هل الفلسفة مطلقة أم مقيدة ؟

76

هل الفلسفة مطلقة أم مقيدة ؟
أردت أن أسأل هذا السؤال هنا لنبني على إجابته و لنرسم منهج لخطواتنا في هذا الكتاب فحتى نسير بشكل صحيح لا بد لنا أن نعرف مقدار ما نمتلكه في حقيبتنا من زاد و حجم ما نحمله من عتاد ليساعدنا للوصول إلى ما نريد .
قبل أن نعرف إجابة هذا السؤال هنا لنتعرف على الفلسفة و بدايتها و مفهومها .
تحدثنا في مقدمة الكتاب عن الفلسفة و نشأتها و ذكرنا بأن علم الفلسفة قد بدأ منذ القدم عند اليونانيين و انتشر في بلاد الهند و الصين و فارس ثم في أمريكا اللاتينية .
ثم بعد ذلك انتقل إلى المسلمين عن طريق الترجمة التي اشتغل بها العلماء في عصر الفتوحات الإسلامية و ذكرنا كذلك بأن الفلسفة كلمة مشتقة من كلمة فيلوسوفيا و معناها حب الحكمة و هي التفكير في التفكير و هو علم يتعلق بكل قضايا الإنسان في الوجود .
ذكرنا كذلك بأن عالم الرياضيات و الفيلسوف الشهير فيثاغورس هو صاحب أصل التسمية .
لنعلم أحبتي بأن مفهوم الفلسفة السائد من تعريفات للكثير من الفلاسفة و الذي هو اطلاق الفكر بلا قيود قد يكون به إشكال و الإشكال هنا هو السبب في عدم تقبل علماء الدين للفلسفة أو في عدم تقبل الفلاسفة لوجهة نظر بعض علماء الدين عن الفلسفة و لذلك قبل أن نجيب على هذا السؤال لا بد من إعادة بيان مفهوم الفلسفة إن كانت فعلاً بحاجة إلى ذلك و قبل أن نحاول أن نعيد مفهومها أو نُعرفها و نرى جدوة ذلك لنسأل :
من يضع تعريف للشيء ؟
هل لذلك ضوابط أم هو رأي ؟
هل يتأثر التعريف بمتغيرات تُفرض عليه و هل هو أصلاً قابل لأن يكون كذلك ؟
ما هو التعريف الصحيح للفلسفة ؟
لنرى ذلك ..
يقول الفلاسفة و الفلاسفة هنا هم الأحق بوضع تعريف للفلسفة أو بيان مفهومها و وضع الضوابط لها فتعريف الشيء و ضبطه يضعه أهل فنه بما يناسب .
يقول الفلاسفة بأن تعريف الفلسفة هو العلم بالموجودات .
و هنالك أيضاً تعريف آخر يقول بأن الفلسفة هي علم الأشياء بحقائقها الكلية .
و من التعاريف كذلك التي ذكرها الفلاسفة عن الفلسفة بأنها المعرفة الصادرة من العقل ، و قالوا كذلك بأن الفلسفة هي عبارة عن المشكلات و المحاولات لحلها و تعريف آخر يقول بأن الفلسفة هي التفكير في التفكير .
كلها تعريفات جيدة للفلسفة لكن هنا سأذكر تعريفاً جميلاً يعرف الفلسفة و يتكلم عن حدودها من عدم ذلك و هو أن الفلسفة هي حرية التفكير في الدين و العلم و الحياة و كل شيء دون قيود و حرية التعبير كذلك دون قيود إلا قيد القانون هكذا يقول التعريف بل أن كل الفلاسفة يتكلمون عن القيود فيذكرون بأنه لا قيد في التفكير بل القيد في التعبير و هنا تساؤلات :
لماذا توجد حرية في التفكير لكن حرية التعبير لها قيود ؟
لماذا الضابط في التعبير دون التفكير ؟
يقولون لأن التعبير قد يكون فيه تحريض على العنف و لذلك كان لابد من وضع القيد هنا .
حسناً فالقيد أو الضابط هنا هو لضبط الأمور و لحماية الآخرين من الأضرار التي قد تحدث من خلال حرية التعبير و هنا قد نقول :
أليس التفكير قد يؤدي كذلك إلى العنف ؟
يؤدي إلى العنف في تجاوز الحد مع صانع الكون مثلاً ؟
حسناً .. قد تقول أنك لا ديني و بالتالي ستطلق فكرك و لا داعي لأن تقيدني بحدود الخالق و أنا هنا قد أقول لك و أنت لماذا تضع لي حداً في حرية التعبير و لا تريدني أن أضع لك ذلك في حرية التفكير ؟
ألست تؤمن بأن الحرية في حرية التعبير مقيدة لأجل ألا تؤثر على الآخرين و لا نستطيع بحال من الأحوال أن نجعلها غير مقيدة ؟
لذلك لا بد أن تؤمن معي بأن لكل شيء حد و أن تجاوز الحد خطأ لأن في تجاوزه إضراراً بالآخرين .
لكن من هم الآخرين ؟
الآخرين هم غيرك سواءً من لهم مصلحة من وجود الشيء أو من ليس لهم مصلحة و بالتالي كان القيد هنا لتتحقق مصالح الجميع بطريقة عادلة و دون ضرر لأحد و لذلك سأضع تعريفاً للفلسفة و هو أن الفلسفة هي البحث عن الحقائق بتحرير التفكير و التعبير دون إضرار .
دون إضرار ؟
أليس الضابط هنا تقييداً للعقل ؟
نعم هو كذلك لأن الفعل هو ترجمة للتفكير نتيجة رسم وجهة نظر معينة و بالتالي كما أن التعبير قد يضر فكذلك الفكر لأنه يُترجم لفعل و لذلك قلنا بأن الضابط أو القيد هنا هو لحماية الأمور الأخرى منه .
لكن أليس ذلك يضر بالفلسفة و التي تعتمد على التفكير و بالتالي قد نصل هنا إلى أنه لا فلسفة طالما أننا قيدنا العقل ؟
الأمر ليس كذلك و لو تأملنا هنا في الفلسفة مثلاً لوجدنا أن الضابط يحمي كل الأمور التي ستُضر بها الفلسفة لو كانت الفلسفة مطلقة و كذلك في نفس الوقت نجد أنه يحمي الفلسفة .
نعم .. لما العجب ؟
سيحمي الفلسفة من أن تتشوه لأن تجاوزها و ضررها هنا هو تشويه لها و بالتالي ستصبح الفلسفة علماً ضاراً و فناً يطاله التشويه من أبنائه الذين أضروا بها بضررهم لغيرهم .
إن الفنون و العلوم ما وجدت إلا لخدمة البشرية و الارتقاء بها لا للإضرار و أن الإضرار هنا أو في أي فن آخر هو خلل في الموازين و الموازين هنا هم كل من له علاقة بهذا العلم أو الفن و العلاقات بالتأكيد تختلف .
إننا أحياناً نتحرج عن وضع الضوابط هنا أو في أي علم من العلوم بحجة أن الجو العام لا يرغب بذلك أو أن هنالك توجه سائد لا ينبغي الميل عنه مما يؤثر على تلك العلوم و على ضبطها و هذا بسبب ثقافة سائدة فرضها واقع معين أو أن تكون بسبب علماء ذلك العلم الذين لا يريدون أن يحيد أحد عن تلك المبادئ التي فرضوها أو فُرضت عليهم و لذلك لا بد من أن تكون الواقعية حاضرة لا المؤثرات .
إن مختلف العلوم و الفنون وُجدت في هذه الحياة لتضيف للحياة و لتساهم في رقيها و لن يكون الارتقاء بعيداً عن المراد الحقيقي للأمور و التي هي في الأصل مراد الله لأن ذلك هراء و لأن الله هو من أوجد كل شيء هنا و بالتالي ما يحيد عنه حتماً لن يكون صحيحاً فلا وصول في طريق منحني .
لكن هنا قد يسأل سائل :
لماذا الخوف من إطلاق الفكر في الفلسفة ؟
نؤمن بأن حرية التعبير هي فعل و الفعل شيء محسوس و بالتالي ضرره محسوس و لا بأس من وضع القيد هنا لكن ماذا عن الفكر ؟
هل لأجل أن يكون الفكر وفق مراد الله فنضع الضابط هنا ؟
هل الله يضره حرية الفكر ؟
لماذا نتحدث من أن الفلسفة لا نريد لها أن تخضع للمؤثرات ثم نحن بعد ذلك نُخضعها لمؤثر الدين ؟
لماذا لا نجعل الإنسان يبحث و يبحث طالما أن بحثه هنا لحاجة يريد أن يحصل عليها كما ذكرنا ؟
لماذا نُطالَب بالتوقف عن الاستمرارية في التفكير ؟
لماذا نحن مطالبون بالوقوف عن التفكير عند نقطة معينة ؟
لماذا تلك الخطوط الحمراء ؟
للإجابة هنا لنعلم بدايةً بأن الله سبحانه هو أغنى الأغنياء عن عباده – سنتوقف في الكلام عن إثبات العبادة إلى الفصل القادم – و لن ينفعه أو يضره شيء سبحانه لكنه وضع لكل شيء ضابطاً من أجل البشر و لأمور كثيرة سنعرفها في الأسطر القادمة .
من تلك الأمور أن لا يقعوا في الشرك لأنه طالما أنه هو الرب و نحن العباد و أنه بانتظارنا جنة و نار و أننا هنا في الدنيا للابتلاء و الاختبار كان الفكر من أنواع الابتلاءات في الدنيا و لذلك قيد الله الفكر حتى لا نقع و نفشل في الاختبار لأننا لن نستطيع أن نواصل التفكير لأننا ببساطة لنا حدود في الفكر يوقفنا عند نقطة معينة تماماً مثل أي شيء آخر و هذا من الواقعية و ليس خضوعاً لمؤثر الدين كما يقال و لو كان خضوعاً للدين فالدين هنا أوجده الصانع الذي خلق الكون و الذي هو أعلم بما يناسب هذا الكون و هذه واقعية أيضاً و هنا سؤال للتوضيح :
كم من البشر تستطيع أن تهزم دفعة واحدة ؟
واحد ؟
اثنين ؟
خمسة ؟
سبعة ؟
تسعة ؟
ثم ماذا ؟
ستُهزم بالتأكيد و لن تستطيع أن تقاوم لسبب بسيط و هو أن قوتك الجسدية لا تستطيع على أكثر من ذلك و بالتالي ستقف حدودها هنا و بعد ذلك هو ضرر عليك و كذلك بالنسبة لفكرك لك حدوداً في التفكير و بعدها ستتوقف رغم أن لأسئلتك إجابة عند الله لكن الله الخالق جعل طاقاتنا تتوقف هنا بسبب الضرر و الضرر هنا سيصيب الفلسفة بالتشويه لأنها لن تصل بل ستدخل في كلام فارغ ليس بمفيد و لا يُبنى على عقل أو قوانين كونية وُجدت لهذا الكون بل سيصبح تفكيراً سلبياً أو قد تصل بصاحبها إلى الجنون و الأهم أن تصل به إلى إنكار وجود الله و هذا وصول خاطئ بالتأكيد و تفكير سلبي كما ذكرنا و الوصول هنا يعني الضياع و الضياع هنا يعني هلاك صاحبه و فشله في الابتلاء الذي تكلمنا عنه و بالتالي البعد عن الهدف الذي من أجله جاء إلى الحياة .
إننا في النهاية في دار ابتلاء لنا حدود لا نتعداها .
لا نحيد عنها .
إننا في الأفعال نستطيع أن نفعل أكثر من أمر لكننا نتوقف عند الوصول لأمر معين و إن كنا نستطيع المواصلة لكنه وصول لمحطة الضرر بالآخرين و بنا أيضاً فكان الوقوف و كذلك نحن في الفكر و الذي ذكرنا بأنه يُترجم إلى فعل و بالتالي قد يضر .
إننا عندما نستخدم الفلسفة فإننا ننطلق و نفكر باستخدام قوانين وُجدت في هذا الكون و أن هنالك أسئلة تتعدى هذا الكون و بالتالي هي بحاجة إلى قوانين من خارج هذا الكون و نحن بالتأكيد لا نملك تفاصيل تلك القوانين و لن نصل إليها فكان التسليم لله .
إننا بشر لنفهم ذلك جيداً .
و سنفهم ذلك بالتأكيد طالما أننا عرفنا الآن بأنه لا توجد فلسفة مطلقة و طالما أننا سنعرف كذلك بأنه لا توجد حرية كاملة في هذا الكون .

محمد الدباسي
مؤلف و كاتب صحفي
رئيس التطوير في اتحاد الكتاب و المثقفين العرب
maldubasi@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع