نعم،أصبح جحا سياسيا…

18

بلمرابط المصطفى/

بعودة بسيطة إلى التاريخ، يتبين أن كل الأمم عرفت شخصية “جحا” ،فنسجت له شخصية فريدة إما خيالية أو حقيقية في ثقافاتهم القديمة وثراتهم الشعبي ،وهذا بما يتلاءم مع الطبيعة الاجتماعية والثقافية لتلك الأمة، وتختلف شكل الحكايات والروايات…،فنجده مثلا منْ وصفوه بسليط اللسان ومن ذكروه بأنه مغفلا أو ذكيا…

فنجد في الأدب العالمي ،”جحا”رجل فقير كان يعيش أحداث عصره بطريقة مختلفة ويتماشى مع تلك الأحداث الشبه حقيقية؛ فهو كان يتصرف بذكاء كوميدي ساخر، فانتشرت قصصه ومواقفه التي كان يتعامل معها في حياته اليومية، وكانت تنتقل قصصه من شخص إلى آخر مما نتج عنه تأليف الكثير من الأحداث الخيالية حوله، فكل شخص كان يروي قصصه بطريقته الخاصة ومنهم حتى من نسب أعماله لنفسه أو لشخص آخر أو لشخص خيالي…

أما في وقتنا الحاضر،كثرت”شخصية جحا” في واقعنا المعاش والمزري… فنجدها تجمع كل الصفات المذكورة سالفا ،للوصول إلى أهدافها و مبتغاها الذاتي والشخصي…دون مراعاة حقوق الآخر المعيشية الأساسية…، ضاربة عرض الحائط ،وغير مبالية…، كل القيم الأخلاقية والعرفية…

فجحاؤنا (المزلوط) يجمع كل النعوت والأوصاف السالفة الذكر وبزيادة…نظرا الذي لترعرعه في بيئة عائلية فقيرة ،مما جعله يمقت ويكره الفقر والحرمان…،وعندما فتح بيتا زاد غيظه…،فكان يقتات على بضعة الدراهم التي يسترزقها من تجارته البائسة والميؤسة من ربحها،كبيع أشرطة تلاوة القرآن أو بيع قارورات العطور أمام الأضرحة والزوايا…،والتي جعلته يمتهن خطابا دينيا متمرسا ،ويتطفل على الواعظين والمرشدين التقاة…،فتجده ثرثارا وكوميديا ساخرا أثناء ولائم الأفراح و الأقراح ،ليجلب انتباه العامة بروايات دانكشوطية من خياله،ليسترزق بهذا العمل لقمة عيشه ،فمرة يصرح ويدافع عن أفكار… ،ومرة أخرى ينكر ويتراجع عنها…

وبعد سنوات قليلة ،أسس هو ومن معه جماعة دينية سياسية في بؤر الحواضر المهمشة والقرى النائية والمكتظة بالأمية والبطالة والعوز،فساعدتهم تلك العوامل في النشر والتوسع وجلب ضعاف النفوس وقصر النظر… ،إلا أن هبت رياح التغيير،فمنها ثورة الياسمين وووو… وسمحت لهم الفرصة المواتية جراء اصطدام التيارات السياسية الليبرالية والديمقراطية… وفشلها في رفع مشعل التغيير والإصلاح …ومن هنا ظهرت شخصية”جحا (المزلوط)”في الساحة السياسية الذي استخدم حربائيته السياساوية تحت الغطاء الديني، ليضفي الشرعية على طمعه في تقلد كرسي الحكم التسييري… ابان انتخابات استثنائية ،فجيّش مريديه الإندفاعيين ..ففازت سياسة جماعته في نشر أفكارها التي نالت اقبالا في أوساط الطبقة التي تعيش تحت عتبة الفقر والإحتياج…

فأول عمل قام به جحاؤنا (المزلوط) هوتحسين ظروفه الاجتماعية والمادية،وأخذ يتمتّع بامتيازات مهمة هو وزبانيته ،فبدأت الموارد الضخمة تضخ في حسابه البنكي وأصبح ينعم بمكانة بارزة لدى نظام الحكم وبنفاقه السياسوي ،ظهرت بوادرتطبيع علاقته مع نظام الحكم بعدما شهدوا بالدور التاريخي الذي لعبه كعازل سياسي”،الذي أدى امتصاص غضبة الشعب ومعارضيه، بنهجه الخطاب السياسي والتدجيني … وبقالب كوميدي وهو يصارع السراب وينتقد منافسيه،ليَسهل عليه ويضفي الشرعية الظرفية، بقيامه بسنّ وفرض ضرائب تثقل الفئات المستضعفة والكادحه التي ناصرته استنصرته وعقدت أملها الوردي في الحق في العيش بكرامة وعزَّة النفس،والتي جازاها وكرَّمها بتراجعات حقوقية معيشية خطيرة وجد مؤلمة… وبسياسات تراجعية مباشرة وغير مباشرة …، فقدَّم بها ورقة رابحة لكبح ثورة الفقراء والمعوزين…

فبقي الحال على ما هو عليه إلى أن تنصَّل منه نظام الحكم ومن جماعته واعتبرهم كأداة انتهت مدَّة صلاحيتها،ليعيش بقية حياته منبوذا اجتماعيا سياسيا…

 

بلمرابط المصطفى

المغرب الخميسات

27112020

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع