نيسكو ” أي “العدس”حكاية للأطفال مقتبسة من الفلكلور الكوردي

نيسكو ” أي “العدس”
حكاية للأطفال “مقتبسة من الفلكلور الكوردي
” ترجمة بتصرف “

إمرأة متزوجة تعيش مع زوجها في قرية من قرى كوردستان كانوا مزارعين يزرعون الحنطة والشعير والعدس وكل مايحتاجونه للعيش الكريم والنافع والمريح .
الزوج هو من يحرث الأرض بمساعدة ثور يملكونه وكان يشد عليه المحراث التي لها مسكة يمسكها بيديه ويتبع الثور لحين الإنتهاء من حراثة الأرض المحددة من قبله وهذا العمل كان يأخذ منه وقت طويل تبعاً لمساحة الأرض وقبل الحرث يقوم بتنظيف الأرض من الأعشاب بآلة أخرى يقوم بشدها على الثور أيضاً .
بعد التنظيف يقوم بنثر الحبوب على قطعة الأرض ثم يبدأ بعملية الحرث .
أختار الزوج أرضاً صالحة للزراعة تبتعد قليلاً عن سكنهم الذي يعيشون فيه . كان لديهم حمار أيضاً يساعدهم بنقل مايحتاجونه ، والزوجة تضع طعام زوجها في صرة تحكم شدها تعلقه برقبة الحمار الذي يسير الهوينا في الطريق الذي يؤدي إلى المزرعة . عند وصول الحمار لمكان محدد من المزرعة يقف لا يتحرك لحين حضور الزوج لأخذ صرة الأكل من رقبة الحمار . وبعدها يأخذ الحمار والثور لمكان مخصص لإستراحتهم حيث فيه علفهم وماء شربهم . ثم يبدأ هو أيضاً يأخذ فترة أستراحة والبدأ بأكل ماجهزت وأرسلت له زوجته من أكل مطبوخ وخبز حار وماء الشرب يخرجه من البئر الذي قام بحفره عند أختيار الأرض . حيث بدأ بإختيار موقع البئر وحوَّل المنطقة المحيطة بها الى واحة خضراء جميلة ورطبة بعض الشيئ بنى فيها سقيفة مرفوعة بجمالية وإتقان على أربعة أعمدة من الخشب السميك والمقاوم وجعل سقفها من مادة الخوص والسقيفة جعلها مفتوحة من الجوانب الأربعة لسهولة حركة ودوران الهواء فيها ، ليتهنأ بظلها المريح وينتعش بنسيمها العليل وقت راحته وقيلولته . وحول الواحة الخضراء التي تحيط بالبئر الى بستان صغير له ولعائلته ليقتاتون من محاصيل مايزرعه فيها في المواسم المختلفة وأستخدم ماء البئر لسقي مزروعاته وكان يخرج الماء بواسطة دلو مربوط بحبل ليخرج كميات كبيرة من الماء وبتكرار لتكفي جميع أحتياجات المزرعة والبيت .  لأنه لدى إنهاء عمله في المزرعة كان يقوم بأخذ ماء البئر ويضعه في عدد من جرار الفخار ويقوم بربطها بطريقة متقنة ويُحَّملها على ظهر حماره بطريقة موزونة لتكفي حاجة البيت من الشرب والطبخ والتنظيف والغسل .

مرت على زواجهم فترة طويلة لم يرزقهم الله بطفل كي يساعدهم ويسعدهم ويخفف وحدتهم . كانت الزوجة تحب زوجها وتعلم كم عمله متعب لأن رجوعه للبيت كل مساء ورؤية علامات الإرهاق والتعب على وجهه يحزنها تلوم معها نفسها لأنها لم تنجب له الطفل الذي يساعده ويعينه في عمله الشاق والمضني .
في أحد الأيام بينما كانت تطبخ العدس تذكرت زوجها وعمله المتعب ومن تأثرها رفعت رأسها للسماء وطلبت من الله أن يساعدها ويرزقها بالكثير من الأطفال كعدد حبات العدس في جدرها الموضوع على موقد مصنوع من الحجارة وتحته نار الحطب مرت لحظات وإذا بها ترى حبات العدس تغدو  أطفالاً وكل واحد منهم قام بطلب شيئ منها . مجموعة منهم كانوا جياع يصرخون ويطلبون الأكل وآخرين عطاشى يطلبون الماء وآخرين يصرخون يطلبون مساعدتها للذهاب إلى المرافق الصحية وآخرين يطلبون الجلوس في حظنها لأنهم تعبانين ومجموعة يبكون بلا سبب والآخرين يلعبون ويصرخون وهكذا فجأة أنقلبت حياتها إلى وضع مزري غير مسيطر عليه رفعت يديها ونظرها للسماء مجدداً وطلبت من الله إرجاعهم إلى حبات العدس مجددا وإعادتهم لجدر العدس لتكمل طبخ عدسها لأن زوجها ينتظر في المزرعة الأكل التي تقوم بتحضيره وهذا ما حدث فعلاً . وقررت أن تنسى موضوع الأطفال لأنهم متعبين للغاية خاصة عندما يكون عددهم كبيراً . لكن بعدما حدث ماحدث ندمت كثيراً وغدت تكلم نفسها بصوت عالٍ وحزين وهي تقول كان المفروض علىّ بقاء أحدهم ليغدو طفلنا المدلل الذي نتمكن من تربيته بطريقة صحيحة ولجعله يقوم بتوصيل طعام والده مع الحمار ليعلم والده بوصول الحمار وصرة الأكل لمنع تأخره عن تناول طعامه لأنه لايشعر بحضور الحمار الذي يقف دون حراك .
وإذا بها تسمع صوتاً قوياً يقول ماما ، ماما أنا سأوصل الأكل لوالدي مع الحمار وأساعده في عمله جفلت من الصوت الذي سمعته دون أن ترى أمامها بشر وبدأت تذكر أسم الله لتبعد الخوف والشر عن نفسها وإذا بطفل صغير الحجم يقفز من بين الحجارة وعندما رأته حمدت الله بأنها حصلت على طفل أخيراً وأعلمها بأنه دخل بين الحجارة ليحافظ على نفسه من تحويله لحبة العدس مجددا من أجلها وأجل والده فقامت بحضنه وتقبيله وهو غدا سعيداً لإمتلاكه أم وأب وأختارت له أسم ” نيسكو ” أي العدس . ثم طلب منها تحضير أكل والده كالعادة وإيداعه في صرة محكمة الشد وتعليقه في رقبة الحمار وهو سيدخل في أذن الحمار ليحكه ويدعه يسرع في مشيته ولايركب على ظهره خوفاً من السقوط فرحت الأم بأفكاره الذكية وشجعته فقفز إلى داخل أذن الحمار وجعل الحمار يسرع وعندما وقف الحمار علم بأنه قريب من منطقة إقامة والده في المزرعة . بدأ يصيح بأعلى صوته بابا ، بابا لم يصدق أباه مايسمع لانه لايملك أبن قبلها ولم يعلم الصوت لمن والمناداة لمن حاول الإقتراب من إتجاه الصوت رأى الحمار وصرة الأكل المعلقة في رقبته كالعادة لكن هناك صوت يردد بابا ، بابا بأستمرار ولايعلم من صاحب الصوت فأخذ يذكر أسم الله هو الآخر ليدفع عن نفسه الخوف والشر بإعتقاده . عندما سمعه ” نيسكو ” قفز من إذن الحمار ووقف بالقرب من والده وقال له أنا “نيسكو ” أبنك وقام بسرد القصة لوالده فحظنه والده وأخذه معه بعد أن حمل صرة الأكل ليأكلوا معاً وبعد الإنتهاء من الأكل طلب من والده أن يقوم بالحراثة ليدع والده يرتاح بعض الشيئ نظر له والده ولصغر حجمه قال له لاتتمكن من حراثة الأرض لأن الثور في سيرها تبرز روثاً إذا وقع عليك الروث ستبقى تحته وتموت لكن “نيسكو” أصر على طلبه ليساعد والده في حراثة الأرض . بدأ بالحراثة وبعد جولات عديدة فعلاً سقط عليه روث الثور وبقى تحته لا يتمكن الخروج والثور أكمل مسيره بدونه . أنتظر الأب عودته  لكن ” نيسكو ” لم يعود ولم يعلم والده بمكانه لينقذه ساد الظلام بمجيئ الليل ففضل الأب الذهاب للبيت وهو حزين لشعوره بأنه لافائدة من بقاءه . والدته حزنت أيضاً بعدما رأت مجيئ زوجها دون “نيسكو”ولدها الوحيد لساعات قليلة وهي لم تشبع من رؤيته .
في الصباح الباكر لليوم الثاني بدأ تجمع بنات القرية في نفس المزرعة قبل مجيئ صاحب المزرعة ليجمعوا روث الثور لإستعماله كمواد حارقة بعد تجفيفه ليخبزوا عليه خبز التنور أو أستعماله للطبخ . عندما بدأوا بعملية تجميع الروث سمعت إحداهن صوت صراخ من الروث الذي كان نيسكو يرقد تحته وكان يقول بأعلى صوته يابنت ماذا تفعلين بي أنقذيني بسرعة كانت الصدمة على الفتاة شديدة عند سماعها للصوت والكلام بوضوح من الروث هرولت مسرعة للبيت لتعلم والديها بما صادفها ووالديها فضلوا متابعتها للمكان للتأكد من أقوالها وليكونوا على يقين بأنها غير مصابة بلوثة في عقلها عندما أراد أهلها تحريك نفس روث الثور صرخ “نيسكو” ثانية ماذا تفعلون بي أنقذوني . في هذه المرة عند رفعهم للروث وسماعهم للصوت من خوفهم رموا الروث بعيداً وهرولوا للبيت دون أكتشافهم مصدر الصوت وبهذا الفعل أصبح “نيسكو” طليقاً وكان متسخاً حاول تنظيف نفسه قليلاً ثم ذهب للبيت في نفس الطريق الذي سار فيه الحمار . لدى وصوله للبيت منذ الصباح الباكر أستقبلته أمه فرحة ومسرورة بإنقاذه هي والأب أدخلته للحمام ليستحم وألبسته ثم دعته يأكل طعام الفطور وأجبرته لينام كي يسترجع عافيته حيث بات ليلة كاملة تحت روث الثور . هكذا رجعت السعادة للعائلة مجددا بوجوده معهم وتعلم هو أن يطيع ويقتنع بآراء والده ووالدته وترك إصراره على رأيه وتعلم سماع كلامهم والعمل بنصائحهم .

د. فيان النجار / بقلمي
13/6/2019

شارك المقال

أحدث المواضيع

اختر كاتب

بالفيديو

شارك المقال