محطة رقم 9 الفرزة الخامسة
عطا الحاج يوسف منصور
ذهبتُ مستبشرًا في اليوم التالي الى إدارة المدرسة وكان كاتبا المدرسة هما محمد الملقب بأبي سُـليك وإبراهيم وهو من أهالي العزة موجودين فأمليتُ اسـتمارة التقديم وحددتُ أولوياتي بالاسـتمارة وهي كلية التربية وكلية الآداب ثم كلية الحقوق وبعدهنّ تأتي الأُخريات وتم تسليمي الاستمارة فطالباني بشهادة عدم المحكومية فذهبتُ الى مركز شرطة الكوت فوجدتُ الشرطي كاظم والد جواد أبو العوجه / وكان في عكد الاكراد ثم انتقل قريبًا من دارنا في بداية السبعينات في دار المجبرجي زغير الذي سُــفّر وعائـلته في أول دفعة لتـسـفير العراقيين لإيران مع مصادرة البيت ودكّانين كانا في المـشروع/ والـشرطي كاظم مختص بأخذ بصمات الأصابع/وقد سبق وأخـذ بصمات أصابعي عند صدور قرار المحكمة العسكرية/ تَـمّ أخـذ بصمات أصابعي وزودني بكتاب موقع من مدير شرطة الكوت آن ذاك/عدنان أبو زهير/ فعُـدتُ الى المـدرسـة وتـسـلمها إبراهـيم مني باعـتـبار أن الطلب تحت المعاملة لحين صدور شهادة عـدم المحكومية الاصلية من دائرة التحقيقات الجنائية وهـذا إجـراء معـمول به لتمشية المعاملات ولا يؤثر على تقـديم طلبي للجامعة وفي أثـناء عـودتي خطر على بالي خـاطرٌ ولـيته لم يخطر فـبه كانت الخَـطـوة الأولى لضياع حـلمي وإصابة دراسـتي الجامعية بـمَـقـتَـل.
والخاطر هـو أن أسـتعجل بالحصول على شـهادة عـدم المحكومية قـبل أن تأتي الـنـتـيجة من دائـرة التحقيقات الجنائية في بغـداد وهـذا إجـراء يُعـمـلُ به عـند الاطمئـنان الى الـشـخص وبوسـاطة أبي سـعـد الحـديـثي مـدير سجن الكوت وبطلب من عمي الحاج نوري اتصل أبو سـعـد بمدير شـرطة الكوت/عـدنان أبو زهير وعُـدتُ الى مركز الشرطة مبتهجًا وبوجهي الى الشرطي كاظم فأعطاني شهادة عدم المحكومية بعـدد وهـمي لم يـدخل الى السجل العام لكن بتأريخ ذلك اليوم وجاء في نَـص القانون الذي يُجـيـزُ منح شـهادة عـدم المحكومية ما نَـصّـهُ/ لا تُمنح شهادة عدم المحكومية لِمَن ارتَـكَـبَ جنايةً أو جُـنحةً مُخِلّةً بالشرف/ يا سلام هذا قانون محترم لا يشمل المحكومين سياسيًّا/ فـتسلمتُ النسخة الاصلية لشهادة عدم المحكومية ثم عُدتُ على وجه السرعة بدراجتي الهوائية الى المدرسة فوجدتُ كاتبيّها وسَـلّمتُهما الـشهادة وهي النـسخة الاصلية وسحبتُ كتاب تحت المعاملة إنها نشوة ويا لها من نشوة قد غمرتني سـاعتها فقـد أتممتُ أوراقي ولم يَبقَ الا وقـت انتظار بـه إعـلان نـتائج القبول في احدى الكليات التي درجتُ أسماءها والامر محسوم وهذا هو ما أصبو اليه.
مـرّ على تقـديم الطلب اسبوعان أو أكثر فسافرتُ الى بغداد أترقب موضوع فرز الاستمارات وتوزيع المقبولين على الكُلّيات وكان محـط رحالي كالعـادة في بيت خالتي حيث ملتقاي بصديقيّ صِباي ابني خالتي الحاج نصرت ومحمد وبعد يومين أو ثلاثة أيام عند العصر يأتي ابن عـمي سامي يحمل رسالةً شفهيةً من عمي عبود يطلب فيها مني سحب شهادة عدم المحكومية لكوني محكوم فكان جوابي أن ينتظر لحين فرز الاستمارات والموضوع لا يتطلب الخوف لأن شهادة عـدم المحكومية لم تدخل السجل في مركز الـشرطة لأن عـددها وهـمي،ولكن بعـد يومين يعـود لي برسالة تهديد ووعيد من عمي عبود على لسان مدير شرطة الكوت/ عدنان أبو زهير/ وأتذكر أن مدير الشرطة عدنان حكى سـبب تسـمية ابنه زهـير فقال: كان لي موقف مع طاهر يحيى/والموقف مؤلم له إلا أنه لم يتحدث عنه ثم قال وعندما صار لي ابنٌ سَـمّيتُهُ بـزهير حتى لا أنسى طاهر يحيى الملقب بأبي زهير/ سـمعتُ هذا منه فاسـتغربتُ من هـذا / تَـذكرتُ قوله هذا ولكيلا أضع مَـنْ سـاعـدني في موقـفٍ محـرجٍ قـد يتطور الى مشكلةٍ لا تقبلها أخلاقي/ قـلتُ في نفسي احسب هذه السنة رائحه مثل السابقتين اللتين ذهبتا. أخبرتُ سامي أن أسحبها غـدًا وأُسَلّمها لكنّهُ أصر على أن يأخذها بيده حسب التوصية وفي صباح اليوم التالي ذهبتُ لدائرة التسجيل العامة للطلبة وقابلتُ مديرها العام وهو أخو أبي قـبس مدير المال أو مديـر الخـزينة في محافظة الكوت وشرحتُ له الموضوع فأوضح لي شيئين/في حالة سـحبي لملفي سـيسقط حـقي في هـذه السنة وإذا أمْـكنَ لي أن أنـتظر فـبحدود عـشرة أيام سـيتم توزيع مَـلَـفّـات الطُلاب وبإمكاني سـحبها من الفايل فقررتُ سـحب فايلي لأن الوضع لا يستحمل الانتظار وبي حسرةٌ وألـمٌ فـسحـبتُها من مَلَـفّي وحَكمت على حُـلمي بإكمال الدراسة بالإعدام وقد تـسلمها إبن عـمي مني عـند الظهر حيث عـاد بها للكوت وودّعـتُ عامًا من عُـمُـري ولا أدري مَنْ أُحَـمِّـلُ هذا / هل كان السبب اسـتعجالي الذي لا موجب له أم الـسبب هو الشرطي كاظـم الذي نَـســيَ أولـيات موضـوعي وأخـبـرني بعـد مُـدّةٍ أنّـه نـسي موضـوعي الـسابـق أم يـتحـمله مـدير الـشرطة عـدنان أبـو زهـير الذي كان بإمكانه التغـاضي على الموضوع ما شاء أن يـتـغاضى من الوقـت وذكـر لي الحاج نصرت أنّه طرح موضوعي وما حصل بشأن عدم المحكومية على أحد أصدقائه هو العقيد أديب الجميلي وكان جوابه هذا شيعي جبان/ كل هذه تساؤلات،ولكن يبقى ألأهم هو النَصُّ القانوني الذي حدد عدم منح شهادة عدم المحكومية بالشخص المحكوم عليه بجناية أو جُـنحةٍ مُخِـلّةِ بالـشرف ولا أدري ما عـلاقة الجـناية أو الجُـنحة المخلة التي ارتكبها المحكوم لأسبابٍ سياسيةٍ كي تُمنع عنه وما معـنى الـشرف في دولة قـوانينها تُـقـرأ بوجهـين حسب مزاج السلطة التنفيذية وكُنتُ أعلم أنّ هناك من السياسيين مَنْ أكمل دراسـتَهُ وهو بداخل السجن إنّها تساؤلات أتركُ جوابها الى القارئ.
بعـد هذا حـدثـتـني نفـسي ولـيـتها لم تُحـدّثـني أنْ أُفـاتح أخي نافـع الـذي كـنتُ مراسـله الحـزبي والمُخاطر من أجله كي يُـساعـدني بالحصول على كرسي دراسي في جيكوسلفاكيا وقـد عَـلِمَ بموضوعي من طقطق الى سلام عـليكم فأجابني/ أنّ الـتقديم في هذا العام الدراسي قد انتهى أي عام 1964/1965 ووعـدني بـتـقـديم طلبي في
السنة القادمة 1965/ 1966 وفاتـت السـنةُ وعبرتُها فوعدني على عام 1966/ 1967 وفـاتـت وعبرتها أيضًا ثم وعدني على عام 1967/1968 وهنا قـرأتُ ما في نفـس أخي نافـع وهـو كما يقـول المَـثَـلُ الدارج / أواعـدك بالوعـد واسـقـيك يا كمون/ وهذا ما لم أتوقعه منه وهو أقـرب الناس لي ومواقفي لا يُـمْكِن أن يـنسـاها فأضاع عـليَّ بوعـوده فرصة التقـديم للكليات العراقية وفـرصةَ امكان إعـادة الامـتحان وتعـديل درجات بعض الـدروس حـسب الـقانون المصري المطـبق بالعراق والاهـم هـو ضياع ثلاث سـنوات من عُمُري لا تُعوض ولن تعودَ أبـدًا والتي اضاعها مني أخي نافع وهو الذي أسـماه والدنا بنافع ولم أجـد له معي موقـفًا واحـدًا نافـعًا.
مما اضطرني أن اكتب له رسالةً أعربتُ فيها عما في نفـسي وغـلقتُ ملفّي معه فاشـتكاني برسـالة الى والـدي فتحزب له مَنْ تحزب من أهلي فجابهتُهم بالحقيقة وأسـكتُهم وسأكمل حديثي عنه عـند سـفري له عام 1971.
وقد تذكرتُ قول الشاعر العربي وهو يقول في أخيه:
أراه أخي ما لم تكن لي حاجةٌ ….. فإن عرضتْ أيقنتُ لا أخٌ ليا
وهنا الشاعر يقول عند طلبه الحاجة من أخيه الذي يتنكر عن اخوته عند طلبها منه .
أمّـا اخي نافع فهو نوع أخر في أخوته وقولي فيه:
يراني أخاهُ حين يسألُ حاجةً ….. فإنْ قُضيتْ ما عاد يسألُ عـنّـيّا
وبعـد أن يـئستُ منه توجهتُ خلال تلك الفترة الى أن أتـقـدم على جـبهتين الأولى وهي الـبحـث عن وظيفة وكانت محصورة في دائرة مجلس الخدمة العامة في بغـداد والجبهة الأخرى هي التقديم الى الكليات الاهلية ولا يوجد غـير الجامعة المـستـنصرية التي أعرفها في ذلك الوقت أو الـتوجه الى الـسفارات العـربية وكانت مصـر هـدفي ولَـمّا كان الوضع المالي لوالـدي تحت الصفر فضلّتُ أن أقدم طلبي الى المُستنصرية عام 1967/ 1968 الدراسي/ وعلى عـين الـيـتـيمة غـاب القـمر/ كما يقـولُ مثلنا الـدارج حيث لم يَـتم قـبول طلبي وتحـدد القـبـول بالطلاب الناجحين بـنـفـس السـنة وبالتي سَــبَـقَـتْها أي 1966 / 1967 وبهذه الحالة انتهى أملي بالـخـيـبةِ.
ولم يَـبقَ عـليَّ إلّا أن أتـوجه الـى خـالي عـبـد الامـير لأطرح عـليه موضوع دعـمي ماديًّـا لإكـمال دراسـتي في مِـصـر وهـو الذي احتضننا من نعومة أظـافرنا وهـو الذي يَـمـدّ نـافع بالـتحويلات المالية فـتـوجـهتُ الى مكتـبه وكان في وقت العصر فوجـدتُـه على باب المكتب عـازمًا عـلى الخـروج فـطـرحـتُ موضـوعي عـليه فـكان بـيـنَ بـيـنٍ بمعنى أنّـه متردد حتى تـدخل أحـد المُـسـتأجرين الـساكنين في إحدى شـقق عـمارته المقام خلفها مسكنه والواقع بشـارع النضال وبـتـدخل المُـستأجر لصالحي يوافـق خالي على مُـساعـدتي بشـرط استحصال موافـقة الـسفارة المصرية فـذهـبتُ في الـيوم الـتالي وأخرجـتُ وثيقـةً جـديـدة وخلال أيام أتـمـمتُ ما مطلوب وأوصلتُ الخبر اليه عن طريـق خالـتي لكون خالي يُـفضل الـنـزول والمبيت عـنـدها في قـدومه الى الكوت لـقـضاء بعض أعـماله وبـعـد أيـام أبـلـغـتـني والـدتي أن خـالي سـحـب تـعـهـده وغـير رأيـه فاسـتـغـربـتُ لذلك ولأنـي لا أتـرك الموضوع دون أن أعـرف الـسبب والمُـسبب فألححتُ عليها حتى أخبرتني وقالتْ لي نقلًا عن خالتي: أن عمي عـبود أخبـر خالي [أني سـأكون كأخي نـافع أضع بنتًا عن يـميني وأخرى عن يساري] وهذا نص ما قالته أمّي نقلا عن خالتي فقلتُ لأمّي: وأين رأى عـمي هـذه الصورة عن نافع فـقالت: لا أدري فـقارنـتُ بين موقف عمي الذي فعـلها سابقًا معي ومع نافع وسـعـيد عـندما كُـنّا في الابـتـدائية وبين هـذا الرجل الـغريب الـذي وقـف الى جانبي في لقائي الأول مع خالي في باب مكتبه وتذكرتُ قصة هابيل وقابيل بالقران المجيد التي لَمَستُ حقيقتها تَـتَجسّم بأخي وعمي عبود والقتلُ نوعان الأول قتل جسد والآخر وهو الاقسى تحطيم نفسية الشخص المعني.
**********************
الدنمارك / كوبنهاجن الأربعاء في 8 / كانون أول / 2021
الحاج عطا الحاج يوسف منصور