تظهر القصيدةالتعبيريّة عند شاعرها بعدما ينصهر الوجود في خياله وأعماقه , فمن خلال قصيدته (التعبيريّة ) يحاول الشاعر أن يفرغ الشحنات العاطفية الهائلة في أعماقه , فنراهكأنّه يقدّم جزء من ذاته , أو يقتطع أجزاء من قلبه الرهيف المفعم بصدق المشاعروكتلة من الأحاسيس والعواطف العاصفة , فمن خلال كتابات الشاعر يمكننا ان نرى بوضوحعوالمه الدفينة ومشاعره الرقيقة. أنّ اللغة التعبيريّة هي اللغة البلّوريّةالتي نكتشف من خلالها العوالم الداخلية والدفينة لروح الذات الشاعرة , فهيبمقدورها أن تقدّم لنا قدراً كبيراً من العالم الباطني مقابل قدراً قليلاً منالعالم الخارجي ,.لقد أستطاعت اللغة التعبيريّة أن تمنح الشاعرة الحرّية في ان تعبّرعن أعماقها البعيدة . أنّها لغة الأعماق التي تجعل روح الذات الشاعرة برّاقة ومنخلالها نتمكن من رؤية تلك الأعماق كيف تتجلّى اشراقاتها بوضوح , تلك الروح التيتكون كالبلّور شفّافة رقيقة ناعمة الملمس من خلالها تنفذ اشعة الشمس .

أنّ الكتابة عن الشاعرة : رحمة عناب تتطلب جهداًوصبراً كي نتمكن من الأمساك بجمال المفردة الممزوجة بدهشة الفقرة النصّية وعظمةاللغة المبهرة , فهي الشاعرة المخلصة لقصائدها والتي تأتي دائماً من أعماق الذاتالبعيدة مشحونة بزخم شعوري عنيف , وأختيار ذكيّ وموفّق في رسم الصورة الشعريةالتعبيريّة من خلال المفردة الأكثر تأثيراً في المتلقي والنفاذ الى ذاكرته . أنّأغلب نصوص الشاعرة تأتي دائماً على شكل كتلة واحدة وبفقرة نصّية واحدة وهذا مايستدعي الى وجود قارىء مجتهد ومبدع كي يتمكن من فكّ شيفرات هذه النصوص ومعرفةالدلالات التي توحي بها , واليوم سنتحدّث عن اللغة التعبيريّة في نصّها المعنون / وجهي.. صبحٌ مدلهم الشروق / , من خلال عتبة النصّ نعرف كمية الحزن العميقوالآلآم والغربة والتشظّي , بدأت الشاعرة بـ / وجهي / هذا العضو الذي تظهرعليه كافة التأثيرات النفسية نتيجة ما تعانيه الذات الشاعرة ,/ وجهي ../هكذا تركت فراغاً للمتلقي أن يملأه بما يراه مناسباً وحسبما يمتلك من ذائقة وثقافةورصيد معرفي , ثم تكمل العنوان بـ / صبحٌ مدلهم الشروق / نرى هنا البراعةفي تسخير وتثوير طاقات اللغة والنحت عن طريق أنزياح اللغة وغرابتها , نحن نعلم بانالتحدث عن اشياء أثيرة الى النفس وطرح مواضيع لها تاثير ووقع في هذه النفس سرعانما ينعكس تأثيرها على الوجه ثم يتغلغل هذا التأثير الى اعماق النفس والقلب ,وحينها ستقوم الذات الشاعرة بترجمة كلّ هذا من خلال كتاباتها , ومن هنا / وجهي /تبدأ رحلتنا مع الشاعرة في عوالمها القصية ونرى بوضوح كلّما تعانيه وتشعر بهوتدركه . تبدأ الشاعرة بالفجيعة والخسارة والضياع والخيبة , وهذه الفجيعة ستتركابعادها النفسية في هذه الذات الشاعرة , وسيتجلّى هذا الفقد ويشعّ على طول نسيجهاالشعري , / مفجوعٌ فؤادي غيماته تمطرسيول جمرات تكوي أيام البهجة / ..نرى هنا هذا الكمّ النيران الملتهبة في القلب , فهاهي غيمات هذا الفؤد المفجوعتمطر حمماً ملتهبة تأكل ايام البهجة والفرح , ثم نسترسل معها ونقرأ / من جديد عاد وجهي يترقّبُ رجفة صبح مدلهّم الشروق / فرغم هذه الحرائق المستعرة في القلب فمازال وجه الشاعرة ينتظرمعاوداً هذا الأنتظار يترقب شروق الفرح والخلاص مما تعانيه , لكن ../ يبصرني ليل تنازعت خيباته تغفو على شغاف دفاتري ترتدي / الخيبات مازالت تتنازع ليلها وهي تغفو على أحلامها وتقضّ مضجعهافتحيله الى ليل مرعب بكوابيسه فترسمه بعناية فائقة من خلال لغتها , نلاحظ في جميعنسيج الشاعرة الشعري هذه الأنسنة المدهشة واللغة المثيرة , فهاهي تُلبي أحلامهاجلاليب وتبعث فيها الروح ../ ترتدي أحلامناجلابيب طاردها وباء يرتل آهة الكذبات / هذه الأحلام الموصومة بالوباء والكذب وعدم الجدوى وصعوبة التحقق , نلاحظهنا كيف تتحدث الذات الشاعرة عن عوالمها البعيدة وتعبّر عن مشاعرها وعواطفهاالمكبوتة ../ مكبّل صوتي يتلبّسهقلق يتكاثر على حبال هواجسي / فحتىصوتها أصبح مكبّلاً وقد استشرى فيه القلق الذي يخنق حتى الهواجس , فهذا الهواجسوالمخاوف ما برحت ترافقها وتثير فيها الفجيعة ../ تتبعني تُدمي وسائد السكينة بعثرت أطراف وجع مرصع بالأسى / نلاحظ كيف تعبّر عن ذاتها وكيف تسعى الى سحبنها الى عوالمهاالنفسية والذهنية , هنا تقف الشاعرة فيمحاولة لأخذ قسط من السكينة وأستجماع قواها لتعاود رحلتها العميقة ../  آلآنوقد أثكلتنا فصول أستدام جدب أقدارها من يدرأ متاريس الضياء عن أفقنا البعيد ويعصم أبوابنا من صرير يغلف زفير خوفنا الشاهد موت ضحكاتنا / وبعد ان تحوّلت مواسمها الى مواسم جدب وخواء تتساءل نفسها المعذّبة: مَنْ بمقدوره أن ينتشلها من كلّ هذا الخوف وموت الضحكات ..؟؟!! . ثم تتساءل فيحيرة ../ أترى حلمي لفظ أنفاسه علىأسوار علت في وجه الصباح أم أنّ زعيق الخيبات تجاسريصحر مواسمي الآتية توعدني شلّ مناهل بيادري و راح يغتال عصافيري التي شكّلت وجهيو أسراب النجوم الذي جاست ترهلاته صوب روحي تنامت عميقاً في باحاتها المضيئة عتمةحزّت رقاب قناديل إنسانيتي / هل انّ حلمها الموعود قد لفظ أنفاسه الأخيرة ام ان صراخ الخيباتاصبح اكثر علوّا وتجاسر بعناد يصحّر مواسمها القادمة , وهو يتوعدها في أن يشلّحركة عيون مياها الدافقة بالحبّ والجمال والبراءة , وراح يغتال عصافيرها ويحزّمواطن الضياء في روحها , ثم تقول ../ يجتثّني ترهّل الزمن المخطوف من صباحات كانت تصحو على مشارف الأمللكنّ عويل الشتات عاد يُغرِق عناوين ذاكرتي في لجّة المنافي / كيف يفعل الزمن لعبته الخبيثة معها ويخطف البهجة من صباحاتها التيكانت مفعمة بالأمل والبشرى , لكنّ ذاكرتها تغرق في لجّة المنافي نتيجة المحنةوالمعاناة والفجيعة , وها هي الذات تتوجع بحسرة وألم شديدين ../ آآآآآه كم أسقطنينضوج الحزن على أشجار بلادي في غيبوبة لم تترك صحواً في مدائن أعجزتها شراهة جهلتمدّد في مساراتنا العرش فيها ضجيج جبروت معتم / فالحزن أصبح ناضجاً وشراهة الجهل تمدّدت بخبث ومكر فتحول العرش الىضجيج وعتمة , وبعدما اعياها هذا الفقد والغربة والتشظّي ها هي تلجأ الى اللهمستنجدة منه الخلاص وانتشالها من هذا الحون الناضج وفتح أبواب السلام والسكينة فيروحها ../ رباه ماذا سأدوّن على جذوع الذاكرة غير متوالية محن تأكل سنابلالعمر أجيل البصر في سماوات ما زال يشربها الغروب لا انسَ عري بكائي الذي تستبد بهحشرجة أسااااااايَ / , لكنيبدو بانّ ذاتها الشاعرة مملوءة ستبقى بالمحن وهي تتكاثر وتاكل سنوات العمر التيتصرّمت وراء ابواب الفجيعة الخيبة , فمازال الغروب يعشعش في عينيها ومازال البكاءومازالت حشرجات وأسى يمور فيها عميقاً .

لقد تمكنت الشاعرة ومن خلال البناء الجمليالمتواصل وفي سرد تعبيري نموذجي ان تكتب لنا قصيدة بفقرة واحدة وبـ أكثر من عشرينسطر أفقي واحد ومستمر أن تجعلنا نتلمس رذاذ لغتها التعبيريّة وهي تغمر ارواحنا وتنتشلنامن الخمول وتستفزّنا بهذا الكمّ الهائل من اللغة العظيمة والتوهّج والدهشة . لقدأستطاعت الشاعرة عن طريق لغتها التعبيريّة هذه التعبير عن الجانب الشعوري المتمثّلعن حالات الفرح والحزن ومن الحالات النفسيّة التي بقيت تتأجّج في أعماقها ,واستطاعت الألفاظ على نقل المشاعر الدفينة والعميقة بصدق وشفافيّة , وجعلت المتلقييتفاعل معها عن طريق التأثير الحسّي والأيحاء والتأويل , وأستطاعت أن تفرز تعبيراتأنسانيّة – وجدانيّة – تخاطب الأنسان في كلّ مكان وزمان .

النصّ :وجهي صبحٌ مدلهم الشروق

وجهي .. صبحٌ مدلهم الشروق

مفجوعٌ فؤادي غيماته تمطر سيول جمرات تكوي أيام البهجة من جديدعاد وجهي يترقّبُ رجفة صبح مدلهّم الشروق يبصرني ليل تنازعت خيباته تغفو على شغافدفاتري ترتدي أحلامنا جلابيب طاردها وباء يرتل آهة الكذبات مكبّل صوتي يتلبّسه قلقيتكاثر على حبال هواجسي تتبعني تُدمي وسائد السكينة بعثرت أطراف وجع مرصع بالأسى آلآن وقد أثكلتنا فصول أستدام جدب أقدارها من يدرأ متاريسالضياء عن أفقنا البعيد و يعصم أبوابنا من صرير يغلف زفير خوفنا الشاهد موتضحكاتنا أترى حلمي لفظ أنفاسه على أسوار علت في وجه الصباح أم أنّ زعيق الخيبات تجاسر يصحر مواسمي الآتية توعدنيشلّ مناهل بيادري و راح يغتال عصافيري التي شكّلت وجهي و أسراب النجوم الذي جاستترهلاته صوب روحي تنامت عميقاً في باحاتها المضيئة عتمة حزّت رقاب قناديل إنسانيتييجتثّني ترهّل الزمن المخطوف من صباحات كانت تصحو على مشارف الأمل لكنّ عويلالشتات عاد يُغرِق عناوين ذاكرتي في لجّة المنافي آآآآآه كم أسقطني نضوج الحزن علىأشجار بلادي في غيبوبة لم تترك صحواً في مدائن أعجزتها شراهة جهل تمدّد فيمساراتنا العرش فيها ضجيج جبروت معتم رباه ماذا سأدوّن على جذوع الذاكرة غيرمتوالية محن تأكل سنابل العمر أجيل البصر في سماوات ما زال يشربها الغروب لا انسَعري بكائي الذي تستبد به حشرجة أسااااااايَ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع