موجة الإسلام السياسي و استبداد البعث

تم إعدام المعرفي الشاعر الإسباني لوركا (9) في بدايات الحرب الأهلية الاسبانية عام 1936 ، وأيضاً بيكاسو (10) الذي جسد هول الحرب وكانت لوحاته معبرة عن مقاومة المعرفيين للسلطات الترهيبية، فيقول(11) ديفيد هيوم : “الزمن وحده هو الذي يمنح الاستقرار لحق الحكام ، ومن خلال تكييفه التدريجي لأذهان البشر يصالحهم مع أي سلطة ، بعد أن
” يجعلها تبدو عادلة ومعقولة
إلا أن ديونسيوس يرى أن القوة السياسية مؤسسة على ذاكرة متلاشية والنسيان هو العقار المقوي الذي يسمح للحضارات بأن تعمل بنحو فعال ، كل ذلك يجعلنا نؤمن بأن إرادة الجماهير الواعية والمصحوبة بإرادات الأفراد المبدعين والناشطين، يسهم في تلاشي الفجائع مع الزمن ويفتح الطريق للأجيال المستنيرة أن تبدل المآسي والفظائع مع الوقت، وما الحرية سوى وحش أخرجته السلطة القامعة من نفوس معتقليها وجماهيرها الغاضية ، حيث تنطوي النفس الغاضبة على حرية وحشية تقتحم المسكوت عنه وتنفث من أحشاءها نيراناً حمراء تحرق كل شيء حيث يقول هيجل في كتاب “فنومينولوجيا الروح” إن غياب الاختلاف مرتبط مع قوة الموت المدمرة ، أو بما يدعوه إرهاب الموت ”
تود السلطة البعثية إيجاد الفرد المنطوي ، العصبي النرجسي الغارق في عيشه مع نفسه ومعاناته داخل المعتقل، تريد فرداً يائساً محبطاً بعيداً عن السياسة وقد نجحت سلطة الأسد الأب والإبن في خلق هذا الأنموذج بالتقادم والتدرج، وقد استطاعت سلطة البعث السوري كما العراقي الامتطاء على البشر على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم ، ونجحت في تفتيت المجتمع وتأليب بعضه على بعض ، فكان ما يسمى بالوطن معتقلاً كبيراً يتزاحمه الخوف إلا أن غاص في مستنقع الفوضى اللامنتهية والذي عرف بالربيع الدموي ، التوحش الذي تعتني به السلطة الفئوية داخل معتقلاتها ظاهرة ليست بجديدة تاريخياً ، لكن يتم تطويرها مع الزمن عبر ابتداع أساليب التعذيب لحصد ردة الفعل ضمن إطار ممنهج يخدم السلطة نفسها لمواجهة خصومها الألداء، حيث إطلاق سراح الإسلاميين من السجون والمعتقلات ، أجهز على تلك الهبة الشعبية من بداياتها ، عبر شعار الله أكبر وانطلاقة الجموع المنتفضة من المساجد في كل جمعة ، لم يكن ذلك مصادفة وإنما خطة تم الإعداد لها بغية وأد الحراك وإخصاءه،فأمثلة العنف تم استجلابها من الكتب المقدسة التي تصف الحوادث المتعلقة بمراحل نشوء الدين وترسيخه سياسياً، والظروف التي دعت لتبلور ذلك حياتياً ، حيث عقل الفرد معبأ بمواد الانفجار على الصعيد الأسري والتعليمي، وكذلك عبر اختلاطه بالآخرين ، من الطبيعي أن تنتهز السلطة السياسية ذلك وتستعمل العنف عبر إدخاله في المنهاج التربوي التعليمي الذي تلقفه الطلبة منذ ذهابهم للمدرسة وانخراطهم في التربية والتعليم ، لقد حمى النظام البعثي نفسه حيث أخرج الإسلاميين من المعتقلات ليتم بواسطتهم تدمير الثورة وإزاحة ذوي الكفاءات القادرين على تحريك الشارع والرأي العام ، واستفاد بشكل أو بآخر من صعود الإسلام السياسي في تركيا والذي سخر هذا الأخير الإسلاميين لبلوغ غاياته في الدخول للملف السوري واستخدام الجماعات الإسلامية كوسيلة للهيمنة وكذلك فعلت إيران عبر تجنيدها للجماعات الشيعية وهكذا بدا التوحش عباءة إسلامية طائفية مشبعة بأسباب الحقد والكراهية فبسم إسقاط النظام جرى إسقاط الشعوب وقصف منازلها وقطع رؤوس الناس تحت مسميات وذرائع عديدة ، لهذا باتت الأصولية الإسلامية بمثابة الوحش المعاصر الذي يبقي على الاستبداد لأمد أطول ، لقد تم تغذيته بأصول القتل التاريخية ، وتطعيمه بالكثير من الأساليب الحديثة للإرهاب، لأن ذلك يسهم في الإبقاء على الهيمنة الأحادية على العالم ، وكذلك التدخل بمصائر الدول من خلال يافطة مكافحة الإرهاب الإسلامي ، حيث يتعارض الإرهاب مع الأخلاق والقانون ، يتعارض مع الحرية والديمقراطية وينتصر للفساد لكونه من مفرزات التفتيت الروحي للمجتمع، فالمفردات النابية والقاسية المحاصرة للمعتقل السياسي، تتعارض مع القيم والوجدان الإنساني وتخلق مآس فردية تظل آثارها زمناً داخل الإنسان ، هذا التدمير المعنوي لابد وأن يقود عبر مراحل لفقدان الحرية والكرامة ، فقد تم الإطاحة بالله تحت بند نشر شريعة الإسلام بالقوة ، وتم الإطاحة بالقانون عبر الدعوة لإسقاط النظام السياسي، إذ لا تتلخص الثورة بردة الفعل إزاء ممارسات سلطة معنية ، وإنما هي مجموع إرادات وأفكار تسعى للولوج داخل المجتمع المقموع لتكون نواة للتغيير وليس مجرد تصفيات حساب سلطوية بين طرف يسعى للهيمنة على السلطة وهدفة إسقاطها، واستبدالها بسلطة لا تختلف عنها، إن تلخيص الثورة بتبديل هرم السلطة بآخر هو تحوير فظيع للحقيقة الاجتماعية ومحاولة خبيثة للقفز على أحلام الناس في العدالة الاجتماعية والتحول الديمقراطي ، هذه الإستماتة في الوصول للسلطة دون التغيير في بنيتها ، جعل الفساد الاجتماعي ينمو ويزداد بإطراد على حساب مكافحة النخبة الواعية الباحثة عن سبيل للتغيير الجوهري وإيجاد مشاريع تنموية قادرة على تبديل الواقع القائم بخلق واقع أفضل، بيد أن الخراب الذي عمّ كل مكان ,والتراجع الاقتصادي
. ودمار البنية التحتية حال دون بلوغ الهدف المبتغى

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

إلغاء الرد

أحدث المواضيع

اختر كاتب

بالفيديو

شارك المقال