محمد عمارة حارس قيم الأمة

20

و أخيرا يترجل الفارس عن صهوة جواده بعد معارك كثيرة خاضها مدافعا عن هوية
الأمة ضد خصوم فكريين من غلاة اليسارييين والليبيراليين الذين أرادوا تغيير
التوجه الفكري لأمة عريقة في الحضارة وكان سلاح محمد عمارة رحمه الله القلم
والكتابة ونشر الفكر والوعي و إماطة اللثام عن الشخصيات العلمية التي ساهمت في
وضع القطار الحضاري أمام سكة الأمة العربية الإسلامية بعد قرون من التخلف
والاستعمار والتغريب .
بدأ محمد عمارة رحلته الفكرية معتنقا الاتجاه اليساري مدة عقد من الزمن فكان
أحد ألمع وجوه اليسار المصري وفي فترة اعتقاله التي دامت خمس سنوات ونصف
(1959- 1964) قام محمد عمارة بمراجعات فكرية عميقة وبعد دراسة متبصرة وتأملات
عميقة اقتنع بالتوجه الإسلامي وكانت بدايته الحقيقية في الكتابة عن الفكر
الإسلامي ورموزه و الرد على خصوم الإسلام ودعاة الحرية والديمقراطية والمشككين
في خيارات الأمة و معتقدها تارة بدس الشبهات ونشر النعرات وتارة باسم القراءة
الجديدة المعاصرة للدين فظهر تيار تنويري فهمه سقيم للإسلام وحضارته فكتب
كتابا بعنوان “الإسلام بين التنوير والتزوير” و هؤلاء التنويريون في حقيقة
الأمر هم مزورون ،لم يقرأوا الإسلام ولا حضارته قراءة واعية تنشد الحقيقة و
إنما هم مدفوعون من تيارات وقوى أجنبية تريد إسلاما على مقاسها .
أهم ما يميز المفكر الإسلامي”د. محمد عمارة ” هو تفرغه لمشروعه الفكري منذ
البداية فرفض أي وظيفة تبعده عنه واعتبر أن الوظيفة رق وعبودية ووجد صعوبة في
بداية حياته وبعد ذلك تحسنت ظروفه المادية ،كان تفرغه الكامل للكتابة والبحث
هو سر هذه الغزارة في التأليف وصلت كتبه إلى 300كتاب ومخطوطات كثيرة ومقالات
دورية كان يكتبها في الصحف والمجلات على مدار عقود من الزمن .
ولم يعش محمد عمارة في برج عاجي ،كان إنسانا متواضعا يتفاعل مع البسطاء فرغم
شهرته وظهوره الدائم في وسائل الإعلام إلا أنه عاش بسيطا وهذا ليس غريبا على
مفكر ملتزم بآداب دينه وقيمه السامية وشريعته السمحة وكان يقدس الأسرة فعلم
ولديه حب الكتاب والقراءة ورغم ابتعادهما عن تخصصه الفلسفي فابنه الكبير أستاذ
الطب وابنته باحثة في علوم الأحياء والذي يجمع الأسرة هو عشق الكتاب والقراءة
المثمرة .
هل توقف مشروع المفكر الإسلامي الكبير “محمد عمارة “؟سؤال وجيه قد يطرحه محبوه
ومتابعو كتاباته ونقول بكل وضوح :إن مشروعه الذي أوصى أسرته و تلاميذته أن
يواصلوا فيه سيستمر فالبذرة الطيبة التي غرسها من سبعة عقود وتحولت إلى دوحة
ستنبت بجوارها أشجار أخرى يستظل تحتها أبناء الأمة هربا من هجير التغريب
والتشويه والهدم ،وسيأتي يوم وتكون أفكار محمد عمارة منهجا تستنير به الدول
والأنظمة العربية الإسلامية لتنطلق من جديد نحو بناء حضاري وتخرج من التبعية
وسجن التقليد الأعمى فرحمك الله أيها المفكر وجعل كل حرف كتبته وكل كلمة قلتها
في ميزان حسناتك .
*الكاتب والباحث في التنمية البشرية:شدري معمر علي *

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع