هل تأثّرَ الأميرُ عبد القادر بالصُّوفِيِّ الأكبرِيّ مُحْيِ الّدّين ابن العربي؟

63

(الأمير عبد القادر وصفه عثمان يحي بربّ السّيف و القلم و الأب الرّوحي للثورة الجزائرية)

تشير بعض الكتابات أن الأمير عبد القادر  الجزائري كان متأثرا جدا بعالم الكلام الصوفيمحي الدين ابن العربي، الذي جسّد وحدة المذاهب و الأديان من خلال ما له من أثر على الفكر الإسلامي ( سُنّة و شيعة) و على الفكر الإنساني  بتعدد دياناته (الإسلام و المسيحية و اليهودية وحتى الوثنية)، و سر قوة الفكر الصوفي الأكبري الذي يكمن في رمزيته و في مجالاتالتأويل التي يفتحها على العقل و القلب معا

اختلفت الكتابات بين الإسم الصحيح لهذه الشخصية الصوفية،بعضهم يقول أن اسمه ابن عربي، و آخرون يضيفون له لام التعريف فيتحدثون عن الصوفيمحي الدين ابن العربي، الذي احتل الصدارة في عالم التصوف، و ما له من تأثير لظروفعامة و خاصة، يعرفها عالم اليوم، عالم ما بعد الحديثة،  إلا أن بعض الكتابات تقول أن هناك شخصية أخرى وهي تعود للقاضي المالكي أبو بكر بن عربي، إلا أننا في مذكرات الأمير عبد القادر وهي عبارة عن سيرة ذاتية كتبها الأمير عبد القادر في السجن سنة 1849 صدرت المذكراتعن دار الأمة الطبعة السابعة 2010 ، حيث نجد في الصفحة 61 قد ورد في هامش الصفحةحديث ابو القاسم بن محمد البلوي القيرواني المعروف بالبرزلي عن ابن العربي و ذكر اسمأبو بكر بن العربي الأشبيلي قاض من حفاظ القرآن، عندما سأل هذا الأخير الغزالي فيمسألة تقليد الشافعي و كان مذهب المقلد مخالفا  لأحد الخلفاء الأربعة و غيرهم من الصحابة، و لميذكر اسم محي الدين ابن العربي، و هذا ما يؤكد على وجود خلط بين الأسماء، كما نراهفي كتاب الرباط و المرابطة للدكتور  فهدسالم خليل الراشد، إذ يقول في الصفحة 22 : ” يأبى ضيف الشام و يقصد به الأميرعبد القادر إلا أن يقضي هجرته الأخيرة بدمشق في نفس الدار التي أقام بها شيخهالأكبر ابن عربي ( بدون لام التعريف) قبله بستة قرون أين عاش و قُبِرَ ، علامة علىحياة استثنائية لرجل استثنائي…الخ.

ما يهم هنا هو مسار العالم الصوفي محي الدين ابن العربي، فقد لقبالشيخ محي الدين ابن العربي بالعديد من الألقاب، فكثيراً ما يدعوه مريدوه بألقابالتعظيم والتبجيل مثل سلطان العارفين، وإمام المتقين، ومربي الشيوخ والمريدين، وابتداءًمن القرن العاشر الهجري، بعد أن فتح السلطان سليم الأول دمشق سنة 922 للهجرة وأمربتشييد مسجد الشيخ محيي الدين وبناء ضريحه إلى جانبه، أصبح ابن العربي يُعرف باسمالشيخ الأكبر، كما كان هذا العالم الصوفي محلشدٍّ و جذب بين الأتباع و الخصوم فكان محل نقد إلى درجة التكفير، و قد كان الشيخابن تيمية من اشد خصوم ابن العربي، حيث حكم عليه بالكفر و الزندقة، و لا شك أن منتتلمدوا على يده هم كذلك محل شك و اتهام،  لاسيما فكرة التشيع، خاصة و أن ابن العربي لمتكن لها علاقة مع البلاط الموحدي، فاضطر إلى الهجرة من المغرب إلى المشرق.

فقد دار جدل  قوي بين ابن تيمية و ابن العربي حول العديد منالمسائل و كان ابن تيمية يرد على ابن العربي برسائل حول فكرة “الولاية”،و اختلافهما حول إن كانت الفصوص هي الفتوحات، لدرجة أن ابن تيمية اتهمز اين العربيبالكفر و الزندقة، لأنه قال أن الكون خيال في خيال، تشير بعض الكتابات  و منها ما جاء به ساعد خميسي في دراسته حولالمفكر الصوفي ابن العربي بعنوان: “ابن العربي المسافر العائد” ، أن المجاهدالشهير الأمير عبد القادر الجزائري من أبرز تلامذة و أنصار ابن العربي في العصرالحديث ، و كان حلم الأمير ان يدفن بجوار معلمه ابن العربي، و قد تحقق له ذلك ،  حسبما جاء في هذه الدراسات  فالأمير عبد القادر من الذين تأثروا بابن العربيو عملوا على إحياء فكره و تجربته الصوفية، و دراساته لاسيما كتابه “فصوصالحكم”، الذي ادعى أنه تلقاه من النبيّ (ص) في رؤيا و أمره أن يخرج به إلىالناس، حيث يقول: فإني رأيت رسول الله في مبشرة رأيتها في العشر الأواخر من محرمسنة سبع و عشرون و ستمائة بمحروسة دمشق و بيده (ص) كتاب و قال لي: هذا كتاب “فصوصالحكم خذه و اخرج به إلى الناس ينتفعون به، فحققت الأمنية و أخلصت النية بلا زيادةو لا نقصان.

و كان الأميرعبد القادر يدعو معلمه ابن العربي بـ: سيدنا و ينزل نفسه إلى أقل مرتبة إعلاءًلمرتبة ابن العربي، و كلما ورد  اسم ابن العربيعلى لسانه  إلا و أضاف عبارة : رضي اللهعنه، بحيث رفعه إلى مرتبة الصحابة، يقول صاحب الدراسة أن من أهم ما قام به الأميرعبد القادر الجزائري تجاه شيخه محي الدين ابن العربي أنه قام بنشر “الفتوحاتالمكية” و هو الكتاب الذي حققه عثمان يحي، و قد أهداه هذا الأخير إلى الأميرعبد القادر الجزائري، و جاء في هذا الإهداء: “إلى ربّ السيف و القلم الأبالروحي للثورة الجزائرية الخالدة، الأمير عبد القادر الجزائري ناشر الفتوحاتالمكية لأول مرة.

كما عمل الأميرعبد القادر بتعاليم ابن العربي، حيث ظل وفيا للشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي ابنعليوة مؤسسة الطريقة العلاوية بمستنغانم، فكان كما وصفه بعض مفكري الإسلام من أعظمأولياء الله المسلمين لأنه اتبع تعاليم شيخه ابن العربي، كما سعى الأمير عبدالقادر  لبعث مدرسة أكبرية عربية في عهده،و كرس حياته كلها لهذا الغرض حتى تعيش أفكار ابن العربي  في إطارها الزماني و المكاني، إلا أننا نقف علىعكس ما جاء به ساعد خميسي في الصفحة 25 من نفس الكتاب، بأن ابن العربي كان يعدُّعبد الله بن بدر الحبشي اليمني أقرب تلامذته إليه و أحبهم إلى قلبه، فقد كان بدرالحبشي الصاحب المخلص و الرفيق الملازم لإبن العربي منذ أن لقيه بفاس، و قد أهداهكتاب الفتوحات المكية ، في حين يقول في صفحات سابقة أن كتاب الفتوحات المكية أهداهمحقق الكتاب عثمان حي للأمير عبد القادر، كما يعد صدر الدين القونوي من اقربتلامذة ابن العربي، و قد تعلق به ابن العربي كثيرا.

و لعل ذلك يعودإلى نجاح القونوي في نشر صوفية ابن العربي في الوسط الشيعي،  الملفت للإنتباه  أن الذين دافعوا عن ابن العربي ( الفكر الأكبري)من الشيعة و منهم عبد الرزاق القاشاني، السؤال الذي وجب ان يطرح هو كالآتي: هلتأثر الأمير عبد القادر بفكر ابن العربي؟، لدرجة أنه تمنى أن  يدفن بجانب الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي وقد تحقق حلم الأمير عبد القادر بحيث دفن بجانب ضريح ابن العربي ( 1807-1883)، و هوما لم يتحقق للكثير من مشايخ التصوف الذين تمنوا مجاورة  ضريح شيخهم ابن العربي، و بالعودة إلى أن الأميرعبد القادر تتلمذ على يد الصوفي ابن العربي و أنه تأثر به كما جاء في الصفحة 42 منالكتاب، فهذا يطرح كثير من التساؤلات، خاصة و أن ما جاء في مذكرات الأمير عبدالقادر، لا نجد أنه  تتلمذ على يد الصوفيابن العربي، و أن هذا الأخير كان من مشايخ الأمير.

ففي الصفحة 50من مذكراته، جاء بأن الأمير عبد القادر أخذ عن والده  التفسير و الحديث و الفقه و النحو و أصول الدين،و أن والده أخذ كل هذه  العلوم و المعارفمن مشايخ آخرين منهم شمس الدين اللقاني شيخ المالكية بالقاهرة، له شرح المنظومة الجزائرية في العقائد،  و الشيخ علي الأجهوري من علماء الحديث والقائمة طويلة، و نقرأ ايضا أن الأمير عبد القادر  أخذ جوهرة البيان و المنطق عن بعض علماء وهرانكالشيخ محمد بن نقريد و الشيخ بن جلول و غيرهم، و أخذ جملة العلوم التي حصلها منعلماء فاس كالشيخ عمر الفاسي و المسناوي، و الفقيه الزروالي و الشيخ إدريسالعراقي، ما يمكن استنتاجه أن الأمير عبد القادر الجزائري  تاثر فعلا بشيخه ابن العربي، فحمل عنه رداء الصوفية،فكانت له دلالات الرؤية الكمالية  التييحملها للعالم كله، كما ـاثر بالشيخ الدرقاوي الذي كان يمثل العين النابضة بالحياةالصوفية،  و قد تم له ذلك على يد الشيخمحمد بن مسعود الفاسي وارث السجادة الشاذلية.

علجية عيش

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع