محراب ودمعة

24
محراب ودمعة
عائشة أحمد بازامة / ليبيا

الضوء مقفل ، الضفاف تبتعد رويدًا ، الطفلة الشقية بتجاويف نفسها تبدو للعيان ، تمهر صورتها وروحها وتتقمصها ، تمتهن الخجل الحزين ، متى امتدت أنامله لإسدال ستارة سوداء على حواف نافذة ذاك الضوء تنقبض الحروف تهمد الكلمات ، يتساوى المد والجزر مسافة نقطتين بين خطوط ملتوية ، تعلن التوقف ، ينتشلها – وقتها- الزمن بكل حواسه إلى ما وراء محطات آهلة بندف سحائب الذكريات ، وتغوص نفسها في نفسها ، ويئن الوجع منّها ، وتندثر المآقي في عمق روءاها ، يوم تجلّت صحائفه وتجللت بالعتم ، فأقفلت نفسها رياحها تلك عن نوافذها . واستسلمت أنفاسها لعطر خاطف . حجب نسائمها، عن شراشفها التي كانت تطير فرحًا للقيا هواءها العليل ليغمر صدرها ، حينها تشققت اضلعها ألمًا ، وتفتتت على رأس لسانها حروفها ، وابتلعتها كلماتها . لكن ذكريات سنين طويت طوقتها بحنينها وحوطتها بيديها ، ومسحت على رأسها اليتيم ، وجففت دمعة غبية قبل سقوطها من حواف رمشها ، وهمست لها ، كيف تنسى ؟ ورددت أنفاسها: (هاوينهم )؟*
لم يتلون جلدها . لم يتزحزح فرحها . لم يتأوه جرحها . لم يتحجر حبرها . لم تش كلماتها . لم يعجز عكازها ، بل قلمها ، يشب طوقها ، وأدبها ، وضحكها ، ووجعها .
عانقتها كلماتها منذ ما قبل تاريخها ، وميلادها ، وقطعت مسافات قبل قطع مشيمتها . وزارته في حلمه قبل أحلامها . ولوت عنان رقاب المختلسين ونزّاق الشهوة .
كلماتها هي عصافيرها المغردة على صفحات أيامها ، وهي الحجب بينها وبين الظلام المتطفل على ثغور أنهاره ونبعها. غزلت كلماتها نارًا ونورًا ، ودروبًا . وشقت بها جبالًا ، وركبتها بحارًا ، سحائبها أستجدتها بنطفات حبرها لتكتبها ، وقلمها طلبته وسجدت في محرابها لتصلي ، وعنونته طريقها وطويت لقاءاتها وخبأتها درب الكلمة إنه ليس قصيدة واحدة متهمة . دربها تاريخ وصفحات . وصفعات . وحيرة دربها كلاب بوليسية . ورفوف منسية . وندم ومسكنة ومذلة . ثمنها الوقوف على حواف شفرة . لتنعم كلمة اخرى عابرة على الطريق .
هذي حروفها تنثر الضوء لطريقها الذي احتفى بها يومًا منذ ولادتها على قاموسه المخملي شاعرًا للحكمة ، فانعكس هذا الضوء على ملامحها. واغتنت به روحها ، وتفردت له جناحيها ، هي حروفها التي انحنت رؤوسها له إجلالاً ، وتفتقت وروردها له حبًا ، وسال حبرها له شغفًا ، وإن كانت بين الفينة والفينة تنطلق من عقالها لتلحق بأسراب القصائد البائدة ، والضفاف الزائدة . فإنّه يعرفها . والعجب ألاّ ينصفها ، وقد سافرت سنينًا ، قطعت عقودًا . ونظمت لآليء ، وختمت جهودًا .
سألته يومًا : ذاتي تؤلمني لأنّي أؤدي مهام الرجال . كبرت عليها . أنثاها ، تدافع عن نفسها بقوة . شغوفة بأدواتها ، وحكاياها ، ومرآتها ، حقيبتها ، وشكلها وقالبها حتى ، لكنها لاتجيد الخوف ولا تثرثر كالنساء ، ولا تجيد البوح ولا ترقق صوتها الجهوري
أرادت الغوص في فيلسوفه ، لكنه حجب الوصل حالت الإنقطاعات ، صالت وجالت ، والغيوم على الخطوط مالت . وغمرتها المشاغل وانكفأت ذاتها على المحافل ، وشل دماغها عن التساؤل .
تعلقت كلماتها بالماضي البعيد فسألته عن مدينة الطفولة .ومراتع لعبها في وديانها وحكاياها ، بين ربوعها وعلى مقاعد مدرستها ، والشيب والكهولة ، وشتائها ، ومائها . لكنه نسي رد السلام وها هي توقض فيه حكايته ورفقة الحرف في صفحته ، ونبل الشرف بصوفيته . وغرور جبينه ، فأقفل عنها وجهته وشاح عنها بوجهه فدمعتها التي قد تحاسبه إن كرهها فليس فيّها ما يكره . سوى طفولة بداخلها.
24 مايو 2019.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع