مراجعة الحق مِحَكّ الشجاعة

15

من الأمور التي لا يقدر عليها إلا من حظي بنصيب وافر من الشجاعة هو مراجعة
الحق بعد معرفة الخطأ، والاعتراف بحقيّة الجانب الآخر، وإخبار الحاضرين بخطئه.
إن هذا من عمل الشجعان الأقوياء وأما الضعفاء والجبناء فليسوا من المرشّحين
للبروز في هذا الميدان.
كنموذج، تلوح هذه الشجاعة في سيرة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، في عدة مواقف
سجلتها كتب التاريخ والسير، منها: أنه خطب يوما فقال: “ألا لا تغالوا في صدقات
النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول
الله (صلى الله عليه وسلم) ما أصدق قط امرأةً من نسائه ولا بناته فوق اثنتي
عشرة أوقية. فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا !
أليس الله سبحانه وتعالى يقول: “وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً”،
فقال عمر: اللهم غفراً، كل الناس أفقه من عمر، ورجع إلى المنبر وقال: أصابت
إمرأة وأخطأ عمر. ألا فليفعل رجل في ماله: ما بدا له”.
انظر إلى هذه اللوحة الرائعة التي أودعها عمر التاريخ. وانظر إلى الشجاعة
النادرة ! حيث لم يراجع الحق فحسب بل أعلن على رؤوس الأشهاد: “أصابت إمرأة
وأخطأ عمر”، وهو أمير المؤمنين! وظاهر أن هذه المراجعة الصريحة تحتاج إلى
الشجاعة قبل الصفات النبيلة الأخرى المتوفرة في عمر رضي الله عنه.
إن هذا مما يمكن أن يقع لكل واحد منا في حياته اليومية، غير أن الوضع يكون
مختلفا بحكم واقع الأشخاص، فقد يكون مع الجمهور، وقد يكون مع الأسرة، أو في
محل العمل، أو بين المرء وصديقه. المهم أن الموقف محكّ الشجاعة فلا ينجح فيه
إلا من يتحلى بالشجاعة، فالجبان لا يقدر على الاعتراف أمام شخص واحد، وناهيك
عن الاعتراف أمام الكثيرين.
إذ يندلع في هذا الموقف صراع شديد بين المرء ونفسه، فالنفس تخوّفه حط منزلته
وهوانه على الناس، إذا اعترف بالخطأ، وتقول له: “لا بأس أنك أخطأت، والمهم هو
انتباهك أنت للخطأ، فأيّ حاجة إلى إنباء الخصم والآخرين؟”، هكذا تعرض عليه
الأمر سببا لذهاب عرضه ونزول قدره، مع أن مراجعة الحق لا تزيده إلا رفعة وعزا،
وهي رافعة وليست خافضة.
قد يحدث مثل هذا في الصف بين المدرس وطلابه، عندما يخطئ المدرس في شرح مسألة
أو الإجابة عن سؤال فيستدرك خطأه طالب في الصف، فلا يقبل كلام الطالب في
البداية، وقد يستشيط غضبا، ثم ينتبه لخطئه وإصابة الطالب، إما في نفس الوقت أو
عند مرجعة المسألة فيما بعد، فلو كان جبانا ضعيفا فهو يتمادى في الباطل، أو
يلوي لسانه فرارا من الاعتراف بالخطأ، ولأن يلقّن الطلاب المسألة بوجه خاطئ
ويُشرعن خطأه أسهل له وأقل كلفة من الاعتراف! أما الشجاع القوي فيعلن أنه مخطئ
والطالب مصيب، فيثني على ذلك الطالب، محوّلا ما حدث فرصة لتشجيعه ومنحه الثقة
بالنفس، ومهمازا لدفع الآخرين نحو الاجتهاد والاهتمام بتحضير الدرس قبل الحضور
في الصف.

قد حكى الأستاذ الكبير الأديب القاضي علي الطنطاوي، قصة من هذا القبيل حدثت له
في الصف، دعوني أنقل لكم القصة كما ذكرها الأستاذ في ذكرياته (٢٩٠_ ٢٨٩/ ٦):
“لما جئتُ مكة أدرّس في كلية التربية سنة 1384هـ ق. جاء ذكر مسألة فقهية
ذكرتُ فيها الحكم في مذهب الإمام أحمد، فقام أحد الطلاب يرد عليّ بأدب بأن
المذهب ليس على هذا وأن المسألة ليست كما ذكرت. فأطلت لساني عليه وقلت له: لقد
درست اثنتي عشرة سنة حتى وصلت الجامعة وأنت لا تعرف الحكم في المذهب الذي يمشي
عليه أكثر الناس في هذه البلاد. وكلاماً من أمثال هذا، ما كان لي حق فيه وما
كان بيدي مسوّغ له، وهو ساكت لا يجيب.
فلما رجعت إلى الدار فتحت كتب الفقه الحنبلي، فإذا المسألة كما قال الطالب لا
كما قلت أنا !!
أفتدرون ماذا صنعت؟ جئت في الغد فقلت للطالب: أنا أعتذر إليك، لقد كنت أنا
المخطئ وأنت المصيب، وأعتذر إليك مرة أخرى لأنك كنت مهذّباً ولأنني لم أكن في
التهذيب على ما يُطلب من العلماء فسامحني.

هل تظنون أن هذا الموقف نقص احترام الطلاب لي أو تقديرهم إياي ؟ لا؛ بل أؤكد
لكم أنهم زادوني تقديراً وأنهم استفادوا منه درساً لعله أكبر من الدروس التي
تستفاد من الكتب!”.

📝سيد مسعود_ ايران

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع