نحو تأسيس المجلس الشعبي الدستوري بدلا من المحكمة الدستورية

22

مسودة الدستور هل هي سيناريو لجس نبض الشعب؟

نحو تأسيس المجلس الشعبي الدستوري بدلا من المحكمة الدستورية

*كل الدساتير التي وضعت في الجزائر منذ الإستقلال إلى اليوم اندرجت كما يقول
مختصون في سياق الصراع على السلطة و كيف يتم الإحتفاظ بها، فمنذ أن وضع
الرئيس هواري بومدين الميثاق الوطني و دستور 1976 إلى دستور 2016 مرورا بدستور
1989 الذي كان أكثر استجابة للمطالب الشعبية، إلا أن هذه المطالب كانت مطالب
اقتصادية و اجتماعية لا غير، كما أن كل التعديلات الدستورية جاءت لإعتبارات
ظرفية و كانت تحمل نفس المنطق كما جاء في تعديل دستور 1996، في كل المراحل
حدثت جدالات عقيمة حول الدستور الجزائري إلا أنه للمرة الأولى نسمع عن نشر
مسودة دستور مزوّرة في تاريخ الجزائر، و إن كان في كل مرحلة يكون فيها الدستور
مدافعا عن السلطة، إلا أنه لم يتعرض للتجميد مثلما حدث في وقت الرئيس أحمد بن
بلة بعد الإستقلال (1963) وهو الذي أشرف عليه بنفسه، فنشب خلافا بين الرئيس و
قيادة الجيش*

بدت قضية مسودة الدستور المزوّرة و كأنها “محاجية” ، بحيث تفطن لها الكثير من
المتتبعين للشأن السياسي في الجزائر، و تساءل البعض إن كانت قضية تزوير مسودة
الدستور مجرد سيناريو لجس نبض الشعب و معرفة رأيه من البنود و ما يمكن تعديلة
أو إبقاؤه كما هو، لأن الذين وضعوا بنود المسودة ليسوا مواطنين عاديين، بل هم
رجال قانون، فكيف يتم إذن تزوير المسودة، و إن كان ذلك صحيحا، السؤال يلح على
الطرح من زوّرهذه المسودة؟ من سرّبها؟، و كيف سقطت نسخة منها في يد اشخاص
عاديين؟ و في يد من؟ ومن كلف بعملية التزوير؟ و كيف تم نشرها في مواقع
التواصل الإجتماعي؟ لاسيما الجميع يعلم أن تحضير المسودة كان في إطار لجنة
مشكلة من خبراء و مختصين، ( يعني لجنة مغلقة) ثم أن مشروع الدستور كان مؤجل
إلى ما بعد كورونا و بقرار من رئيس الجمهورية، و لم يوزع على الأحزاب و
الشخصيات الوطنية لمناقشته، و الأهم، بل الأخطر من ذلك هو أن النسخة المزورة
التي يحوم حولها جدل كبير كما جاء في بيان رئاسة الجمهورية تضرب في العمق بعض
ثوابت الأمة وهويتها.

تحليلات البعض تشير إلى أن ما يحدث في الكواليس مجرد سيناريو أرادت من خلاله
السلطة معرفة موقف الشعب الجزائري و سماع نبضه خاصة ما تعلق بقضية اللغة
الأمازيغية و الإعتراف بالبعد و الثقافة الأمازيغية و إعطاء صلاحيات أكثر لبعض
المؤسسات ذات السيّادة، بعدها يتم تعديل ما يمكن تعديله أو اضافة بندا جديدا
قبل نشر المشروع في الجريدة الرسمية بصفة قانونية، حتى لا يحدث ماهم متخوفون
منه، وهو استئناف المسيرات الشعبية من جديد و عودة اللااستقرار، أمام المطالب
التي رفعتها بعض الأحزاب و هو ضرورة أن يحوز الدستور على الإجماع الوطني و هذا
طبعا يحتاج إلى عملية “استفتاء شعبي”، و أن يحظى بـ: “اعتراف دولي” مثلما ذهب
إليه في ذلك حزب التجمع الوطني الديمقراطي، فهل هذا يعني أن سيادة الشعب
والدولة تظل خاضعة للرقابة الأجنبية؟ و بالتالي إفشال مشروع الحراك الشعبي
الذي حمل شعار : ” لا للتدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للجزائر” مهما كان
عمق الأزمة التي تمر بها البلاد، و هو السؤال الذي يفرض نفسه على قادة الأرندي
ماذا يقصدون بعبارة “اعتراف دولي”، طبعا هناك أطراف في السلطة تريد أن تؤسس
لمجتمع “الميم” وتعميمها في الأوساط الشعبية كلها و لا تبقى منحصرة في حزب
معين، خاصة بعد ورود بند يقضي بمعاقبة كل من يحرض على “الكراهية” و “التمييز”،
هاته العبارتان هما في الحقيقة بديل عن “التغيير” و “العدالة”.

من السهل طبعا التلاعب بالمصطلحات، و ليس صعب على السلطة توظيفها في الوقت
المناسب، كأداة و ليس كهدف، فعندما نقرأ عن الحياة الدستورية نفهم منها أننا
نعيش في دولة القانون، يعني لا وجود لأيّ شكل من أشكال الإجرام أو التعدي على
الحريات، دولة تمارس فيها الديمقراطية و بشفافية، و للجزائر تجربة في تمرير
الدساتير و تعديلها منذ استقلالها إلى يومنا هذا، إلا أنها عاشت فراغا دستوريا
في كثير من المرات، و في فترات متعاقبة، فترة بعد الإستقلال ثم العشرية
السوداء و ثورة 22 فبراير التي لم تدم طويلا، السياسيون وحدهم يفهمون اللعب
السياسي و كيف يديرون طاولة الشطرنج، التضحية بالجنود مقابل الحفاظ على حياة
الملك، هكذا تدار شؤون البلاد، و ليذهب الشعب إلى الجحيم، أما المثقفون فهم خارج
اللعبة كما يبدو، ليس لأنهم لا يحشرون أنفسهم في السياسة، – لا- ، بل
لأنهم مستبعدون
من الآلية السياسية و يدركون نتائج اللعبة، بعد ملء فراغات ذات أهمية سياسية ،
و البقاء في النهاية للأقوى، أي لما يقرره الرئيس و محيطه.

و كما يقول ملاحظون فالنظام الجزائري الجديد سيكون نظاما رئاسيا كما جرت
العادة بعد القرارات التي اتخذها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، و لا يهم إن
قلصت العهدة الرئاسية إلى عهدتين أو ظلت كما هي، كذلك بالنسبة للعهدة
البرلمانية، و تعيين نائب رئيس الجمهورية، حول هذه النقطة يفهم أن نائب الرئيس
مرشح ليكون خليفة للرئيس في حالة مرض الرئيس أو وفاته لا قدر الله أو في حالة
تقديم استقالته مثلا، كما أن إلغاء المجلس الدستوري و استبداله بالمحكمة
الدستورية تجعل من القضاة الحاكم في البلاد، و إذا قلنا أن مطالب الشعب هي
بناء دولة القانون لا يعني توسيع الصلاحيات للقضاة أو تأسيس دولة القضاء كما
عبر عنها البعض، تكون لها حرية اتخاذ القرارات و التحكم في حق الشعب في تقرير
مصيره بنفسه ، و هذا يقودنا إلى الحديث عن الهدف من تغييب الإرادة الشعبية، و
حرمان المواطنين من المشاركة في بناء الجزائر الجديدة، و كان من المفروض أن
توسع لجنة إعداد مسودة الدستور من مهام المجلس الدستوري بحيث يصبح بالصيغة
التالية: ” المجلس الشعبي الدستوري” فيه يكون لممثلي الشعب ( خارج الأحزاب)
الحق في صياغة الدستور، و اختيار ممثلي الشعب لابد و أن تتوفر فيهم الشروط
التي تؤهلهم، أي موثوق فيهم و يحملون صفات المرابطين ( تاجماعت) و لا نقول
شخصيات وطنية لأن جلهم متحزبون.

كما أن المقترح المتعلق بإمكانية إرسال وحدات عسكرية إلى الخارج بموافقة
البرلمان، يطرح السؤال التالي: هل إرسال هذه الوحدات العسكرية إلى الخارج يدخل
في إطار التدريب؟ ” أو لأغراض أخرى متكتم عليها و من هي الدولة المستقبِلة؟ من
حق الشعب أن يكون مطلعا، حتى لا يتكرر نفس السيناريو، ثم من هو الأقوى درجة أو
رتبة أو له سلطة القرار إن صح القول، هل المؤسسة العسكرية أم البرلمان؟”، خاصة
و أن الطريقة التي يتم بها ترشيح النواب في أغلب الحالات لا تكون على مقاييس
علمية يشترط فيها النزاهة و الكفاءة، و قد رأينا في البرلمانات السابقة أشخاصا
غير مؤهلين ليكونوا ممثلين للشعب داخل قبة البرلمان، و أشخاصا آخرين تم
تعيينهم في “الثلث الرئاسي” أي بدون المرور على الإنتخابات، والواضح مما سبق
فإن الحديث عن “السياسة التشاركية” مجرد نفخ في المزمار و ليس نفخ في بالون،
أصدر العازفون عليه أنغاما يخدرون بها عقل الشعب من أجل إسكات صوته، و إخضاعه
للأمر الواقع .

و كما قال الدكتور صالح بلحاج: ” في جزائر اليوم مجتمع تابع للدولة، و دولة
تابعة لذوي النفوذ و المؤسسة العسكرية، و ينبغي أن تعوض هذه المعادلة بمعادلة
أخرى تتضمن طرفين: مجتمعا مستقلا نسبيا و دولة منبثقة من المجتمع، بذلك تصبح
الدولة الجزائرية دولة أمّة بمعنى الكلمة، و دولة الأمّة هي دولة المواطنة و
ليست سلطة سياسية تمارس السيادة على سكان إقليم معين ” ، نعم فدولة الأمة ليست
دولة جماعات مصالح و شبكات النفوذ ، فمطلب بناء جزائر جديدة، لا يكون بتغيير
الوجوه فقط أو بتعيين فلان على رأس مؤسسة ما، أو ولاية ما و إنهاء مهام آخر
منها و منحه منصب فوق العادة مثلا، بل بناء جمهورية شعبية ديمقراطية يكون فيها
الشعب هو السيّد ، دولة مبنية على أسس و مبادئ بيان أول نوفمبر، و مستمدة من
الشريعة الإسلامية طالما الدستور الجزائري يقر بأن الإسلام دين الدولة
الجزائرية، و هذا هو المشروع الذي غُيِّبَ في جميع الدساتير التي عرفتها
الجزائر، تبقى القضية الحساسة جدا و التي لم تتطرق إليها الأحزاب السياسية، و
لا ندري إن وردت في مسودة الدستور الجديد أم لا ، ألا وهي قضية تعيين “الثلث
الرئاسي” في الإنتخابات التشريعية، إن كان الرئيس الحالي سيختار مجموعته كما
دأب الحال في عهدة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، أم سيلغي هذا الإختيار،
فقد لوحظ أن بعض النواب الذين تم تعيينهم في الثلث الرئاسي لم يقوموا بأي دور
فعلي طيلة عهدتهم البرلمانية، ماعدا المصادقة على برنامج الحكومة، فلا أحد سمع
صوتهم و لا أحد قدم مشروعا يخدم الوطن و المواطن، و قد علّق أحدهم بالقول:
“نريد نوّاب مواقف لا نوّاب رفع الأيدي و إسقاطها”.

علجية عيش

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع