نهاية الحضارة

29

محمد كريم إبراهيم /محلل وكاتب عراقي

من الصعب على أهل الحضارة أن يتخيلوا نهاية حضارتهم فضلا عن توقعها وتوقع أحداثها وأسباب انتهائها. عديد من الحضارات السابقة التي كانت تروم الارض انتهت بعدة أسباب, اما بالصراعات السياسية والاقتصادية الداخلية التي قامت أسس الحضارة عليها (أي كانت أساس نظام اقتصادها تالفا), أو من الصراعات السياسية الخارجية من اعتداء الحضارات الاخرى عليها, وكذلك لأسباب بيئية الذي جعل مصادر الماء والغذاء شحيحا حتى تلاشت معها الحضارة القائمة في ذلك المكان, أو للكوارث طبيعية مثل الزلازل والفيضانات والبراكين التي التهمت الحضارات في طريقها. وكذلك ماتت الحضارات الاخرى من ازدياد أعداد سكانها إلى حد خانق لبيئة الحضارة ومواردها.
واحدة من نهاية الحضارات هي تغيير أهلها لبيئتها بشكل غير متوازن حتى ترد بيئتها عليها بتغيير أهلها وبتغيير الحضارة نفسها. الحضارة دائما تعتمد على بيئتها وما فيها من مصادر مائية وغذائية ومواد خامة, والبيئة التي رفعت الحضارة فوقها تكون عادة متوازنة في تغيراتها أو تمر بدورات متوقعة (مثل تغير البيئة مع الفصول), فموتها تضاهي حياتها, وكمية ثمارها تضاهي كمية فضلاتها, وعدد الكائنات في داخلها تضاهي الخارج منها. كلنا نعلم ان الحضارة قائمة على تغيير البيئة واستغلالها واستهلاك مصادرها, لكن الاستهلاك الزائد عن الحد ممكن أن يجعل توازن البيئة غير ثابتة ويغيرها بسرعة كبيرة جداً نحو مستقبل مغاير لما كانت عليها.
الحضارة البشرية تشبه البشر في كثير من الزوايا, وموتها قد تتماثل مع موت الإنسان. حينما يكتشف الإنسان طرقاً أقصر وأسرع إلى السعادة والمتعة, سوف تكون هناك نهاية للأشياء التي لن يستخدمها بعد ذلك, مثل العمل والتحفز نحو العمل, أو حتى مثل بعض من أجزاء جسده (يضمر عضلاته وتقل حركة أرجله وأيديه لعدم حاجته إليهم), أو بعض من دوائر العصبية في دماغه مثل التفكير والتخطيط والتذكر. عندما تكون المتعة والسعادة هي الغاية في الحضارة (مثل الحضارة الأمريكية), تصبح من السهل جداً زوال الحضارة. وأنا دائماً قلت في عديد من المرات أن المخدرات هي أقرب سبيل إلى السعادة علمياً ومثبتة تجربياً, عندما يأخذ الإنسان ذلك الحبة أو الإبرة, يشعر من خلالهما بالنشوة والسعادة والراحة والمتعة, يتوقف الدماغ عندها عن التفكير والتخطيط أو التذكر لأنه لا حاجة للانسان الى ذلك (هدف السعادة والمتعة قد تحقق), فتقل حافز الإنسان في العمل وفي الإبداع وفي الإنتاج, بدورها تقل إنتاجية الحضارة وديناميكيتها, وتضمحل بعد ذلك بإنتهاء وظيفتها التي كانت إسعاد البشر وتسليتهم.
عندما تكون السعادة غاية للإنسان والحضارة لا وسيلة, تموت الحضارة عندها بعدما تعم السعادة في الناس في كل مكان والزمان داخل الحضارة. أحد نهايات الحضارة تكون مرتبطة بغاية الإنسان وهدفه في الحياة, والدستور الذي كتبه لحضارته من طبيعته أو من استنتاجات عقله. وبعض الاحيان (او في كثير من الأحيان) تتخذ الحضارة سبيل اشباع الشهوة الدماغية من المتع الحسية والجني اكثر عدد من المشاعر الجيدة للإنسان.
قد تنتهي الحضارة بأهمال أهلها لها, كما قلنا أن الحضارات تشبه الكائنات الحية (أهلها في الغالب من الكائنات الحية) التي يجب عليها أن تتغذى وتتحرك وتتأقلم من أجل البقاء. مع مرور الزمن, تتحول الحضارة إلى شكل مغاير لما كانت عليها من ناحية معالمها ومواد الخامة والمنتجة فيها, على أهل الحضارة أن يعملوا ويجهدوا من أجل إبقاء الحضارة في صورة مستقرة ثابتة, يجب عليهم إرجاع كل التغيرات غير المرغوبة التي تحصل للحضارة إلى سابقتها. صدأ الحديد على سبيل المثال هي من التغيرات البيئية التي تحصل لبعض من معالم الحضارة المكونة من مواد الحديدية, فهذه تحتاج إلى جُهد من قبل أهل الحضارة لمعالجة الصدأ حتى ترجع المعالم إلى سابقتها.
يجب على أهل الحضارة إبقاء تدفق المواد الخامة مستمراً, فالبيئات أغلبها تكون فوضوية وغير مستقرة وذات أنماط متعددة في أزمان مُختلفة, لذلك تصبح موردات المواد الخامة متغيرة (قليلة أو كثيرة بين حين وآخر), من واجب أهل الحضارة أن يعدلوا تلك الاختلالات في كميات المواد الخامة. وكذلك الأمر بالنسبة لنوعية المواد الخامة, ما تأكله أهل الحضارة وتستعمله من أجل البناء والعمران من المواد الخامة يجب أن تكون ذات أنواع ثابتة, فتقديم أشياء جديدة للحضارة, سوف تغير حتماً من طباع أهل الحضارة وأعمالهم وتغير من معالم الحضارة أيضًا.
لتلك الأسباب, لا يمكن لأهل الحضارة أن يتركوا حضارتهم مُهملة ويتوقعوا منها أن تظل ثابتة غير متغيرة وحامية لحياتهم ومُغذية لبطونهم. مالم يقم الإنسان بعمل من أجل بناء الحضارة وتنظيمها والعناية بما فيها من معالم, البيئة التي تحوم حول الحضارة سوف تبدأ بأكل الحضارة وما فيها مع مرور الزمن, كما قلت في السابق هناك بيئات أخرى تريد أن تأخذ من الحضارة نصيبها وتأكلها وتحولها إلى حضارة خاصة بها. مثلاً, هناك في البيئة كائنات حية أخرى التي تأكل الغذاء التي يأكلها الإنسان أيضاً, فعند أهمالنا للمحافظة على الغذاء والعناية بها, سوف تتبدد تلك المواد الغذائية الخامة في بطون الكائنات الأخرى, وبالتالي ستبدأ تلك الكائنات بالنمو والتكاثر, ثم بناء حضارة خاصة بها.
وهذه هي النهاية الثالثة المُمكنة لإنتهاء الحضارة, البيئة القاسية المتغيرة باستمرار. تختلف البيئات من سرعة تغيراتها, فمنها تكون بطيئة التغير (مثل البيئات الباردة الجامدة والجافة), والأخرى تكون سريعة التغير (مثل البيئات الممطرة الحارة). البيئات المتغيرة بسرعة لا تكون مناسبة لإنشاء حضارة كبيرة أو حضارة ذات عمر مديد, فهي دائماً تحاول أن تقاوم تغيرات الإنسان البنائية, وتحاول أن تدمرها, وإذا تساوت سرعة الدمار مع سرعة البناء, تصبح عندها من المستحيل بناء الحضارة في تلك المنطقة. كذلك وجود كائنات حية كثيرة في البيئة تنافس الإنسان على بناء حضارتها الخاصة وتصارعه على المواد الخامة المحدودة.
تغيرات مفاجئة وسريعة وذات قوى كبيرة في البيئة نسبياً لحضارة الإنسان تجلب النهاية لحضارات البشرية. بالطبع يجب أن تكون تلك التغيرات مضادة لتغيرات الحضارة (تغيرات مضادة لنظام الحضارة), أي يجب على تلك التغيرات أن تقوم بتدمير الحضارة وليس المساهمة في بنائها. وقد تحدث بعض الاحيان بمحض الصدفة والحظ أن تأتي البيئة بتغيرات إيجابية للحضارة مثل التكثير من المواد الخامة. التغيرات السلبية التي نتحدث عنها تتمثل بالبراكين والعواصف والزلازل والشُهب وغيرها من القوى الكبرى في الطبيعة, التي تكون نسبياً أقوى من حضارة الإنسان.
والنهاية الرابعة التي يمكننا التحدث عنها هي عدم استقرار داخلي, وجود خلل في النظام الداخلي للحضارة يساهم في زوالها. وهذه كثيراً ما تذكرها التاريخ, لأنها صعب النسيان كون الإنسان هو المسبب الرئيسي في فناء الحضارة, وهي تبقى مذكورة مُفّصلاً مُدّققاً في الكتب التاريخية ليتعظ منها الأجيال القادمة, لكي لا يكرروا تلك الأخطاء البشرية القاتلة للحضارة.
كما أن حياة الإنسان تنتهي في الغالب بسبب الأمراض الداخلية (من أمراض القلب والرئة والسرطان والكلى والبنكرياس), الحضارات يمكن أن تموت كذلك عن طريق الصراعات الداخلية ( من فشل الاقتصاد والحروب اهلية والمشاكل سياسية), كما أن الإنسان يصبح عجوزاً ويخذله أعضاءه بعد فترات من الزمن (تكلس الفقرات والغضاريف, انسداد الأوعية, اضمرار العضلات), كذلك الحضارات تضعف مع مرور الزمن (انشقاق المجتمع, بُطئ في التأقلم).
الشخص السمين مُعرض أكثر للأمراض الداخلية من الشخص الضعيف, أي كلما أزداد وزن الإنسان, كلما أصبح هناك أحتماليات أكثر لحدوث أخطاء في الجسد. ونفس الأمر ينطبق على حجم الحضارة, كلما أزدادت حجمها ومساحتها, كلما أصبح هناك فرصة أكبر لظهور مشاكل في داخلها.
والتعقيدات أيضاً تعمل على تمويت الحضارة, الكائنات المعقدة مثل الإنسان التي تحمل معلومات عديدة في جيناتها تكون معرضة أكثر لحدوث أخطاء فيها, لأنها حساسة جداً لتغيرات, فمن الممكن لحدث بسيط أن يأتي بالفناء للحضارة, على عكس الحضارات البسيطة التي تمتلك مساحة معتدلة, فهي (إن حافظت على توازنها ولم تطمع في الزيادة من تعقيداتها وحجمها) تستطيع أن تعيش عمراً صحياً مديداً.
المشكلة هي أن الحضارة كلما تقدمت نحو الأمام, ظهرت فيها تعقيدات أكثر, فالحضارة القوية تضاف إليها مع مرور الزمن بدل من أن تنقص منها, تحصل هناك عدة اكتشافات لأشياء جديدة وأفكار عديدة وتقنيات سريعة, وتصبح سياستها واقتصادها ومجتمعاتها معقدة إلى غاية حيث تغير بسيط في البيئة تؤدي الى استجابات مؤذية داخل الحضارة. أي طفرة في جيناتنا المعقدة تؤدي إلى نتائج أليمة. كذلك في الحضارة المُعقدة, أي تغير في سياستها مثلاً أو اقتصادها قد تذهب بها إلى القبر أو إلى تأتي بنتائج غير متوقعة.
ومن النهايات الشائعة للحضارة, هي القضاء عليها من قبل حضارات مشابهة أخرى. نشهد من التاريخ العديد من الحضارات التي انتهت عن طريق احتلالها واستعمارها من قبل الاجانب. هؤلاء الناس المتغيرين يغيرون أهل الحضارة وتنظيمات المجتمع وسياسات الدولة واقتصاد السوق, فبتالي تصبح الحضارة المغلوبة مشابهة للحضارة الغالبة, وتفنى ما تم بنائها فيها مع مرور الزمن ومع أهمال الحضارة الغالبة على ما كان يهتم به أهل الحضارة المغلوبة. أهداف الحضارة وتركيزاتها سوف تتغير أيضاً وتتحول إلى أهداف وقيم ومبادئ الحضارة الغالبة.
وآخر نهايات الحضارة هي موت أهلها بالطبع. أهل الحضارة هو المحرك الرئيسي للحضارة, وهو الذي بنى الحضارة وطورها وأحياها. أهل الحضارة هُم الذين يشكلون نصف الحضارة, فليس هناك شيء أسمه الحضارة الباقية من دون أهلها, حتى لو وقفت معالمها شامخة وموادها الخامة متوفرة وآلاتها عاملة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع