“واثقٌ كجرح” للشاعر لقمان محمود

566

“واثقٌ كجرح” للشاعر لقمان محمود

صدرت في العراق مجموعة شعرية جديدة للشاعر الكردي السوري لقمان محمود، بعنوان ((واثقٌ كجرح)) عن مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع. والمجموعة الجديدة هي العاشرة للشاعر في سياق نتاجه الشعري. وجاءت المجموعة في (142) صفحة من القطع المتوسط، وهو استكمالٌ لمشروع محمود في مجال الشعر.
طوى الشاعر مجموعته الشعرية على (35) قصيدة. القصائد الموجودة هي: الركض، البيت، النوم الأخير، التراب، كتاب الألم، سنة، البحث عن المعنى، سلالم لصعود الموتى، سيرة الليل، ليست لي، كتاب الحب، من مسافة قريبة، سيرة الشجرة، كتاب الأجنحة، تساؤلات، أتابع حريتي، سيرة أعمى، سيرة السلام، في مكان ما، مفترقات، صمت الانسان، قالت العرافة، سيرة الماء، جرح، نوروز، من حجاب الوطن، صراحة النسيان، نوافذ كردستان، أنا هنا، مسافة عذراء، ذات جوع، رائحة الضوء، الذي لم يتعلم الغرق، عشاق، والكلمات الأخيرة.
تسبق هذه القصائد مقدمة للشاعر، وفيها يقول:
“أين المشكلة في أن يقرأ الواحد ويكتب من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين، بل حتى من الأعلى إلى الأسفل كما هو الحال في بعض اللغات الآسيويّة… هل يضرّ ذلك بأية لغة كانت؟
وبما أنّ اللغة بمناحيها واتجاهاتها المتعددة تمثل الحياة بأسرها لأنها نتيجة حتمية لتفاعل الانسان مع بيئته أو بعبارة أكثر دقة تفاعله مع حياته وأحلامه وآلامه وجراحه وآماله… وإزاء كل ذلك أقول: جميلٌ أن يستنشق الواحد رائحة ودفء ونكهة وحنين اللغة الأم، لكنّ الأجمل من ذلك هو معرفة أحضان وقبلات لغوية أخرى. هذا ما أعطت اللغة مفهوماً جديداً حاضراً في كل زمان ومكان، وعلى الدوام، ورغم ذلك فبعضهم قال: اللغة وطن، وبعضهم قال منفى، وبعضهم لم يقل شيئاً… لكنّ الذين لا أوطان لهم لا يسكتون…”.
تتسم نصوص ((واثقٌ كجرح)) ببوح أصيل مع الذات والوطن والذكريات، كوسيلة للبحث عن معني أوسع للحياة في ظل المنافي. إنها نصوص تتسم بالكثافة الرمزية بمدلولاتها المتعددة: كثافة نوعية في المتخيل لغة ودلالة، وكثافة جمالية في المعنى، وكثافة في الرؤية، وكثافة في الاستقصاء المعرفي الشعري التي تدفع بالبعد الحسي إلى ملامسة الحقيقة و إختراق تفاصيلها الطافحة بالقسوة الموحشة على مدى عمر من المنفى والقهر. وكل ذلك من خلال مخيلة مشحونة برؤى تدفعها إليها ذاكرة حية تنهض على ملاحقة الماضي بكل همومها اليومية. من هنا يمكننا القول أن قصائد لقمان محمود في ((واثقٌ كجرح)) تثير جملة من القضايا الجوهرية المتعلقة بالكتابة الجديدة، على نحو عميق وواسع ومتنوع.
تجدر الإشارة إلى أنّ لقمان محمود شاعر وناقد كردي سوري، يحمل الجنسية السويدية. عمل في مجال الصحافة الثقافية كمحرر في مجلة سردم العربي، ومجلة اشراقات كردية، كما عمل كمحرر في القسم الثقافي لجريدة التآخي.
يقيم حالياً في السويد، وهو عضو اتحاد الكتّاب السويديين. شارك في العديد من الملتقيات الأدبيّة والثقافيّة، داخل وخارج السويد. نشر عدداً من الأعمال الشعرية والنقدية منها: “أفراح حزينة” 1990، “خطوات تستنشق المسافة: عندما كانت لآدم أقدام” 1996، “دلشاستان” 2001، “القمر البعيد من حريتي ” 2012، “اشراقات كردية: مقدمة للشعر في كردستان” 2009، “البهجة السرية: أنطولوجيا الشعر الكردي في غرب كردستان” 2013، “مدخل إلى الثقافة الكردية” 2015، “زعزعة الهامش” 2019، “كسر العزلة الثقافية” 2021، “الصمت الذي لا يتوقف عن الكلام” 2022، وغيرها.

مقاطع من الديوان:

الحب دائماً عاقل
لهذا السبب:
العشَّاق مجانين.
**
تبقى الفراشةُ أميَّةً
حتى تتعلّم
قراءة النار
دون أن تحترق.
**
من يفتخر
بأنه يملك الجذور
سيبقى دائماً
تحت التراب.
**
أراقبُ الثلجَ
لأحسَّ بألمهِ
وهو يذوب.
**
عندما تعضّ القيود
لحم الحرية
لا أرى الأمل
إلّا يائساً.
**
الكره،
حب وصل إلى
طريقٍ مسدود.
**
إذا ماتت الحرية
تصبح الكلمات
مجرّد جثث.
**
كم هو كبيرٌ حلم المطر
لكنه لا يملك خياراً آخر
سوى الهطول.
**
صدِّقيني
حتى ولو كنتُ زهرةُ العبَّاد
سأدور نحوكِ
لا نحو الشمس.
**
الجوع المتوحش
داخل القمح الخائف
لن يعرف الخبز أبداً.
**
تولد الإنتصارات
– على الأغلب – كسيحة
لذلك
لا تعمِّر طويلاً.
**
لا أثر للجنة
فلولا الوهم
لكانت الحياة جحيماً.
**
العمر
طموح
بقدر ما هو يافع.
**
لو كان الشر
أقوى قليلاً
لأصبح قاتلاً.
**
السعادة،
أن لا تخبر أحداً
بأنك حزين.
**
الحجلُ،
ألمٌ كرديٌ متنقِّل
في القفص الصدري
لعظامِ كردستان.
**
من إيجابيات الأحزان
أنها تحافظ
على الذكريات
من الشيخوخة.
**
في الثلج الفرحان
يستطيعُ المرء
أن يجد بعض الدموع
لغيمةٍ حزينة.
**
الشيخوخة،
تعبٌ
في عمر الأيام.
**
الحب جسرٌ ثابتٌ
– بدايته كنهايته –
فوقه تمشي الجراح
لتزداد دماً.
**
أمام شيخوخة المرآة
تبدو التجاعيد نضرةً
في وجه الخلود.
**
كلّما تخثَّر الدمُ
بكسلٍ على الجرح
فكِّر الألمُ
بشيءٍ آخر.
**
الدمعةُ،
في أغلب حالاتها
دمٌ يبكي.
**
يأتي الظلام
من الأسلاك الشائكة
:فكل معلوماتي عن الحدود
أنها تراقبُ
الآلام المتبادلة
بين الأكراد.
**
جنودٌ أبديون
يرصدون أرواحاً زرقاء
في الهواء الكردي
كي يضيفوا
مقابر أخرى للذاكرة.
**
إلهي
قليلاَ من الحكمة
كي لا أورّطها في الحب
إلهي
قليلاً من الحكمة
كي لاتحبْ
إلهي
جمالها يهذّبني.
**
ما أتذكَّره أيها الليل :
تنساهُ – دائماً – على طاولتي.
ما أكتبه من نهار
تمحوهُ – دائماً – بنجومك.
فماذا بوسعي أيها الليل:
الطاولةُ تنطقُ
ومكتبتي تبكي كتاباً.. كتاباً.
**
واقفٌ بأعواميَ الأخيرةِ
أُسوّرُ الأغنيات كبستانيٍّ
لإمرأةٍ من الفاكهة
لكنَّ الهواءَ مرَّ أخيراً
مرَّ كسؤالٍ أزرقٍ
إلى حيث البحر
فصرتُ أمشي.. أمشي
وما زلتُ أمشي على الماء
ولم أتعلّم الغرق.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع