محطة رقم 11 الفرزة الثانية

26

محطة رقم 11 الفرزة الثانية

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

في هذين العامين وهما الدورة الثالثة 1974/ 1975 لغرفة تجارة الكوت طرح الاتحاد العام للغرف التجارية مبادرتَـهُ على وزارة التجارة بإخضاع كافة موظفي الغرف التجارية وموظفي الاتحاد العام الى قانون تقاعد الموظفين واعتبارهم موظفين حسب نهج الدولة الاشتراكي الا ان هذه المبادرة تمخضت عن اعتبارهم عمالًا خاضعين الى قانون العمل. كما أقرّت وزارة التجارة تخصيص مبلغ 15 دينارًا لكل عضو من أعضاء الغرف التجارية محسوبًا على عدد الجلسات في كل شهر. وفي نفس العام ورد كتاب من مجلس قيادة الثورة يطلب فيه من الغرف التجارية رفع تقارير شهرية عن أوضاع السوق تُرسل مباشرةً الى مكتب خاص في المجلس. فوقع هذا العمل الاضافي ومسؤوليته على عاتقي وذلك بإعداد تقريره الشهري بعد احضار أسعار المواد من قِـبَل كاتب الأسعار. وبعودة اخي نافع من جيكوسلفاكيا بداية عام 1972 عاد عندي دافع الدراسة الجامعية ففي عام 1973 ومن خلال قراءتي لمجلة العربي الكويتية عثرتُ على اعلان فيها لمعهد بريطاني مختص بتدريس المحاسبة في لبنان فاستبشرتُ وبادرتُ للتقديم حسب شروطهم وتم قبولي بعد اجراء اختبار لي بالمحاسبة وذلك لتقييم مستواي وعلى ضوء الاختبار اعطوني درجةً متقدمةً ودفعتُ رسوم التسجيل فكانت 7 دنانير وهي الدفعة المالية الأولى عن طريق مصرف رافدين الكوت وبعدها طالبوني بمبلغ آخر عن الكتب وبعض المحاضرات فأرسلته على حسابهم بواسطة المصرف أيضًا وقدره 7 دنانير فأرسلوها لي وكان البريد يأتيني على عنواني في غرفة التجارة واستمر تواصلي معهم ثم طلبوا نفس المقدار من المبلغ بعد شهر من الدفعة الثانية فدفعتُها وهي الدفعة الثالثة. وبعد أيام أثناء دوامي صباحًا يتصل بي أحد أفراد دائرة الامن ويطلب حضوري على الفور فخرجتُ من الدائرة وفي رأسي تدور دوامة من الافكار وكما تقول الاغنية العراقية / حسبة تجيبني وحسبة توديني /. وصلتُ الى دائرة الامن التي لا يشعر العراقي بدخوله اليها بالأمن وصعدتُ من نفس السلّم الذي صعدتُ منه عام 1971 ولا أعرف ما هو سبب استدعائي هل هي مكيدة أخرى كسابقتها. وفي الممر سألتُ أحد الافراد فأجابني أن مساعد المدير هو الذي طلبني فتوقعتُ أنه المساعد سامي ربما قد اشتاق لرؤيتي وعند باب المساعد وجدتُ احد الافراد فأخبرتُهُ فاستأذن لدخولي واذا بي أرى وجهًا لم أعرفه أيام توقيفي في 1971 وقرأتُ اللوحة الموضوعة على منضدته فكان اسمه / جليل الغنيماوي / اذن هو من أقارب عضو الفرقة المعلم طارق عبد الواحد خشان الغنيماوي واذا بالموضوع هو عن تسجيلي في المعهد البريطاني وعن تحويلي المبالغ وعن استعمالي عنوان الغرفة في تراسلي هذه هي مواد إدانتي وبدأ مشوار التحقيق ولم ينتهِ الا بعد أن استوفى كل ما عنده مني ثم ختم كلامه بأن أترك دراستي في المعهد البريطاني لأنّه محل شبهة. خرجتُ أضحك مع نفسي وأقول: إن كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ …. وإن كنتَ تدري فالمُصيبةُ أعظم ليتك تعلم يا مساعد الامن ان قيادتك ومؤسس حزبك المناضل كلهم عملاء الى بريطانيا وامريكا؟؟!!! رجعتُ الى دائرتي وأغلقتُ ملّف الدراسة وقررتُ الخروج من العراق والسفر الى ألمانيا ولكني لم احدّد ذلك ولا أدري متى ساعة التنفيذ لكنّ بقيتْ الفكرة مخمرةً في ذهني الى أن جاء شهر آب من عام 1974 فقررتُ السفر في منتصفه وبـدأتُـها بالاتي: توجهتُ الى لبنان لوجود خالتي وزوجها الحاج عبد العزيز حسون الناصر والاولاد وحضوري زواج ابنة خالتي فأمضيتُ معهم زهاء أسبوع تمتعتُ فيه بسباحتي بالبحر كما حصلتُ على دعم مادي من زوج خالتي حيث قد وعدني به عندما كنتُ أعمل في شركتهم / شركة استيراد سيارات الفولكا والمسكوفيج الروسية / عام 1964 وبعد الأسبوع غادرتُ لبنان الى المانيا الشرقية لكي أدخل منها الى برلين الغربية بعد أن رفضت سفارة المانيا الغربية في بغداد منحي الفيزة وذلك بسبب دخولي غير القانوني الى برلين عام 1971 كما أخذتُ احتياطاتي بإضافتي فيزتّي بلدين هما جيكوسلفاكيا والدنمارك لأستعين بهما عند الحاجة. دخلتُ الى برلين الغربية مساءً وتوجهتُ قاصدًا شقة/ برجيتا باثك/ الانسانة التي ساعدتني عام 1971 ومعي حقيبتي وبعض الهدايا لها ولابنها شتيفان. صعدتُ بما أحمل الى الطابق الرابع وهو الأخير في العمارة وكلّي سعادة طرقتُ الباب مرّةً ومرّتين وثلاث لم أتلقَ ردًّا فتوقعتُ أنها ستعود من عملها أو يعود ولدها. مضت الساعة والساعتان والثلاث حتى منتصف الليل وأنا انطرُ ومعي بباب الشقة ما حملتُه من العراق وفي كل مرة أسمع بها وقعَ أقدامٍ على السلّم أستبشر خيرًا وأقولُ جاء الفَرَج فأقومُ لأرى من سياج السلم الى ان يتلاشى وقعُ الاقدام فأعود الى مكاني مفترشًا أرضية السلم الخشبي وواضعًا رأسي بين رُكبتي لآخذ قسطًا من الراحة وبعد مرور ما يُـقاربُ أكثر من ثُلثي الليلِ سمعتُ وقع اقدامٍ وكالعادة قمتُ الى السياج لأرى مَنْ هو الصاعد فرحتُ بهذا الصعود المستمر وقلتُ/ لنفسي افرح يا قلبي/ تحقق المطلوب ثم ظهر لي بأنها امرأة وها هي تصل واذا بها فتاة وليست/ برجيتا/ ثم واصلت صعودها فاستغربتُ لعدم وجود شقق أو مخرج يُفضي الى السطح لأن بناء العمارات وهو النظام المتبع في كل أوربا تكون نهايات سطوحها على شكل جملون وذلك لتخفيف حمولة البنايات عند تساقط الثلج وهو المناسب لوضعها المناخي.
صعدت الفتاة وبعد دقائق نزلت مبتسمةً في وجهي واستكملتْ النزول الى الخارج فتوقعتُ انها كان دائخة من زيادة عيارها بالشرب. عند الصباح قررتُ الذهاب الى شقة صاحبي الشيخ صبيح فنزلتُ والخيبة ومعي ما حملتُهُ وقبل خروجي من باب العمارة قلتُ في نفسي دعني اسألُ عنها أحد ساكني الشقق الأرضية فقرعتُ جرس احدى الشقق وكان اسم ساكنها مكتوب على لوحةٍ مثبتةٍ بالباب / كيريم / فخرج لي رجل فوق المتوسط في الطول وفي العمر فسألتُهُ عن / بريجيتا / فقال انها مسافرة الى السنغال وهو بلد يقع جنوب المملكة المغربية فتركتُ ما حملتُهُ لها عنده أمانةً لحين رجوعها ليُسلمها اليها ثم خرجتُ ولا أعلم من ذلك اليوم والى يومي هذا ما حصل بعدها. توجهتُ بعد خروجي الى مسكن الشيخ صبيح الذي سكنتُ فيه معه عام 1971 وكانت النتيجة هي خيبةٌ أخرى وقد قارب الوقت من الظهر. فقلتُ أذهب الى برلين الشرقية الى / برجيتا / التي تعرفتُ عليها في براغ عام 1971 والساكنة في درسدن وكان بيني وبينها تواصل بالرسائل وتبادل بالصور وما زالت احدى صورها محفوظةً عندي فركبتُ القطار الى درسدن وكان معي في القطار عراقي وصديقته فسألتُهُ عن عنوان / بريجيتا / فقال لي هو بعيد وعليك أن تركب قطارًا آخرًا فقلتُ له وما رأيك بالتكسي فقال فيه تكلفة مالية عليك فقلتُ له لا يهم المبلغ وافترقنا وفي خروجي من المحطة رأيت التكسي فأعطيتُهُ العنوان وانطلق بي وبحدود الساعة توقف عند محطة القطار في المدينة وطلب مني النزول فرفضتُ وطلبتُ أن يوصلني الى البيت فتكلم ولم أفهم منه شيءً وبين شدٍّ وجذبٍ طلبتُ منه الذهاب الى مركز الشرطة فأوصلني ومن الشباك كلّمَ السائق المسؤولة فأفهما الموضوع وطالبني بستين مارك ولما كنتُ لا أحمل المارك الشرقي ساومتُهُ على المارك الغربي الذي هو عندي وبعد نقاش لفتَ انتباه المسؤولة فسألتْ عن سبب نقاشنا فتلافينا الموضوع وخصمتُ المبلغ معه بستة ماركات غربية وبعد ذهاب السائق أشارت المسؤولة لي بالدخول الى غرفتها بالمركز جلستُ وتكلمتُ لها عن علاقتي/ ببريجيتا / وانها ترغب بالزواج مني وسلّمتُها الرسائل المرسلة منها لي وسألتني عن عنوانها فأشرتُ لها على ظهر احدى الرسائل فقالت هذا رقم صندوق البريد وهنا تبين لي ان السائق على حق لعدم وجود العنوان وانما هو رقم صندوق البريد والمدينة فقط. أخذت المسؤولة الرسائل وخرجت تاركتني لوحدي ولا أدري ما سيحصل بعد هذا وبعد ساعة عادت لتُخبرني أنها متزوجة وعليَّ المغادرة فورًا وإلّا أُكون مُدانًا بدخولي غير القانوني الى درسدن وأمامي 24 ساعة فقط أبقى بها في برلين فقلتُ لها دعيني اذهب الى أحد المطاعم كي آكل بعض الطعام فرفضتْ وجاءت لي بكأس ماء مع صمونتين صغيرتين وخفيفتين وهي تقول لي نحن لسنا بمطعم فأكلتهما وشربتُ الماء ثم خرجتُ عائدًا الى العاصمة برلين الشرقية وقد مالت الشمس الى الغروب. وعند وصولي برلين حجزتُ من نفس المحطة الى براغ كي أحصل فيها على قسطٍ من الراحة بعد هذه الخيبات وكذلك أرتب وضعي المليوص. ولأني صاحب معرفة بالمسافة الزمنية فهي لا تستغرق غير ستّ ساعات يطويها الريل على قول الشاعر النواب متسلّلًا في جلباب الليل وأكون في براغ ولا بُـدّ لي تحملها وانْ هـدّني التعب وأرهقتني الخيبات. ركبتُ قطاري والاماني هائمَهْ ….. ودوني سرابٌ والمقاديرُ حاكمَهْ دخلتُ الى كابينة الركاب وجلستُ في مكاني ثم تصفحتُ وجوه الجالسين وتصفحوا وجهي والكل سكوت وبدأت صَفّارةُ القطار تُعلنُ المسير وما أن سار أخذتني سكرة النعاس ثم غفوتُ غفوةً صحوتُ بعدها ولا أدري كم هو الباقي من الوقت للوصول الى براغ وكان أمامي رجلًا فسألتُهُ فأجابني نصف ساعة حتى نصل براغ فاستغربتُ من أني عبرتُ الحدود دون أن يوقظني/ التيتي / وهو المسؤول عن التحقق من البطاقات بعدها أخذتني غفوة أخرى وفيها شعرتُ بهزة خفيفة لم آبه لها وتوقعتُ أنّها حركة القطار من احدى المحطات وبقيتُ على حالتي فرحتُ بغفوة ثالثة أفقتُ منها بعد أن أخذتُ قسطًا من النوم ففتحتُ عينيّ فرأيتُ الوجوه قد تغيرتْ وأنّ أمامي رجل غير الرجل الأول فسألتُهُ نحن أين نحن فأخرج خريطةً وأشار الى المدينة التي سندخلها بعد قليل وكان اسمها برنو وهي النقطة الأخير في جنوب جيكوسلفاكيا والمحاددة للحدود النمساوية. استسلمتُ الى الامر الواقع ودخل القطار النمسا ولم يتوقف الا عند الضحى في محطته الرئيسية في العاصمة فينا فأعجبتني وأعجبني جوها المشمس في ذلك اليوم فسارعتُ للحجز بالسفر الى تركيا وكان قراري العودة الى لبنان ثم العراق. سار القطار وبي من خيبتي وَجَعُ ….. واليأسُ رانَ وللامال ينتزعُ وصلتُ الحدود النمساوية فتوقف القطار وصعد احد المسؤولين للتفتيش وتفحص جوازي وبطاقتي واخبرني قد لا توافق على دخولي المانيا الشرقية فقلتُ له /الدولتان صديقتان/ واني ذاهب الى تركيا فأعاد جوازي وبطاقة السفر ثم غادرني وتحرك القطار حتى وصل حدود المانيا الشرقية فتوقف للتفتيش فصعد احد المسؤولين وطلب جوازي وبطاقة السفر فقال لي جوازك يحتاج الى فيزه للعبور وعليك أن تدفع رسومها فقلتُ له نحن أصدقاء فأشار الى حذائه وهو يقول ويُشير: الصداقة وحذائي فابتسمتُ في وجهه واعطيتُه المبلغ ولا أتذكر كم هو. وفي اثناء الطريق صعد رجل وامرأة في الستينات من عمرهما وجلسا عن يميني في الصف الاخر للقطار وكان الوقتُ ظهرًا فأخرجتُ ما عندي لأسد فجوة الجوع وكان طعامي بعض قطعٍ من / التوست / قد دهنتها بالزبدة وباشرتُ بأكلها والرجل والمرأة كانا يأكلان مثلي ويرمقاني بنظرهما ويتحدثان وما أن انهيتُ ما عندي من / التوست / قام الرجل وقدم لي تفاحةً فشكرتُهُ واستكملتُ طريقي بالنوم. وبعد ذلك لا أدرى كيف وصلتُ الى بلغاريا لأن وضعي الصحي أخذ بالانحدار بسبب الألم الذي حصل في أُذُني اليمنى حيث تهيّج جرحها القديم بسبب سباحتي بالبحر في لبنان وهذا الجرح أحدثه الدكتور جمال عمدًا وانتقامًا عند غسل أُذُني في المستشفى وهذا الجرح الى الان يعاودني رغم مضي عقود من السنين والسبب في هذا الانتقام هو لنقاش حصل قبل أكثر من عام كان بيني وبينه وقد أراد ان يتفلسف فيه فأجبتُهُ بجوابٍ أخجلهُ أمام لَجنةٍ لتقييم الوضع الصحي لوالدي وكان هو أحد أعضائها والغاية من هذا التقييم الصحي لوالدي هو أن يستفيد منه أخي نافع لنقله من البصرة الى مدينة أقرب لمدينتي الكوت وبعد جوابي المخجل له على كلامه البائخ أخذتُ والدي وخرجتُ فأضمرها لي وكان اللقاء به بعد عام. دخل القطار بلغاريا وفي احدى محطاتها صعد شخص وإذا به ابن مدينتي فيصل غزّاي الخطاط والموظف في الإدارة المحلية وبعد السلام عرف وضعي المتعب فبقيتُ أتألم صامتًا الى ان دخلنا تركيا ووصولنا إسطنبول فاستأجرنا غرفةً في أحد الفنادق وبتنا ليلتنا وعند الصباح تناولنا الفطور وذهبنا الى إحدى المستشفيات العامة وقصدنا احدى غرفها التي يتجمهر على بابها المرضى ولمّا رأوا وضعي المتعب قدّموني على أنفسهم. دخلنا الغرفة وسلّمتُ على الطبيب الذي بدا لي فوق الثلاثين من عمره فردّ السلام باللهجة العراقية فارتحتُ لهذه المصادفة ودار بيني وبينه حديث فعرفتُ أسمه / أمير/ ومن محافظتي قضاء الاحرار / الحسينية / سابقًا وقد ذكر لي أسم أحد أقاربه كي أبلّغه بالسفر اليه ليلتقيه في إسطنبول ثم عالجني وخرجنا وما زلتُ احتفظ بصورة بألبومي الى الآن أخذها لي فيصل وبعد ثلاثة ايام افترقنا فذهب هو الى العراق فأرسلتُ معه بعض الحاجات تخفيفًا مما أحملهُ ثم توجهتُ للسفر الى لبنان بالسيارة عن طريق سوريا لأني تركتُ فيها حاجات قبل سفري لألمانيا عندما كنتُ أبات بشقة خالتي ظنًّا مني أن لا أعود لالعراق وكما يقولون/ وتقدرون وتضحك الاقدار. وصلتُ بيروت وبقيت بها يومان أو ثلاث وأخذتُ معي ما تركتُه عندهم وسألتُ عن صديق الطفولة الحاج نصرت فقالوا لي أنّه سافر بالسيارة الى طرفي في ألمانيا فاستغرقتُ بالضحك وهذه رواية يرويها هو عن نفسه إذا رغب في ذلك. 
الدنمارك / كوبنهاجن السبت في 14 تشرين اول 2023

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع