هل من الممكن لقوانين البشر أن تخدم العالم ؟

44

محمد الدباسي/

في هذا العالم و في خضم تمرد الإنسان على الخالق أراد ذلك الإنسان و بما يملكه من عقل و بما أنه أذكى المخلوقات على الأرض بأن يدير هذا الكون بقوانينه هو و لذلك سن قوانين و وضعها لإدارته بحسب ما يرى .
بدايةً ما هو القانون ؟
القانون هو مجموعة من الأنظمة تفرضها منظومة ما أو مجموعة من البشر لتنظيم حياة كل البشر الذين يقعون تحت دائرتهم .
و هنا القانون بحاجة إلى قوة ليستمر و القوة يستمدها ممن يحمي القانون .
حسناً جميل لكن من يحمي القانون ؟
هل هنالك من هم فوق القانون ؟
لماذا القانون بحاجة دائماً إلى تغيير ؟
الذي يحمي القانون هو من يقوم بإدارته و الذي يقوم بإدارته بحسب القانون يخضع للقانون فلا يوجد أحد فوق القانون لكن ماذا لو تمرد من يقوم بإدارة القانون على القانون ؟
ماذا لو تدخل لسن قوانين تقوي إدارته للقانون ؟
صحيح أن سلطة القانون قد تكون أقوى في حماية القانون من التمرد لكن لا بد من أن يستغل ثغرات ذلك القانون لخدمة إدارته للقانون بحجة تغيير أو تطوير القانون خاصة لو كان الهدف هنا هو حماية نفسه من عقوبات سيفرضها القانون عليه فيما لو سارت الأمور على ما هي عليه .
هل يعتبر استغلال ثغرات القانون ذكاءً ممن استغل هذه الثغرات أم هو ضعف في القانون ؟
بالتأكيد ضعف في القانون و لذلك فالقانون البشري بحاجة إلى تحديث مستمر لمعالجة تلك الثغرات و لمواكبة التغيرات و التغيرات هنا سببها أن إدراك القانون للكون ليس كاملاً فالعالم مليء بالأسرار و لا يمكن للبشر الإلمام الكامل بها و لذلك لا بد من استكشافها و الاستكشاف بالتأكيد بحاجة إلى الوقت و الانتظار لن يجدي فكان لا بد من وضع قانوناً ناقصاً و من ثم تغييره بما يستجد .
نعم قانوناً ناقصاً لأن القانون الكامل بالتأكيد غير قابل للتعديل بل هو لا يحتاج إلى تعديل أصلاً لكن مهلاً ..
أليس في ذلك ظلم ؟
ظلم لمن طُبق عليه القانون فكان ضده ثم بعد ذلك تم تغيير ذلك القانون بما هو مناسب و الذي لو طُبق من قبل لما كان سيئاً على ذلك الشخص ؟
إن كل قوانين البشر يعتريها من النقص و الإجحاف ما يعتريها و لن يجدي إلا قانون الصانع الحقيقي للكون فهو الأدرى بما يناسب و هو غير قابل للتعديل و لذلك من ظلم الأرض أن نطبق عليها قانوناً لا يناسبها .
أن نجعلها تُحكم بغير قانون الله .
ألا نجعل الأرض خاضعة لله بحكم الله .
إن ذلك ليس ظلم للأرض فحسب بل لكل من يقيم على هذه الأرض من مسلمين و غير مسلمين .
إن ذلك ظلم لأننا نحرم البشرية من أن يعيشوا في ظل قانون يناسب فطرتهم الحقيقية .
من أن يعيشوا في ظل قانون يحميهم .
من إن يعيشوا تحت حكم الله في أرض الله بعدالة اجتماعية راقية لا عبودية بشر و إن لم يسجدوا لهم .
إن كل قانون وضعي ما كان ليكون لولا تسلط فئة من البشر على البشر ليسودوا الدنيا و يُخضعوا الناس تحت نظامهم لا نظام الله .
قد يقول قائل أن الإسلام نفسه بلسان النبي صلى الله عليه و سلم قال : ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) بمعنى أنه ترك للإنسان وضع قوانينه الخاصة .
للإجابة على ذلك لا بد أن نعلم بدايةً بأننا دائماً لطالما تكلمنا عن إبداع الخالق في الكون و كيف أنه سبحانه وضع نظاماً دقيقاً و رائعاً لتسييره فلماذا لا نقر لذلك الصانع المبدع الذي صنع الأرض و أبدعها بأن ينظم حياتنا فوق الأرض دام أننا لمسنا عظمته من حولنا و تأكدت لنا ؟
صدقوني بأن أكثر المشكلات و التي تعانيها المجتمعات و هي سائرة نحو التطور لن تحل إلا وفق منظور إسلامي و لو تأملنا في أعظمها أهمية لدى الناس و هي المشكلات الاقتصادية مثلاً لعلمنا بأن الإسلام قد حلها منذ قرون .
قد تقولون بأن الله سبحانه أوجد هذه المشكلة يوم أن قسم البشر بين غني و فقير و أن الفقير يعاني لأنه وُجد كذلك لكن لو تأملنا في حقيقة الأمر لوجدنا أن نظام الزكاة الإسلامي و الذي يشبه دورة الغذاء في الحياة حل هذه المشكلة فهو من جهة زكى مال الغني و طهره و أشعره بمن حوله و عوضه عن ذلك فلم يأخذ مال الغني بلا مقابل و قد تحدثنا عن ذلك و من جهة أخرى أمن عيشة الفقير و ضمن له غذاءه الذي هو موجود أصلاً عند الغني و الذي لن يخرجه منه إلا فريضة الزكاة الإسلامية أو الصدقة بالإضافة إلى حق كل فرد من ثروات بيت مال المسلمين و بالتالي تكون قد حلت أعظم مشكلة تؤرق المجتمع و لعاش الناس إن طبقوا ذلك في رغد عيش و أمان منشود و لنقس على ذلك كافة أمور الحياة الأخرى و هذا كمثال .
و هنا نذكر بما ذكرناه سابقاً من أن ما يقع من مشكلات على هذه الأرض ليست بسبب الظروف لكنها بسبب ظلم من يدير الأمور على الأرض و تسلطه و لو قام كل من تولى أمر البشر بدوره لما حدثت تلك المشكلات سواءً اقتصادية أو غيرها .
ثم إن حديث ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) ذُكر في الزرع و أحكامه لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجل قرشي من مكة لم يعمل بالزراعة فترك لهم ذلك الأمر من تلقيح و حصاد لأنهم يعرفون مهنتهم لكن ذلك لن يكون بالخروج عن حدود الشرع بالتأكيد فلن يتم الحصاد مثلاً بمخالفات شرعية لأن الأمر ليس كما تعتقد من ترك الأمر كاملاً للناس كما يريدون و كذلك في سائر الأمور بل أن ذلك يدل أصلاً على مرونة القانون الإسلامي .
لنعلم بأن قانون البشر لن ينجح في ظل صناعة كون كامل من الابداع و لذلك لن تكون الإدارة إلا لقانون الخالق الكامل في الابداع و طالما أوجد الصانع قانوناً فلما نستبدله بأدنى ؟
لماذا نستمر على تلك القوانين و نحن نرى أنها لم تخدم البشر ؟
نرى أننا فئران تجارب تُطبق علينا ثم تُغَير عندما تفشل التجربة لتكون مكانها تجربة أخرى أو قانوناً آخر ؟
مالكم كيف تحكمون ؟
هل من العدل أن نطالب بإلغاء حكم القصاص الشرعي و الذي فيه عظة و تخويف لمن يتجرأ على نفس ليقتلها فنحفظ بذلك حياة الكثير من الناس ابتداءً بقانون وضعي يرى أننا نسجن القاتل فقط فنشجع آخرين على القتل ؟
هل من العدل أن نستبدل القصاص بالسجن مدى الحياة لقاتل ؟
هل السجن هنا سيجعل له فائدة ؟
مالفائدة من أن نجعل القاتل يعيش بقية عمره مركوناً على هامش الحياة ؟
هل من العدل أن يأتي دين باطل ليحكم بانتهاء حياة امرأة مات عنها زوجها ؟
لماذا نترك كل ذلك و نأتي للإسلام و نقول بأنه ظلم المرأة في أمر العدة عندما يتوفى عنها زوجها و الذي لو نظرنا فيه لوجدناه خيراً من ناحية براءة الرحم و حفظ النسل بالإضافة لبعض الجوانب النفسية ؟
إن كل ذلك يدل على أن القضية ليست النظر لما هو أفضل بل هي حرب صريحة على الإسلام و مؤامرة و كل شيء حولنا يدل على أنها كذلك و من يرى بأنها ليست مؤامرة فهو ساذج لا محالة .
إنها مؤامرة و لا بد للإسلام من مواجهة هذه المؤامرة .
إن من عجز عن تحقيق عدالة قضائية في القضاء بالتأكيد لن يستطيع تحقيق عدالة اجتماعية في كافة جوانب الحياة .

محمد الدباسي
مؤلف و كاتب صحفي
رئيس التطوير في اتحاد الكتاب و المثقفين العرب
maldubasi@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع