هل كانوا عمالقة؟بين النقد والمجاملة

159

بعض الناس لاتحب من ينتقدهم، و إن انتقدتهم في فكرة ما ينقلبون عليك بمجرد أن تخالفهم الرأيفتصبح أنت العدوّ اللدود في نظرهم و أنتالخائن و أنك عديم الكفاءة و..و..و..الخ، هؤلاء اعتادوا على من يجاملهم و من يضعهمفي مرتبة العظماء و كأنهم صنعوا الحياة و لهم الفضل في بقاءك حيا، ليس كل ما يكتبهالإنسان أو يقوله قرآن منزه، فالإنسان بشر و معرض للأخطاء و قد يتعرض للنقد، لأنلكل رؤيته للأشياء و القضايا التي تطرح، و الزاوية التي يعالج بها هذه القضايا فيزمن التنوير، حتى الكتب المقدسة تعرضت للنقد، أن ينتقدك الآخر لا يعني أنه ضدك أو يريد إحباطمعنوياتك، الفرق بين النقد و المجاملة هوأن هذه الأخيرة وسيلة للوصول إلى هدف ما و تحقيق غرض ما منكَ، قد نمارس هذا الأسلوب من باب تشجيع الآخر على العمل و النجاح،لكن أن تتحول المجاملة الى عادة لكسب رضى شخص ما حتى لو كان مخطئا لا لشيئإلا لأن له نفوذ و لأننا نريد من ورائهاالوصول إلى غايتنا، فهذا سلوك غير واع و لا يـأتي من إنسان عاقل.

فالمثقف لا يجامل، و المفكر لا يجامل، و الناقدلا يجامل، و الإعلامي لا يجامل، و الثّوري لا يجامل، و المناضل لا يجامل، لكن رجلالسياسة يجاملُ ( هيههههه) و الكاتب الحر وجب عليه أن يتحرر من صفات المجاملة، لأنالمجاملة المبالغة فيها تتحول إلى نفاق وكذب على الناس بل تؤدي بالمُجَامِلِ ( المَدَّاح) إلى أن يكذب على نفسه و يصدقالطذبة فيحولها إلى حقيقة، و يبدي على الشخص الذي يجامله على أنه شخص صالح، والمجاملة المبالغ فيها أي المُفْرَطَة تقود الإنسان إلى العبودية و تجعله فاقدالإرادة و العزيمة و قد تُجَرِّدُهُ من كبريائه، و تضع الشخص الذي يجامله في مرتبةالإله، و تضع على رأسه تاج العظمة، و كأنه الوحيد الذي خلص البشرية و أنقذ بعبقريته الأمّة من الهلاك، ما وقع في الجزائرو في البلاد العربية من فساد سببه الإفراط في المجاملة ( الرئيس فلان، الوزيرفلان، المجاهد فلان، الأديب فلان فعل كذا و كذا..) و تحول هؤلاء إلى “عمالقة” و كأن ما قاموا به معجزةمن المعجزات الإلهية التي مدها الله لأنبيائه و رسله، في الوقت الذي نرى أناساآخرين ضحوا من أجل أوطانهم و قدموا أعمالا جليلة، آثارها ما تزال حيّة، و لكنهم”منسيون” ، لا يذكر اسمهم و لا أعمالهم.

أستذكر هنا كتاب للمفكر البحريني الدكتور محمدجابر الأنصاري بعنوان: ” هل كانوا عمالقة؟ ” أصدره عام 1980 ، و قد تحررالكاتب من صفات المجاملة التي تَضُرُّ و لا تنفع، فقد طرح الدكتور جابر الأنصاريرؤاه النقدية بصراحة تامة مسّت كبارالأدباء و المشاهير و كذلك الزعماء السياسيين في الوطن العربي، و حرص على إثارةقضايا فكرية من أجل تسخين مناخ العقل الجماعي الرّاكد و بثّ الحركة في خلاياه، وطرح في كتابه أسئلةهامة و جريئة، ليس من أجل التهجم عليهم كما يتبادر إلى الذهن أوالتنكر لعطاياهم و إنما لمعرفة الحقيقة التي هي ضالة الإنسان المثقف، لقد ذكرالأنصاري ثلاثة أسئلة ذكر فيها ثلاثة أسماء مشهورة.

– قال في السؤال الأول: قيل لنا أن جمال الدينالأفغاني هو حكيم الشرق و باعث نهضته وفيلسوفها، و لكن اين فلسفة جمال الدين الأفغاني؟ اين حلوله الناجعة التي قدمها؟لماذا لم تقم النهضة العربية على اساس وطيد طالما بدأت بأفكار فيلسوف مثله؟ منيدلي على مؤلفاته الفلسفية غير رسالة “الرد على الدهريين ” التي لا تحويمن الفلسفة شيئا.

– و قال في السؤال الثاني: قيل لنا أن أحمدشوقي أمير الشعراء و أمير البيان و مجدد شعرنا العربي، و لم يتقبل الجميع ما قالهالعقاد و ميخائيل نُعَيْمَة في شعره، و قال في حديثه عن الشوقيات أن معظمها يشبهافتتاح الجرائد اليومية في أيامنا هذه سلسلة طويلة من المرثيات.. معظمها في اضخاصمن اصدقائه و معرفه نسيهم التاريخ، و سلسلة أخرى من المدائح و سلسلة ثالثة منالمفاخر، فما مصير ابنائنا إذا قلنا لهم هذا امير شعركم الحديث؟

– و قال في السؤال الثالث: هل أن جبران خليل جبران هو بتلك العبقرية والعظمة التي تحاول أن تقيم له الدراسات و الأبحاث اللبنانية المتراكمة منذ مطلعالقرن العشرين؟ أهو قصاص بارع؟ أهو أديب مشرق البيان حقا؟ أهو شاعر في غير قصيدةواحدة طويلة اسمها المواكب؟ أهو مفكر فيلسوف، أليس هو في التحليل النهائي كاتبُمقالة ذاتية تمزج بين البكاء و الوعظ.؟

نعم هو محق، المجاملةتضر و لا تنفع و لكن يمكن القول أيضا أن النقد المفرط أو بالأحرى النقد اللاذع يضرو لا ينفع، لأنه نقد سلبي لا يخدم الفكرة ولا يخدم الحقيقة و يقضي على كل الأعمالو الإنجازات، و قد يُوَلِّدُ الكراهية والعدائية و حُبُّ الإنتقام بين الكتاب و المثقفين، قد يؤدي إلى التدخل في الحرياتالفردية و المساس بالحياة الشخصية للإنسان، بل قد يشعل حربا ليس لها نهاية، فكل مايكتب كما يقول البعض يدخل في إطار أدب التقليد، و هو من أشد أنواع الأمراض الفكريةشيوعا و انتشارا، فهل نحتاج إذن إلى “الوسطية” في كتاباتنا و طرحأفكارنا و نقدنا للأخر؟ و كما يقال : “إرضاء الناس غاية با تدرك” والحقيقة تكاد المجاملة أن تتحول إلى كفر. ( مجرد وجهة نظر)

علجية عيش

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع