نهاية الاسلام السياسي

51

سعيد لعريفي/
في قراءة بسيطة وسريعة للوضع السياسي في الوطن العربي, يمكن و للوهلة الاولى ان نرصد ان بنية الانظمة العربية قد تغيرت بشكل جدري, وان رؤية النخب للشعوب قدم تعرضت لصدمات كبيرة فاصبح من الصعب ان تسترجع الشعوب ثقة نخبها بشكل كبير,
كل ما حدث كان من الممكن لو تأخر قليلا وحدث بشكل متفرق ,لقلنا ,ان بعض الحركات التغييرية قد نضجت بشكل كبير بعد أن تمكنت من اضعاف الدولة ,وقد آن أوان تحول الأنظمة في الوطن العربي بشكل طبيعي ومنطقي,
أما وان الامر تعلق بحركة عامة غير واعية وليس لها مرجع نظري يمكنه ان يؤطرها في كل مراحل التوتر وبعده, تبين وكان الامر لا يبعد ان يكون احد المناورات التي كان الغاية منها اعادة ترتيب الاوراق مرة اخرى بشكل جيد, وان من توهم لفترة انه قادر على ان يملك زمام الدولة ويركب على صهوة الاحداث, سينزل في اول تحد وبعد ان تتضح الرؤية بشكل دقيق ,
الحراك العربي او التحولات غير المكتملة في الوطن العربي ,حالة قفل في اعادة ترتيب الاوراق مرة اخرى, لن يكون الخاسر فيها الا من انتهز الاحداث كي يقود الدولة و يوهم الكل انه افراز طبيعي للتحولات العربية,
بعد ما ناهز عقدا من الزمن من الشد , كشفت الاحداث عن حقيقة الكثير من التيارات التي كانت الى الامس القريب تعتبر نفسها حركات اصلاحية وليست حركات تغييرية.
سبق واشرنا بصريح العبارة ان الفاعل الاسلامي لم يكن محوريا في التحولات ,ولكن سيق بقدرة قادر الى الواجهة, وقد احتملنا فشله لعدة اعتبارات:
– لم يكن بالنضج الكافي ليكون على صدارة الأحداث
-ان التحولات اخدت اشكال فوضوية حين غابت وحدة الفكرة والمرجع, وهذا يبرز جليا ان ما حدث لا يعني بالمطلق ان منحنى الدولة قد وصل الى نهايته وبداية أخرى
– غياب المفهوم المواطن الى المفهوم القطري المنفتح, وهو مؤشر على مفهوم الدولة والتوسع….
– في الدول التي اخد الفاعل الاسلامي فيها زمام القيادة, لم يستوعب بعمق مفهوم العمق في الدولة السابقة, ولا حتى مواطن القوة المتبقية في البنية القديمة.
– سقوط الحركات الاخلاقية في اول امتحانات السياسة والاخلاق التي تعتبر اهم مرجع تصوري عندها….
ان اشكالات المرجع في الفكر السياسي, قد احالت الساحة الى منطقة صراع ,خاصة وان الامر لم يستوعب بشكل جيد من طرف الفاعل السياسي, والذي لم تتبلور عنده بشكل واضح ,معالم العملية السياسية في الوطن العربي,
هل الحزب السياسي أداة اشتغال في الحقل السياسي بمرجع الدولة, أم هو مشروع سياسي آخر, يريد ان يبرهن عن قوته من خلال الدعم الجماهيري والتمكن من مؤسسات الدولة,
كثيرة هي الملاحظات التي يمكن ان نتناولها كي نعطي أسس الخلل التي جعلت المشاركة السياسية للفاعل الاسلامي في مهب الريح.
الأسباب طبعا تتشابه الى حد كبير بين الفاعلين السياسيين الذي خرجوا من رحم الايديولوجية ,والذين لم يتخلصوا منها عن قناعة ولكن بواقع الحال.
الاسلاميون عبر الوطن العربي سواء تعلق الامر بالإصلاحيين او غيرهم ,سرعان ما انخرطوا في المجاملات التي يمكنها ان ترهن الدولة في توجه وحيد قد يعصف بكل اسس التعايش الذي تعتبره الدولة احد المكاسب الأساسية التي تخدم واقع التعايش والاستقرار.
اننا نحلل من منطق ,ان النظم السياسية حق مشترك للجميع, ولا يمكن بالمطلق السماح لأي تيار ان يرهنه لصالحة, لما في ذلك من خطورة على الاستقرار والاستمرار.
النموذج الاخواني الذي لم يستوعب بعد ,هل مشروعه يحمل أخطاء أم لا…لا يعقل ان نتكلم عن تنظيم دولي ممتد جغرافيا وتاريخيا , ولم يستوعب بعد انه لم ينجح الا في شيء وحيد: تقديم قياداته لحبال المشانق..
ربما لو استفاد من تجاربه السابقة كي يعلن انه تنظيم محلي وليس تنظيما دوليا لأعفى الكثير من حركات الاسلام السياسي ,عبر العالم من تبعات هزائمه مركزيا.
ان فكرة الهيمنة, التي يحملها فكر الحركات الاسلامية ,هو ما سيربك كل حساباتها السياسية, لانهم لم يوضحوا بشكل دقيق معنى الحزب السياسي بمرجعية اسلامية. هل هو المشروع السياسي ام هو الاداء السياسي بعيدا على المشروع؟
..
كثيرة هي مواطن الخلل, التي ستكشف ان الفاعل الاسلامي لن يتمكن من النجاح في تكريس حضوره داخل الدولة. حتى وان اعلن انه مشبع بفكر وطني الى حد النخاع, لأنه يحمل في أسس منطلقاته مفهوما للدولة مغايرا بشكل جدري لما هو واقع معيش ….
ان العمل السياسي للبنيات التي تحمل خلفيات أيديولوجية, امامها الكثير من المفاهيم التي تحتاج الى توضيحها, كي تمر الى مرحلة المفهوم الحديث للأنظمة السياسية: مفهوم المواطنة ,التعايش ,الآخر ,الدولة ,حدود طموحها…….
بعد التحولات تبين ان الموجة التي سيقت الى القيادة لديها طموحا اقليميا, فسارعت لأرسال رسائل التقارب والانفتاح ,في بعض الدول لم يستوعب الفاعل الاسلامي ما معنى تقديم النسيج الاقتصادي على طابق من دهب الى مقاولات اجنبية خاصة ما يتعلق بالمواد الحيوية, ولم يستوعب ايضا ان الانفتاح يمكنه ان يضرب في العمق المقاولات الوطنية . خطوات كانت سترهن الاقتصادات الوطنية وتخاطر بها …..
ان القوة الجماهيرية التي انتشى بها اليسار سابقا, ولم تفلح في زحزحة الانظمة ,التي تمكنت من حسم منطق الصراع والتحولات لصالحها, تكرر نفس المنطق مع التيارات الاسلامية التي تماهت مع الدعم الجماهيري فتبنت مطالبه وآماله, واعتبرت ان لا سلطة تعلو على سلطة الضغط الجماهيري.
اشكال كبير جدا ,هو الذي لم يستوعبه الفاعل السياسي داخل منظومة الدولة في الوطن العربي, قد نجزم اننا في مرحلة انتقالية بين الايديولوجية والواقعية, والتي ستصبح محك مهم لكل الفاعلين ,سواء من انخرط سياسيا او من يجزم انه لن ينخرط في العملية السياسية ,لأنه لم يتخلص بعد من فكرة المشروع و المشروع البديل…
حسمنا وبشكل لا يترك مجالا للنقاش, اننا أمام انظمة انهت آمال المعارضات الجدرية, وهذا امر نحتاج ان نتأمله, كأحد خلاصات مرحلة ما بعد التحولات العربية.
ان القادم من المشاهد السياسية في الوطن العربي, سيجعلنا أمام واقع سياسي تنموي, ينخرط فيه الجميع بعيدا عن الأيديولوجية ,هذا ما اشرنا اليه, وأزعج البعض, قلنا: اننا في عصر ما بعد الايدولوجية. نكرر الأمر لأن الفكر السياسي هو: خلاصة تفاعل كيميائي بين كل المشاريع الانسانية تاريخا وتجربة .وهذا ما سيعطينا انظمة قادرة على استيعاب الجميع مهما تباينت مرجعياتهم وعقائدهم.
النظم السياسية الحديثة قد تعتبر في قادم الأيام ,وجهان لعملة واحدة, وجه يستثمر في مقدرات الدولة بما يوفر فرص الرفاه لشعوبها, وبين وجه آخر لا يتساهل مع من يضرب في مكاسب الأمن والاستقرار مهما كانت مصادره.
اننا واذ نبصم على نهاية الاسلام السياسي, نكون قد دخلنا مخاطر استراتيجية, ومع ذلك., طرحنا الموضوع لأننا نعتبره ,آخر ما سيستجد على المشاهد السياسية في قادم المناسبات, ومع ذلك نطرح سؤالا : هل المعارضات الجدرية ستدخل غمار العمل السياسي ,أم ستتجه الى العمل المدني؟. أم سيكون لها خيارات أخرى .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع