موت القارئ

حين أعلن “رولان بارت” (1915-1980)،وهو النّاقد والأكاديميّ والفيلسوف
الفرنسيّ رائد النَّزعة البنيويَّة في مقاله الذي نُشر سنة 1968 عن “موت
المؤلّف”، كان يقصد بهذه الصّيحة “ولادة القارئ” وحتميّة مواجهته للنّص بما هو
كيانٌ لغويٌّ قائم بذاته  معزول عن المؤلّف، ليكون حسب بارت: “نسيجًا من
الإحالات والاقتباسات المستقاة من بُؤَرٍ ثقافيّة لا حصر لها”1، ويصبح القارئ
حسب ” الفضاء الذي تُنقش عليه كلّ الإحالات التي تتألّف منها الكتابة دون أن
تفقد هويّتها … فالقارئ بلا تاريخ وبلا سيرة وبلا سيكولوجيا، هو فقط الشّخص
الممسك بكلّ الآثار التي يَتَشَكَّل منها النصّ المكتوب… فمولد القارئ يجب
أن يكون على حساب موت المؤلّف.”2

ولا يهمّنا في هذا المجال إنْ كان الفيلسوف محقّا في إقصاء المؤلّف أم غير
محقّ؟ فقد تناولت قضيّة مكانة المؤلّف في علاقته بنصّه، الدّراسات النّقديّة
الجديدة الما بعد بنيويّة وأعادت للمؤلّف اعتباره3.

لكن ما يثير اهتمامَنَا داخلَ هذا المناخ الفكريّ الذي أعاد بناء موقعه
الهندسيِّ ضمن مثلّث: المؤلّف/النصّ/القارئ، خاصّة في المجتمعات الغربيّة، هو
موقع القارئ في مجتمعاتنا العربيّة بشكل عام ومجتمعنا التونسي بشكل خاصّ. فهل
من حضور فعليّ للقارئ، يرغب في استهلاك هذا الزُّخم الهائل من الإنتاجات
الفكريّة والأدبيّة بجميع أجناسها؟  ألا يُعَاني اليوم المؤلف من عدْمِيَّةٍ
فعليّة قاتلة ويُكَابِدُ الكتاب جمودًا ثلجيًّا نتيجة لامبالاة القارئ بالأثر
وإعلانه دخولَ حالة “موت سريريّة”؟

لا يختلف اثنان حول مدى قيمة الكتاب أو النَّصّ عموما ومدى أهميّة ما
يحتويه من مضامين علميّة وأدبيّة وفنّيّة وتاريخيّة وغيرها مما يُنْتجه
الإنسان ويُعبّر عنه، وإن كنّا في هذا المجال نَخُصُّ بالذّكر النُّصوص من جنس
الأدب والفنّ نظرا لعلاقاتها القريبة بفكرِ أغلبِ النّاس وباحتياجاتهم
الوجدانيّة وبحقولهم القيميّة الإنسانيّة، والتي تُعتبر في مجموعها المغَذِّي
الأساسيِّ للفكر والعماد المركزي لأسسه النَّقديّة والمعرفيّة، إلى جانب ما
يحتلّه الكتاب من مكانة مُنْفَتِحَة على ثقافات الشّعوب المتنوِّعة وما
يُؤَثِّثُه من أركان تكوينية، معرفيّة، فنّيّة تنمّي فكر القارئ وتُدمجه ضمن
عمليّات تثاقفٍ يكون محوَرُها التّلاقُح والتّفاعُل والاثراء على مستوى الذّات
والمجتمع.

فلِمَ هذا العُزُوف عن الكتاب وعن المطالعة الذي أخذت دائرته تتّسع منذ ما
يزيد عن الربع قرن في مجتمعاتنا العربيّة دون غيرها؟

لا تبدو الإجابة على هذا السُّؤال سهلة، فالأسباب كثيرة ومتداخلة قد نقف عند
بعضها دون الجزم بكلّيتها. فهناك من الأسباب ما هو خارجي وما هو داخلي اقتصادي
واجتماعي وسياسي وخاصة تربوي وبيداغوجي. ولا يخفى على أحد أن هذه الأسباب رغم
تَنَوُّعِها ليست معزولة عن بعضها بل هي متشابكة ومتداخلة إلى حّد أن التّصدّع
الذي يَمَسُّ واحدا منها يأتي على البقيّة ويؤزّم المجتمع ككلّ.

وقد يبدو السَّبب الأوَّليّ والجوهريّ والذي يكون قابلا للتَّأثَّر والتَّأثير
في بقيّة العوامل الأخرى الخاصّة بكلّ مجتمع، هو الوضع المتردّي جدّا في
مجتمعاتنا العربيّة لأساليب التَّربية والمناهج التعَلُّميّة المتَّبعة في
مدارسنا ومعاهدنا1 وجامعاتنا. فمعظم المناهج التّعلّميّة المسلَّطة  على
الطّلبة ما تزال تميل إلى التّلقين والحفظ دون تدريبهم على تشغيل الآلة
الفكريّة بالاعتماد على آليات البحث والشّك والنّقد والتَّثبّت والتَّمحيص،
ولا يُمكن لهذه المهارات أن تُسَجِّلَ حضورَها الدّائم في ذهن الطّالب إلا
بشرط التَّعوُّد على القراءة والاطّلاع المستمرّ على مُنتجات الفكر بكلّ
أطيافه، ولا يمكن لها أن تنمو إلاّ بالمطالعة وبمصادقة الكتاب، فالنّص مهما
كان نوعه هو قبل كلّ شيء ذات وثقافة ووجهة نظر وموقف وإبداع أيضا بحاجة دائمة
للدّراسة والتّحليل والتّفسير ضمن علاقة تفاعل لا تنتهي مع القارئ. وقد يكون
لدور العائلة أهميّة قُصوى في ترغيب الأبناء منذ نعومة أظفارهم على محبة
الكتاب وأن تنمّي فيهم الرَّغبة الذاتيّة في التّعامل مع النّصّ بما هو
المؤشّر الجوهري للوجود والدليل السَّاطع على التَّعبير على ما هو إنسانيّ
فيه. لكنّ كيف يمكن للكتاب أن يحظى بحضور محترم في مجتمع أصبح همه الوحيد
الحصول على آلة رقميّة، هاتف جوّال أو لوحة متعدّدة الوسائط لكي ينغمس كلّيّة
في صفحات التواصل الاجتماعي دون أن يخرج في معظم الحالات بما يفيد الفكر وينمي
الزاد المعرفي إلاّ ما قلّ وندر من أخبار الساعة وربط علاقات افتراضيّة تفتقر
إلى المصداقيّة والواقعيّة. ورغم ما حدث من تطوّر هائل في المجال الرقميّ الذي
استجاب للبعد الفكري للإنسان ونذكر هنا بالخصوص القارئة الرّقميّة4Liseuse أو
الكتاب الرّقمي وما حقّقه من امتداد للمعلومات والمعارف بحيث يمكن أن نطالع ما
نشاء من الكتب ونجمع فيها عددا هائلا من العناوين دون تنقّل أو عناء كما تسمح
لنا هذه القارئة بما لديها من برمجيات داخلية من تعريف وتحديد ما يعترضنا من
كلمات ومصطلحات وترجمتها أيضا لأي لغة نريد. إن هذه القارئة الرّقميّة التي
سجلت حضورها الواسع عند المواطن الغربي وبقيت متصالحة مع الكتاب الورقي، قد لا
نجد لها أثرا يُذكر عند المواطن العربيّ، ولا يتمثّل السَّبب في عدم مواكبته
للتَّطور التّكنولوجي والرّقمي بل يكمن ببساطة في انعدام الرّغبة في المعرفة
والمطالعة، وفي رفضه العنيد للكتاب مهما كان نوعه.

ولعلّ من أهم الأسباب الخارجيّة التي كبلت عقولنا وساهمت مساهمة خطيرة
في العزوف عن العلم والمعرفة، المأساة التي أحدثها مشروع العولمة وما حدث بعد
فشلها فجر “الثَّورات العربيّة” من ترسيخ بديل لها كشّر عن أنيابه بتطبيق
سياسات “الاستعمار النّاعم” 4، وفي كلتا الوضعيتين، سعت الدُّول العظمى إلى
صناعة إنسان عربي، إفريقي، مغاربي… مُنقاد إلى إشباع ما يحتاجه وما لا
يحتاجه من البضائع والسّلع التي تُرضي نهمه البدنيّ وخلقت له مناخًا
استهلاكيًّا مؤثَّثًا بقيم النّجاعة والرّفاه واللّذة الحسيّة، وغيّبت فيه
غيابا شبه كلّي كلّ رغبة حقيقيّة في المعرفة والعلم فتبخّرت أو كادت لذّة
قراءة النصّ ومعاشرته وقتلت فيه الميل الطّبيعيّ للإشباع الفكري وإنمائه.
ولعلّ الخطورة التي تُهَدِّدُ كيان إنسان العالم الثَّالث مهما كان منبته تكمن
فيما بلغه في المقابل الإنسان الأوروبي الذي تفطّن إلى خطورة طغيان المادة على
الفكر فأوجد لذاته معادلة وازن فيها بين تحقيق الرَّفاه البدني مع المحافظة
على الرّفاه الفكري، فاعتبره المطالعة من السّلوكيات اليوميّة المقدّسة
والملازمة له حيثما كان وأينما كان. فلو قمنا بمقارنة سريعة بين نسب المطالعة
في مجتمعاتنا العربيّة ومثيلتها في المجتمع الأوروبي والأمريكي سنجد فوارق
شاسعة وصادمة. فحسب نتائج لجنة شؤون النّشر التّابعة للمجلس الأعلى للثّقافة
في مصر وحسب   تقرير التّنمية البشريّة الصّادر عن اليونسكو سنة 2003 تبيّن أن
كل 80 عربيّا يقرأ كتابا واحدا في حين يقرأ مواطن أوروبي 35كتابا في السنة
والإسرائيلي 40 كتابا، وفي مقارنة أخرى يُطالع الطّفل العربي سبع دقائق في
السَّنة، في حين يقرأ الطّفل الأمريكي ستّ دقائق في اليوم، والأوروبي يقرأ 200
ساعة سنويّا. ولا يخفى أن هذه النّتائج الخاصة بالمجتمع العربي تُعد مرتفعة
مقارنة بالزّمن الحاضر حيث بيّنت الإحصائيّات على هامش المعرض الدّولي للكتاب
لسنة 2017 أنّ المواطن التونسي يطالع في السّنة 0.7 كتاب.

تكشف هذه المقارنات وهذه النِّسب الخاصّة بالعالم العربي عموما ضخامة الكارثة
الثّقافيّة والعلميّة التي تعيشها الأوطان العربيّة، ورغم كون هذه النِّسب
تبقى غير ثابتة فإنّ الثّابت يفضح نفسه في الهوّة الشَّاسعة بين المثقّف
الأوروبي والمثقّف العربي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى إنّ الإحصائيّات السّالفة
الذّكر تعكس نوعيّة معيَّنة من الكتب المعزوف عن قراءتها وهي الكتب الأدبيَّة
والفكريّة والعلميّة أي تلك التي تفتح في الذّهن نوافذ من الابداع وتلاقح
ثقافيّ وفنيّ وحضاريّ وتشترط بالضَّرورة آليات الشَّك والتَّثبُّت والتَّحليل
والنَّقد…إلخ، في حين أنّنا نجد في المقابل إحصائيّات مرتفعة نسبيًّا
بالنِّسبة للكتب الدّينيّة وكتب الطّبخ وكتب الأبراج وليس غريبا أن نجد هذا
النَّوع من الكتب الأكثر مبيعات في معرض القاهرة الدّولي للكتاب وقد تشمل هذه
النّسبة المرتفعة معظم المعارض الدُّوليّة للكتاب في الوطن العربيّ، كما نلمح
أيضا نسب عالية في قراءة الصّحف التي تمتلأ بالأخبار العامّة وأحوال الطقس
والإشهار وأخبار مشاهير الفنَّانين…  ومن النّادر جدا أن تجد فيها ركنًا
محترمًا وجديًّا لأصحاب الفكر والأدب والإبداع.

ولعلّ ما يُضعف عمليّة إنعاش هذا “الموت السّريري” للقارء العربي عموما
والتّونسي بشكلٍ خاصٍّ، الوضع الاقتصادي الذي يعيشه المجتمع والذي يكابده
المواطن في معيشه اليومي مما يعكس غياب التَّفكير إطلاقا في اقتناء كتابٍ
ازدادت تكلفته على المؤلِّف أوَّلاً ثم على النَّاشر وأخير على القارئ،
فالنَّاشر لم تعد له رغبة جامحة في نشر أثر فكريّ أو أدبيّ أو غيره من الأجناس
الأخرى لأن الطَّلب والرَّغبة في اقتنائه تراجعت كثيرا، فيضطر المؤلّف على
طباعة أثره على حسابه الخاصّ فتقلّص بشكل مخجل عدد النُّسخ، فلم يعد المؤلف
قادرا على طباعة أكثر من 500 أو 1000 نسخة على أقصى تقدير، وهو رقم يبعث على
الأسى واليأس والإحباط حين نعلم أن دور النّشر في أغلبها قد ولّت ظهرها على
الكاتب وقتلته في المهد ثم حظر جنازته القارئ! بحيث يمكن لنا أن نصرُخ صرخةَ
فزعٍ لم يَعِشْهَا “رولان بارت” ولا أيّ مفكر أجنبي وهي “بموت القارئ قُتِلَ
المؤلّف مرتين على الأقلّ” في مجتمع تقلّصت فيه الرغبة الذّاتيّة في التَّفكير
والبحث والتّقدّم وتعَّمقت انتكاساته وممارساته الواعية وغير الواعية لترسيخ
مظاهر التخلّف الفكري والحضاري. فمتى تتحقّق لهذا المجتمع يقظة وعيٍ
تَنْتَشِلُه من الفقر المعنوي والمادي؟

الهوامش:

1-              راجع مقالنا: ” التّعليم بما هو تقنية والمعرفة بما هي قيمة”
ومقالنا: “الإصلاح التّربويّ ومراجعة المناهج التّعلّميّة”

2-              رولان بارت: “الموسيقى، الصورة، النص” مقال “موت المؤلف” ص 146

3-              نفس المصدر ص 148

4-              راجع مقالنا: هل من مصالحة بين الكتاب الرَّقمي والكتاب
الورقي؟”

5-              مع نهاية الثمانينات اتجهت النظريّة النقديّة إلى الاهتمام من
جديد بالتأويل فبرزت اتجاهات فكريّة مثل الاتجاه التّاريخي والنّقد الثّقافي،
التي اتّفقت جميعها على ردّ الاعتبار لكافّة عناصر النّشاط الأدبي والنّقدي
وعلى رأسها المؤلّف باعتباره مصدر النّص ومبدعه، كما توجّهت إلى المعنى
والموضوع والقارئ وإلى كل السّياقات التّاريخيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة
للنصّ.

6-              راجع مقالنا بعنوان ” من العولمة إلى الاستعمار الناعم”.

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

إلغاء الرد

أحدث المواضيع

اختر كاتب

بالفيديو

شارك المقال
%d مدونون معجبون بهذه: