مقارنة بين إشكالية الحداثة عند الأديب و المفكر نبيل عودة و مفكرين آخرين)

19

هل اجتياز “الماضوية” يعني التخليّ عن التراث؟
(مقارنة بين إشكالية الحداثة عند الأديب و المفكر نبيل عودة و مفكرين آخرين)
(رد على من يعتقدون أن الإسلام يشكل عائقا للإنخراط في الحداثة )

( الأفغاني دعا إلى حوارالحداثة مع إبعاد الإسلام عن”الغربنة” )

حقيقة ما يزال موضوع الحداثة كما يقول الأديب نبيل عودة يشغل بالالمثقفين والمفكرين في العالم العربي و قد أسالت هذه افشكالية حبرا كثيرا في مقالاتجادة وعقلانية طرحها باحثون و مفكرون في مختلف جوانبها الفلسفية والحضارية، لكن الملاحظةالتي قدمها الأديب نبيل عودة هي أن الكثيرين من أصحاب الرأي والفكر حصروا نصوصهم في إطار العلاقة بين الحداثة والأدب و لم يربطواالحداثة بالدين و السياسة مثلا ، حتى و لو كانت علاقة ما تربطهما و لا يمكن بايحال من الأحوال فسخها، سؤال وجيه طرحه الأديب نبيل عودة حول ما إذا أمكن تحقيقالحداثة بدون حرية اجتماعية و فكرية بدون مساواة و تعددية ثقافية؟ و هل يمكن تحقيقالحداثة بدون دولة مؤسسات و رقابة و استقلال السلطات عن بعضها البعض؟ و هو بذلكينطلق من الرأي القائم على فكر هيغل Hegel القائل بأن الغرب هوالنموذج للعالم، و هذا الرأي يعكس فرضية ياسبرس الذي تحدث عن وجود حداثات متعددة،إلا أنه تبقى الحداثة الغربية هي الأكثر تطورا بفضل قدرتها الفائقة على السيطرةعلى الطبيعة عن طريق التقنية و تطور القوى الإنتاجية و قوى الإتصالات

يقول الأديب نبيل عودة في مقال مطول له تناولفيه إشكالية “الحداثة” و جاء تحت عنوان: ” فكر الحداثة و تسخيرةلثقافة ماضوية” نشر في صحيفة المثقف أن الحداثة بجوهرها عند أصحاب فكرالحداثة العرب الذين ولدوا وتثقفوا بإطارها، لم تبدأ كظاهرة أدبية، بل توسعت إلىحد أضحت تشكل عالمهم الفكري وقاعدة وعيهم الاجتماعي، إذ يرى أنه لا يوجد فيالثقافة العربية اتفاق على تحديد مفهوم الحداثة، و أن ما جاء من تعريفات، فهيتعريفات لغوية تفتقد للمعرفة، و لم تأخذ بالإعتبار جوهر الحداثة و ما أحدثته من تغييراتعميقة في المجتمع البشري وفي التربية والتعليم، والرقي الحضاري بكل اتساعه الثقافيالتقني والعلمي، حتى التفسيرات التي قدمهابعض المثقفين العرب لمفهوم الحداثة كانت سطحية أو شكلية إن صح التعبير، فقد أراد نبيل عودة أن يقول بأن المثقفين العربوقعوا في كثير من الأخطاء عندما حاولوا أن يقرنوا مفاهيم فكرية فلسفية بعناصر منعالم الأدب، دون التطرق للجذور التاريخية للحداثة من اجل فهم القاعدة الماديةوالفكرية التي نشأت عليها، و لعل السبب الذي جعلهم لا يضعونه لها الإطار المعرفيالكامل، لأن هذا المفهوم و إن تمكن من فرض نفسه بقوة على مجتمع شبه قبلي،أو قبلي تماما، مجتمع ما تزال تسيطر عليه “الماضوية”، و لم يستطيعواالتخلص منها، فهي تعيق انطلاقة المجتمعاتالعربية نحو آفاق حضارية جديدة، بعيدة عن مظاهر التطرف والعنف الدموي، ثم أنالأديب نبيل عودة لم يحدد مفهوم “الماضوية ” في مختلف جوانبها التاريخية،العقائدية ، الفكرية و السياسية، هل الماضوية هي ترك كل ما هو قديم و التوقف عن اجترار الماضي، أي التخلي عنالتراث، و أن لا تكون هناك استمرارية أو تعايش فكري أو أي اتصال روحي مع الآخر.

و لووقفنا مع ما جاءت به بعض البحوث، نقول أنالحداثة هي تجربة تاريخية و منطلقا حضاريا، الدافع الرئيسي الذي يدفع المفكرين والمثقفين إلى إعادة النظر في التراث قصد بناء المجتمع العربي، لأن التراث هو ماضيالأمة العريق و هو ضارب في الأعماق، لدرجة أن مفهوم التراث اصبح من أكثر المصطلحاتتداولا على ألسنة المشتغلين بالفكر العربي، و قد اعتمده الفكر العربي المعاصربدءًا من تشكل المصطلح و المفهوم مع بداية النهضة العربية إلى الوقت الراهن إطارامرجعيا في بلورة القضايا و الإجابة عن أوضاعه السياسية، الإقتصادية، الإجتماعية والثقافية،و هكذا كان موضوع التواصل المعرفي موضع صراع بين الدارسين في مختلف العصور، و منخلال هذا الصراع لاحظوا أن الجديد يقتل القديم، و لا يولد الجديد إلا من رحم القديم،و كل قديم في عصره جليل، فقد تحدثت بعض الكتابات عن الأصمعي و كيف كان ينتصر لبشاربن برد الذي كان آنذاك من المجددين علىمروان بن أبي حفص، و هذا مثال له دلالةكبيرة على أن التراث هو سجل شامل ورثته الأجيال عن طريق المدونات الشفهية، وبالنظر إلى التكامل المتراص بات من الضروري دراسة هذا التكامل دراسة علمية بحتةحتى يتحقق ما يسمى بالتعايش بين القديم و الجديد، و من هذا المنطلق لا يمكن البحثعن الحداثة التراثية من خلال الحوار الثقافي مع الآخر و بين الأجيال.

لقد انشغل المهتمون بالدراسات اللسانيةالحديثة بالتراث و الحداثة و معايير توظيفهما في الإبداع العربي، و هل يمكن البحث عن مشروعحداثي معاصر وفق مستلزمات الوضع العربي الراهن؟ و هل يمكن علاج الثقافة العربية إذن بطريقة حداثية؟، إذا قلنا أن الحداثة تقاسبين فكر سياسي و ظروف اجتماعية و معرفية تنتج في ظروف تاريخية أخرى، كظهورالتكنولوجية و المعلوماتة ( مواقع التواصلالإجتماعي)، ثم أن الخطاب العربي المعاصر كما يقول المختصون انقسم إلى ثلاثةتيارات فكرية في تحدثد إشكالية الحداثة و هي : ( التيار الديني، الإصلاحي،الليبرالي و الإشتراكي) على اعتبار أن لكل تيار خطابا و مشروعا اجتماعيا في عملية التحديث، و هو مااشار إليه باحث جزائري و هو الدكتور مشري بن خليفة من جامعة ورقلة الجزائر، الذي طرحإشكالة أخرى تتعلق بالإسلام و الحداثة، للرد على بعض خصون الإسلام الذينيعتقدون أن الإسلام يشكل عائقاللإنخراط في الحداثة، ودعا إلى إمكانية التنظير لحداثة تتأسس من رؤية الإسلام ليخرجها من الرؤيةالإيديولوجية إلى فضاء السؤال و المعرفة المنهجية التي تجيب علميا عن هذا السؤال؟.

المسؤولية هنا تقع على دور المجامع العربية فيتحقيق هذا المشروع كالمجمع العراقي، فقدوجه هذا المجمع اجتهاداته لصيانة التراث العربي، و نظر إلى اللغة العربية كباعثللهوية من زاوية القدسية، فضلا عن الدورالذي لعبه المجمع العربي بدمشق و القاهرة، و في الحديث عن هذه المجامع فقد لعبت المخيلة الفنيّةالجزائرية الحديثة كعينة دورا جليا، جعلتها في منأى عن الأزمات المفتعلة بينالقديم و الجديد التي اندلعت في الأدب العربي الحديث، هذه المخيلة كما يقول اهلالإختصاص كانت تنمو و تتطور داخل فضاء فنّي شمولي بين القديم و الحديث، و لإرتباطهمابالهوية في الذاكرة الجماعية، تحقق هذا التعايش بين الأنماط الإبداعية بنسبة عاليةفي الساحة الأدبية الوطنية، لقد كان للتراث أثر كبير في النص الشعري الجزائريالحديث، كون الشعر كما يقول أحد الباحثين في الأدب العربي من أكثر المحاولاتالإبداعية انتماءً للماضي، و هذا يعني أن منطلقات النص الشعري الجزائري كانتإصلاحية محافظة، فعادة ما يعود الشعراء المعاصرين إلى التراث العربي و ينتقون منهرموزه، فيدخلونها في صميم أعمالهم الشعرية، و نفس الشيئ بالنسبة للرواية الجزائريةالحديثة كرواية نوار اللوز لواسيني الأعرج، فهي تشير إلى حضور التراث العربي الإسلامي،كذلك رواية “ألف عام من الحنين”لرشيد بوجدرة و هكذا..، اين يتداخل النص الخرافي و الأسطوري بالنصوص التراثيةالأخرى، و كما يقول المختصون فنظرة كل كاتب للتراث و طريقة توظيفه، فالأديب سواءكان كاتبا أو شاعرا أو روائيا أو قاصا أو حتى ناقدا ينظر إلى التراث نظرة شموليةفي إطار الصراع بين سلطة المركز و ثورة الهامش

لهذه الأسباب تأخر العالمالعربي علميا و تقنيا

و بالعودة إلى بداية ظهور الحداثة، يقولالأديب نبيل عودة أن جذورها التاريخية تقود إلى عصر التنوير الأوروبي ..، زمن يفصلعن مفاهيم التنوير و الحداثة، و هو بذلك ينتقد العالم العربي الذي وصفه بالمتأخر،لأنه ما زال يعيش في جهله، بدليل أنه فشل في إصلاح منظومته التربوية و لم يضبطبرنامج تعليمي صحيح و دائم، مجتمع مازاليعتمد على الآخر ( الأجنبي) في إنشاء مشاريعه، و لم يعمد إلى تكوين تكنوقراطيين وباحثين و علماء في مختلف العلوم و الأبحاث مقدما في ذلك السعودية كنموذج، و لا نظنأن أحدا يختلف معه حين قال أن مجتمعاتنا العربية تفتقد لأول شروط الحداثة ، من هذه الشروط التنوير و الديمقراطية، التعدديةالثقافية و الدينية و السياسية، و قال أن جزء من الحداثة يتعلق بموضوع المصارحة والمكاشفة، و تقبل الحداثة في نظره هو أن نكون صريحين مع الآخر، و متقبلين للآخرالمختلف، كما لا يختلف أحد مع الأديب نبيل عودة في القول أن الخطأ في مفهوم الحداثة في العالم العربي جرىحصره بإطار الأدب فقط، لأنه تيار فني و ليس تيار فكري و فلسفي و لذا ظلت الحداثةبمفهومها الإجتماعي و السياسي مستبعدة و غير قادرة على اختراق المجتمعات العربية،بسبب وقوف المحافظين ( المتعنتين كما قال هو) في وجه الحداثيين و محاربتهم للحداثة و للتغيراتالإجتماعية و الثقافية و يدعون إلى التمسك بالأصالة و التراث و التقاليد، قد يفهم البعض أن الأديب نبيل عودة يطلق قنابلهعلى التيار الإسلاموي المتشدد الذي يقف ضد الحداثة و ليس المعتدل، ليوضح أن لكلعصر ميزاته الإجتماعية و الحضارية، و الحضارة لا تتوقف في مكان ما مكتفية بماانجزته، و التوقف يعني التخلف عن الحضارات الأخرى، لكن السؤال الذي يمكن أن يطرحهنا هو كالتالي: هل يمكن أن نربط الحضارة بالحداثة؟، و إذا حافظنا على الحضاراتالقديمة يعني اننا نحافظ على تراثنا، و لكل أمّة حضارتها.

أما أن نقول أن من مميزات الحداثة هو قدرتهاعلى نقد ذاتها بعد كل مرحلة و تصويب الخطأ و مواصلة الإنطلاقة، و أن مشكلة العربهي رفضهم لمصادر الحداثة، أي حركة التنويرالأوروبية التي استفادت في وقته من الفكر العربي و قادت المجتمعات الأوروبية إلىنقلة نوعية في كل مجالات الحياة و التقدم بهذا ما لا يتفق معه البعض، لأن التصورالأوروبي للحداثة أصبح ينتقد الحداثة نفسها ( أي ينتقد نفسه و مشاريعه)، و يطرحإشكالية ما بعد الحداثة، الأمر طبعا مرتبط بالقناعات، و لكل مجتمع قناعاته، خاصة المجتمعاتالدينية ( الأصوليون) التي ترفض التسييس الجوهري لجميع ظروف الحياة في عمليات التحديثو ذلك حفاظا على هويتها، و لا يعني ذلك أن هذه الجماعات هي جماعات مغلقة بل تريدالعيش في سلام على الطريقة التي تريدها هي، و لا تفرض مفاهيم مطلقة على من يحيطونبها ، و هذا ما يسعى إليه التيار السلفي المعتدل، الغربيون يضربون المثل بعائلة يودر الآميشية AmischYoder Family، التي تحدث عنها مارتين مارتي Martin Martyإذ يرىد أفرادها فرض مفاهيم مطلقة للخير و الشر على الرأيالعام و قد يستخدمون العنف لتحقيق هذا الغرض ( أنظر كتاب صراع الأصوليات لهاينريشفيلهلم شيفر)، و هذا ينطبق حسب الدراسة على الحركة الخمسينية في فترة الحداثة التيشهتها أمريكا اللاتينية و الصراع الذي دار بين الحركات الدينية، اتبع بعضها استراتيجيات سلطة سياسية و اقتصادية عدوانية.

تشيرنفس الدراسة أن الحداثة جاءت إلى الثقافات الإسلامية في صورة الإستعمار الفرنسي والبريطاني و قد كانت ساعة ميلادها في الشرق الأوسط في عام 1798 في المعركة التيدارت رحاها أمام الأهرامات و ارتبط اسمها بنابليون، ثم اتسعت و تطورت بتأثير بريطاني،ثم معركة التل الكبير عام 1882 ، و في الهند أطلق سيد أحمد خان حركة عليكرة Aligargh من اجل النهوض بالقوةالإسلامية عن طريق الثقافة الغربية، و لتحقيق هدفه ابتعد عن الأمّة من منظورها التراثيي، و دعا إلى التنوير الأوروبي و فصلالدين عن السياسة، و لكن حركته واجهت ردا عنيفا من البريطانيين فكانت نهايتها الفشل،في المقابل نقرأ عن الأفغاني الذي دعا إلى حوار الحداثة مع إبعاد الإسلام عن”الغربنة”أي دون أن يصبح الإسلام غربيا، عكس “الوهابية” التي نظرت إلى الحداثةبمنظار تكفيري عدائي، و في سعيها للحفاظعلى النظام الثيوقراطي أي الحكم الديني ، تلجأ عادة إلى التراث الديني و تحاولفرضه على المسلمين حتى لو كان لام يعد يتماشى مع التطورات الحديثة.

سؤالوجيه طرحه الأديب نبيل عودة حول ما إذا أمكن تحقيق الحداثة بدون حرية اجتماعية وفكرية بدون مساواة و تعددية ثقافية؟ و هل يمكن تحقيق الحداثة بدون دولة مؤسسات ورقابة و استقلال السلطات عن بعضها البعض؟ ، كانت الإجابة التي قدمها الأديب نبيل عودةبالنفي ( السلب) عندما أشار بأن أهل الشرق أي العرب و المسلمون مازالوامتخلفين بـ: 200 أو 300 سنة على الأقل عنعصر التنوير و على حد قوله هو فكل صراع أهل الشرق حول التراث و الحضارة لا يخرج عنحدود التمويه للحقيقة و خداع للنفس و هو بذلك ينطلق مع الرأي القائم على فكر هيغل Hegel القائل بأن الغرب هوالنموذج للعالم، و هذا الرأي يعكس فرضية ياسبرس الذي تحدث عن وجود حداثات متعددة،إلا أنه تبقى الحداثة الغربية هي الأكثر تطورا بفضل قدرتها الفائقة على السيطرةعلى الطبيعة عن طريق التقنية و تطور القوى الإنتاجية و قوى الإتصالات.
علجية عيش

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع