هل يمكن للدين أن يبني حضارة ؟

21

محمد الدباسي/

بداية ما معنى الحضارة ؟
ما مفهومها ؟
هل تعني الحضارة أن أعيش في بيئة مدنية ؟
لو كان كذلك هل يستحال أن تقام حضارة في الصحراء أو في القرية ؟
هل العيش في مدينة دون بناء اجتماعي ثقافي فني أخلاقي راقي يعتبر حضارة ؟
هل الحضارة مادية أم معنوية ؟
هل هي بالبناء و العمران ؟
بالمسارح و المتاحف ؟
بالزراعة و الصناعة ؟
نعم هي كذلك لكن ليست كل ذلك و لا نصف ذلك بل هي قليل من ذلك فالحضارة هي ارتقاء روحي و معماري .
بالإثنين و قد تستقيم بالروحي فقط لكنها أبداً لن تكون فقط بالعمران .
مشكلتنا أننا عندما نتحدث عن الحضارة نتكلم عن العمران و الفنون و الادب و الصناعة و ننسى الجانب الروحي أو أننا لا نهتم بجودته .
نتكلم عن جودة الصناعة و لا نفكر بجودة القيم و المبادئ و الفطرة السليمة .
لا نفكر ببناء الروح و البناء هنا هو احترام الروح .
هو الارتقاء بها .
هو فتح مساحات لها من الحرية و السمو .
هو في تحقيق عدالة اجتماعية للإنسان ليحافظ على وجوده و ليحقق الحماية و ليتطور و لذلك كل ما نراه من حولنا من حضارة لا يلبث أن يسقط طالما أننا أهملنا الروح و القيم و السمو الأخلاقي و جعلنا اهتماماتنا صوب العمران و على ذلك هل نقارن حضارة فارس أو الروم بما عند أهل الجزيرة العربية بعد الإسلام ؟
هل أصلاً كان للعرب حضارة في جزيرة العرب باستثناء حضارات اليمن ؟
لماذا ينتصر العرب بعد الإسلام على أعتى حضارات العالم رغم عدم امتلاكهم لتطور عمراني على الأرض ؟
السبب لأنها حضارات مزيفة .
لماذا لا نعترف بذلك ؟
و لماذا لا نعترف أن تلك الحضارات لم تصمد أما الإسلام ؟
ثم لماذا لا نعترف بأن الإسلام بنى حضارته بعد ذلك و ساد بها الدنيا ؟
قبل أن نتكلم عن الدين و بناءه للحضارة لنذكر سبب أننا لماذا قلنا عن كل الحضارات القديمة أنها مزيفة .
إنها مزيفة لأنها باختصار لم تهتم بالإنسان بل بما يحافظ على بقاءها و استمرارها و هذا الحديث ذكرناه عندما تكلمنا عن التطور .
إن الحضارة ترجمة للتطور و هي ارتقاء بالإنسان و الذي هو المقصود من وجود الحضارة .
بل المقصود من وجود الحياة .
صحيح أن بقايا تلك الحضارات موجودة في المتاحف و الكتب و نرى عظمتها و عظمة ما فعلته لكنها رغم ذلك لم تخدم الإنسان .
لم تقدم للإنسان .
لم تسمو بروحه .
و لم ترتقي بأخلاقه .
إنها أعجوبات لن يرى التاريخ في حسنها لكنها كانت لأناس دون آخرين .
للسلاطين و جلسائهم .
للنخب و المثقفين و لم تكن للبسطاء و لا للفقراء .
لم تكن لكل الناس و من أجل الناس .
لم ترتقي بدينهم و أخلاقهم و لهذا ذهبت و إن بقيت آثارها .
بقيت آثارها و بقيت معها كذلك الكثير من القصص لمن عاشوا في تلك الحضارات و عانوا من الجوع و الفقر و الانحطاط الأخلاقي و لمن عملوا كعبيد عند الطبقة النخبوية .
إن ما نسميه اليوم بالحضارة عند الغرب هي مثل تلك الحضارات القديمة و المزيفة و التي كانت عندهم و عند غيرهم و إن وجود التكنولوجيا الآن لا يلغي أن تكون مثلها أو يقودها للتميز عنها .
لنعد إلى الدين و الحضارة و نسأل :
من يصنع الحضارة ؟
هل يستطيع الدين أن يبني حضارة ؟
هل هي حكراً على فئة معينة ؟
هل لها شروط معينة ؟
هل فشل الإسلام ببناء حضارته ؟
كيف نقول عن حضارات الدنيا بأنها مزيفة و أن الدين هم يبني التطور ثم ها نحن نرى حضارة الإسلام في الأندلس تسقط ؟
هل يدل السقوط على فشل الإسلام حضارياً أم ماذا ؟
إن مسلسل سقوط الأندلس لهو دلالة عظيمة على أن الدين لا يصنع حضارة فقط لكن و يقودها و ينميها إن عمل بالمقومات التي يتبناها و المقومات هنا هي مبادئ العدالة الاجتماعية التي اتقنها .
نعم .. إن سقوط الأندلس لم يكن بسبب أن الدين لا يستطيع أن يقود الحضارة .. لا .
إن ذلك بسبب أننا غيرنا المقود .
أننا أكملنا قيادة حضارتنا بعيداً عن الدين .
بعيداً عن المبادئ و القيم .
نعم ..
فصلنا الدين عن حياتنا و ابتعدنا عنه فكان السقوط .
إنها حضارة بنيت في عز تمسكنا بديننا و هنا نتذكر ما قاله العالم الفيزيائي بيار كوري عن حضارة المسلمين في الأندلس حين وصف روعتها و عظمتها بكلمات قال فيها : ( لدينا ثلاثون كتاباً فقط بقيت من الأندلس المسلمة و هذا مكننا من تقسيم الذرة فماذا لو بقي النصف مليون كتاباً التي أحرقناها من تلك الحضارة الإسلامية العظيمة ؟ نحن أوغاد فلو لم نحرقها لكنا نسافر بين مجرات الفضاء ) .
إنها حضارة عظيمة و إنها ما انتقلت إلى أوروبا و لا حظوا أننا نقول انتقلت و لم نقل سقطت إلا بعد سقوطنا دينياً و لم تقد أوروبا الحضارة بعد ذلك إلا بعد ذلك السقوط و لنعلم أن استعادة الإسلام للحضارة سيكون أسهل من الطريقة التي انتزعت بها أوروبا الحضارة منا لسبب بسيط هو أنهم انتزعوها منا و فينا بقايا دين لكن أين الدين منهم إذا أردنا استعادة تلك الحضارة ؟
إننا حينما بنينا حضارتنا ملكنا الجانبين الروحي و العمراني و هم لم يملكوا إلا الجانب العمراني و إننا الآن لا نملك أي منهما و لو ملكنا العمراني فإنه ضعيف و إن كان سينافسهم في بعض ما يملكون من عمران لكن عزاؤنا للعودة الحقيقية هو امتلاك الروح .
امتلاك الدين لنعود .
و سنعود .
إن الدين هو منظومة كغيره من المنظومات يستطيع بناء حضارة فقط لو كان يملك من المقومات ما يؤهله لبنائها على هذه الأرض فقط لو كان هو الدين الحق الذي أنزله الله لأنه سيملك حينها مفاتيح الكون الحقيقية و مبادئ عدالة اجتماعية حقيقية و مبادئ أخلاقية راقية فالكون كون الصانع و الدين دين الصانع و بالتالي سيكون هو منهج حياة و عندما يكون منهج حياة سينظم و يبني هذه الحياة و هذا بالضبط ما ينطبق على الإسلام دين من صنع هذا الكون .
إنها معادلة نستطيع حلها دون أن نسير خلف ثقافات و وجهات نظر سائدة تخبرنا بأن العالم قد تغير و أن الدين لا بد له أن يتغير ليواكب و يتكيف .
إنها معادلة بسيطة ليست بحاجة إلى جهد لاستنباطها فقط هي بحاجة إلى عزة فمن اعتز بشيء ارتقى به .

محمد الدباسي
مؤلف و كاتب صحفي
رئيس التطوير في اتحاد الكتاب و المثقفين العرب
maldubasi@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع