هل الأخلاق تغني عن العبادة ؟

20

محمد الدباسي/

سؤال مهم و تكمن أهميته بسبب أن الكثير يراهن على أن الالتزام الأخلاقي يغني عن الالتزام الديني ؟
بدايةً ما هي الأخلاق ؟
ما مفهومها ؟
الأخلاق هي الخير أو لنقل بأن الأخلاق هي كل قول أو فعل حسن .
بالتعريف السابق قد نشبه الأخلاق بالعبادة لأن العبادة هي الخير بحد ذاته فهل نقول هنا بأن الأخلاق تغني عن العبادة ؟
بمعنى لو تركنا العبادة و توجهنا إلى الأخلاق هل نحقق المقصود من وجودنا على الأرض ؟
أيهما أفضل عبادة دون أخلاق أم أخلاق دون عبادة ؟
عندما نقول بأن الأفضل عبادة دون أخلاق فإننا هنا نحقق الهدف الذي وُجد الإنسان من أجله على الأرض و إن كان عدم وجود الأخلاق قد تفسد عليه النجاة من عقاب الله و لو كان هذا العقاب قليلاً لكنه رغم تقصيره الأخلاقي حقق الهدف الرئيسي من وجوده على الأرض .
لماذا لا نقول بأن الأخلاق دون عبادة أفضل طالما أن الله غفور رحيم و طالما أن الأخلاق تسمو بصاحبها و تساهم في جمال الحياة الدنيا ؟
لماذا لا نقول أن الأخلاق أفضل و تغني عن العبادة طالما أن الأخلاق هي كل قول أو فعل حسن و أن كل قول أو فعل قبيح مهما كان تبريره و مهما كانت الدوافع التي أدت إلى فعله لا يعتبر من الأخلاق ؟
هل من المعقول أن نقول بأن الدين أفضل و هو يبيح بعض الأفعال السيئة في بعض الحالات ؟
هل من المعقول أن الدين يقول بأن الكذب و التي هي عادة سيئة يجوز أن نفعلها عند الإصلاح بين اثنين ؟
الأخلاق ترفض الكذب مهما كانت الدوافع ، ألا يدلنا ذلك على أن الأخلاق أكثر سمواً ؟
لماذا الدين يجيز أحياناً بعض التصرفات دون إضرار و الأخلاق لا ؟
بدايةً و بعد هذا الكلام قد يقول قائل بأن الأخلاق أفضل معاذ الله و هذا الأمر خاطئ .
نعم نريد أن نعيش في عالم مليء بالخير و لا يوجد فيه شر و لا نريد أن نفعل الشر لأي سبب من الأسباب لكن أحياناً يكون للواقعية أمر آخر .
نعم فأحياناً قد نفعل الخير لكن هذا الخير قد يُحدث مشكلة كبيرة جداً فمثلاً الكذب صفة قبيحة و تندرج تحت الشر هكذا يقول الدين و هكذا تقول الأخلاق .
الأخلاق ترفض الكذب بأي حال من الأحوال و كذلك الدين يرفض الكذب بأي حال من الأحوال .
الدين يجيز أحياناً و في إطار ضيق الكذب إذا كان بغرض الإصلاح دون ضرر كما ذكرنا فهل هذا الأمر هنا يعتبر سيئاً ؟
الأخلاق تقول نعم لأن الكذب صفة سيئة و لا يحق استخدامها بأي حال من الأحوال .
لننظر نتيجة الكذب و الصدق في هذه المسألة :
لو أن شخصين اختلفا و هجرا بعضهما كيف سيكون التصرف من قبل الدين و كذلك من قبل الأخلاق ؟
لنبدأ بالأخلاق و نرى كيف لو أرادت الأخلاق أن تصلح بينهما :
ستقوم الأخلاق بنقل الأحاديث حرفياً للطرفين و هما في حالة غضب بسبب أنه لا يحق لها الكذب مهما كان و ستكون النتيجة زيادة و تطور الخلاف بين الطرفين و قد يؤدي ذلك للتشابك بالأيدي بينهما .
لننظر كيف سيتصرف الدين :
سيذهب الدين إلى الطرفين و سيلطف الأجواء بينهما و لن ينقل الكلام السيء الذي قاله كل منهما عن الآخر بل سيستبدله بكلام جميل لم يقله أحدهما عن الآخر و هذا كذب لكنه لتحقيق مصلحة و هنا قد يتم الصلح و تحل القضية و يعود الود و الود هنا معناه أن تعم المحبة المجتمع و تذهب الشحناء .
الأخلاق هنا شحنت المجتمع بينما الدين قام بتلطيف الأجواء و إن قام هنا باستخدام صفة سيئة بضوابط دينية و دون إضرار لا بضوابط من هب و دب و الضابط هنا أن الكذب سيء لكنه هنا لن يسيء لأحد بينما العراك الذي سينتج من تفاقم العلاقة بين الشخصين هنا سيؤدي إلى مصائب أكبر هي أكثر سوءاً بينما نجد أن الأخلاق امتنعت عن فعل السيء حتى لو حدث الأكثر سوءاً و لذلك أحياناً قد نحتاج لصفة سيئة ليس لعمل السوء لكن للحصول على الخير و هذه الصفة تهون في سبيل حل مشكلة ربما تكون عواقبها وخيمة و تجلب الكثير من الشر إن استمرت .
كذلك قد نستخدم يوماً صفة الخير استخداماً سيئاً فيحدث الشر .
إذاً الدين تعامل بواقعية و الواقعية مهمة جداً لكن قبل أن نقول بأن الدين كسب الجولة هنا سؤال :
كيف نحكم على الفعل بأنه خير أو شر ؟
هل لقبوله بين الناس ؟
هل للشعور بالذنب و تأنيب النفس دور في تحديد ذلك ؟
هل يعود للهوى ؟
هل للنتيجة دور بمعنى أن بداية الفعل لا تحدد ذلك طالما أن النتيجة هي خير و هنا هل يمكننا القول بأن الغاية تبرر الوسيلة ؟
ما هو الخُلق و ما هو سوء الخُلق ؟
كيف نحدد أخلاقيات المجتمع لو قلنا بأن الأخلاق شيء نسبي يختلف من شخص إلى آخر فما تقبله أنت أو تعده من الأخلاق قد أرفضه أنا ؟
مما سبق نجد أننا لو تركنا لكل شخص تحديد الخير و الشر لما كان هنالك اتفاق و لصنف كل شخص الأخلاق حسب هواه و لذلك قد نقول بأن تعريف الأخلاق هو كل فعل عدته أي منظومة دينية أو مجتمعية من الأخلاق .
هنا سؤال آخر :
ألا يمكن بأن تكون هذه المنظومة سيئة و بالتالي قياسها للأمور سيكون سيئاً كذلك ؟
إذاً الأخلاق هي كل قول أو فعل عده الدين الصحيح من الخير و اخترنا الدين الصحيح هنا لأن قوانينه حددها من خلق الكون الذي نعيش فيه .
و هنا نقول بأن الدين كسب الجولة أيضاً .
هنالك مسألة أخرى و هي أن الأخلاق يفعلها الإنسان من تلقاء نفسه بينما الدين يجبر الإنسان على الأخلاق فلا يفعلها إلا مكرهاً لماذا لا نقول هنا بأن من يفعل الخير خلقاً هو أصدق ممن يفعله تديناً ؟
للإجابة على ذلك لنسأل :
هل من يفعل الخير تديناً يفعله بدافع الخوف من الله ؟
بالتأكيد نعم .
ألا يمكننا أن نقول بأن من يفعل الخير خُلقاً قد يفعله بدافع الخوف أيضاً و ذلك بأن يخاف من الناس أو من تأنيب ضميره ؟
أيهما أولى بأن نخاف أمن الله أم من الناس و الضمير ؟
لماذا يلتزم الإنسان بالأخلاق ؟
في الدين هو ينتظر الجزاء من ربه لكن ماذا عن الذي يفعلها خُلقاً ؟
أين المقابل الذي سيجنيه ؟
احترام الناس له ؟
راحة الضمير ؟
هل الجزاء المعنوي يوازي المادي ؟
إذاً فالأخلاق تديناً أكثر تأثيراً مما لو كانت خلقاً .
هنا تساؤل :
قد يقول قائل بأن القانون يستطيع أن يردع بالعقوبات من يسيء الأخلاق و هذا لا يجعلنا نحتاج للدين كثيراً .
لنسأل :
هل صحيح أن القانون يستطيع على ذلك ؟
على ضبط الأخلاق في المجتمع و تنفيذ كل العقوبات ؟
بالتأكيد لا و لن يستطيع لأن القانون بحاجة إلى اثبات فهل ستُثبت كل الأخلاق السيئة أو كل أعمال الشر ؟
خاصة الشر الباطن ؟
ثم هنالك نقطة أخرى ماذا ستكون العقوبات ؟
هل السجن خُلق حسن ؟
هل ضرب إنسان لردعه خُلق حسن ؟
هل التعذيب خُلق حسن ؟
هل حرمانه من الحياة خُلق حسن ؟
هل قطع عضو من جسمه خلق حسن ؟
و أنا جئت بأمثلة هنا لعقوبات بعضها من الأنظمة و بعضها من الدين لأن ليس كل العقوبات يقر بها الدين .
إن العقوبات بميزان الأخلاق هي أعمال شر لتحقيق مصلحة فكيف يستخدم الأخلاق هذه العقوبات و هو يصنفها كأعمال شريرة ؟
إن الدين و الدين هنا دين الصانع هو فقط من يستطيع أن يعاقب سيء الخلق لثلاثة أسباب :
1- أن الصانع و بقدراته يستطيع الإحاطة بكل الأخلاق السيئة التي حدثت و بالتالي المحاسبة عليها و إن لم تُكتشف في الدنيا ففي الآخرة و هذا رادع كبير للناس .
2- أن العقوبات التي ستنفذ بحق من قام بعمل سيء لن تصنف في نظام الدين على أنها أعمال شر طالما أنه يقول عنها أنها من أجل تحقيق مصلحة كما فعل في استخدام الخلق السيء و هو الكذب من أجل الإصلاح .
3- أن الدين لن يستخدم عقوبات لا إنسانية أو حتى أن يكون القصد منها التعذيب لا الردع لأن من شرعها هو الرحمن الرحيم .
سؤال آخر :
هل من يلتزم بالأخلاق دون الدين هو إنسان خلوق ؟
بالتأكيد لا .
مثلاً لو كان هنالك إنساناً سيئاً مع أهله لكنه خلوق جداً مع بقية البشر هل نقول عنه بأنه إنسان خلوق ؟
تماماً .. فالذي له خُلق حسن مع كل الناس لكنه لا يلتزم بدينه هو غير خلوق لأنه و لو ألتزم بأخلاقه مع الجميع فهو بتركه للدين قد أساء خُلقه مع من أحسن إليه و هو الله عز وجل .
قد يقول بأنه لا يؤمن بأن الله هو صاحب فضل عليه فكيف يرد الإحسان بإحسان و هو ليس بإحسان ؟
حسناً أليس من الأخلاق أن تبحث عن من أحسن إليك لترد الإحسان ؟
هل وجدته ؟
و لذلك لن تكون هنالك أخلاق بعيداً عن الدين .
كذلك لنعلم هنا بأن الدين هو من يزرع فيك تمام الأخلاق لأن الإنسان بتكوينه هو إنسان ناقص و ليس بكامل فلا يوجد إنسان على هذه الأرض جمع الكمال إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم و لذلك ما نجده من بعض البشر من سوء خلق في أمر ما أو في وجود صفة أخلاقية سيئة هو نتاج لذلك الشعور بالنقص في الأمر الذي ساءت أخلاقه فيها و لذلك من الصعب أن نجد إنساناً يجمع تمام الأخلاق و على ذلك سعى الدين إلى أن يصل بالإنسان إلى درجة عالية من التمام الأخلاقي بتلك الأجور التي جعلها لمن يحسن خُلقه في قضية و أخرى .

محمد الدباسي
مؤلف و كاتب صحفي
رئيس التطوير في اتحاد الكتاب و المثقفين العرب
maldubasi@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع