هجرة الأفكار

209

فكرة صغيرة  قادرة على أن تغير التاريخ و تؤسس حضارات

هجرة الأفكار لا تعني هجرةالعقول إلى الخارج، و لو أنها واحدة من أهم المشكلاتالخطيرة التي تواجه المجتمع العربي و المجتمع الإسلامي في كل أقطاره ،  و إنما هي الاستثمار في الأفكار و تبنيها لخدمةالصالح  العام، و قد تحدث الكثير منالباحثين عن هجرة الأفكار، و منهم  “جلبرت هايت” في كتابه تحت عنوان:  هجرة الأفكار، وضع فيه فلسفة التاريخ،  قدم أمثلة عن تطور الأفكار في جانبها الإيجابي وكيف استثمرت الشعوب في أفكار شعوب أخرى، و يكفي أن تكون فكرة صغيرة  قادرة على أن تغير التاريخ و تؤسس حضارات، لقدتحدث جلبرت هايت عن التاريخ بإسهاب شديد، و قال أن التاريخ من الدراسات ألأكثرتعقيدا باعتباره الحقل الذي يحفز أحداث الماضي، و الجزء الأكبر من التاريخ لا يدورحول الأشخاص و الأفراد أو رجال عظماء، أو سجل للمعارك و الحروب، و كيف انتزعت إحدىالطبقات  الثروة و المجد من طبقة أخرى، وإنما يدور حول جماعات:  وطنية ، دينية، أوجماعات أخرى ( الماسون)..و الأفكار تنتقل من جماعة إلى أخرى.

رغم أن الإسلام تابع سيره مخترقا الحدود الطبيعية والجغرافية حتى وصل شرقا إلى إيران و الهند و الصين و غربا إلى إسبانيا، و شمالاإلى جزر البحر الأبيض المتوسط و بلاد الأناضول و أرض روسيا، و جنوبا إلى قلأفريقيا وسواحلها الشرقية و الغربية، غير أن العالمين العربي و الإسلامي  لم يعيشا عيشة الجسد الواحد، و لم يعملوابدستور الإسلام،  وهذا ما تؤكده العديد منالكتابات، فلم يعرف التاريخ مجتمعا نشأ سليما، أبيا مثل المجتمع العربي، ذلك أنالمجتمع العربي اقبل في حماسة لكل ما يجلب له الخير و النفع، لقد كان العرب منذ أنظهروا على مسرح الأحداث العالمية أصحاب رسالة سامية يدعون فيها إلى المحبة والإخاء، غير أنهم لم يستثمروا في أفكار غيرهم و حتى أفكارهم، و تخبط البعض منهم منأصحاب النفوس المريضة في فهم هذه الرسالة السامية، حيث اتخذ عداء هذه الفئة  طابعا خاصا في التاريخ، و من هنا بدأت الحضارةالعربية تعرف نوعا من التراجع،الصراعات و الخلافات بين المسلمين تحت ستار تياراتمختلفة فظهر الانشقاق  في الأمة العربية والإسلامية  التي كانت خير أمة أخرجت للناس،فعرفت بالشلل و الجمود.

و هاهو إمبراطور اليابان عام 1868 و هو يؤدي مرسومالقسم أمام الشعب، حيث قال: ” سنبحث عن المعرفة في جميع أنحاء العالم” ومن هنا بدأت سياسة اليابانيين تنحصر في تعلم كل ما يمكن تعلمه من الشعوب الأخرى، وطبقوا هذا الشعار في حياتهم اليومية، فاقتبسوا من الصين ذات الحضارة العظيمة، دونأن يصبحوا أسرى لها، فكانوا قوما أقوياء الإرادة، و قد سارت تركيا على نهجاليابانيين و كذلك الرومان الذين حولوا منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط من أحراش وصحاري إلى بلاد كلها حدائق و كروم و حقول يانعة، و لولا الإغريق لما كانت للرومانحضارة، إن الفكرة  الواحدة  يمكن أن تولد في عقل فرد واحد، ثمّ تنتشر بعدذلك لتشمل الجماعة كلها، و قد تناول الفيلسوف مالك بن نبي رحمه الله مشكلة الأفكار،إذ يقول و هو يتحدث عن جهل المسلمين بهذه الاعتبارات :  “إنّ المجتمع الإسلامي يُعاني من السخط الإلهي الصادر من النماذج الكُلِّية في محيطه الثقافي بالذات، كمايعاني من الانتقام الشديد على يد الأفكار التي استعارها من أوروبا دون نظر فيالشروط التي من شأنها أن تُحافظ لها على قيمتها الاجتماعية، وينجم عن ذلك فقدانالحيوية في الأفكار الموروثة وفي الأفكار المُكْتَسَبَةِ، وهو الأمر الذي يُخِلُّإخلالاً خطيرا بالتطور المعنوي والمادي في العالم الإسلامي، و دون تعميم طبعا ، إنالاحتكار الفكري في مجتمعنا العربي و بالخصوص المجتمع الجزائري وراء الكساد الذيتعيشه “النخبة” في الجزائر،  فهل حان الوقت بأن تستفد الأمة العربية من التغيرات التي حدثت في اليابان وتركيا و ماليزيا، و كيف تصنع تاريخها العربي و  الإسلامي بواسطة حركة الأفكار؟ تلك هي المشكلة؟

علجية عيش

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع