متى تفصح الصورة الشعرية عن رصيدها البياني..؟

130
متى تفصح الصورة الشعرية عن رصيدها البياني..؟ 
عدنان عبد النبي البلداوي 
تتهيأ عند الشاعر الموهوب منذ ولادة النص استعدادات متنوعة لاستيعاب ما تقتضيه الصورة الشعرية من مستلزمات الجمال والصياغة والتجسيد ، سواء أكان جمال الطبيعة أم جمال الأجناس .وبعد تجاوز مرحلة النضوج وعندما يصبح الأمر طبيعيا دون تكلف أو تصنع ، لم يبق إلا توظيف تلك المستلزمات ، لكي تؤدي مهامها تجاه أي مظهر من مظاهر ذلك الجمال ، ولاشك في أنوراء تنفيذ عملية التوظيف هذه دوافع كثيرة تسهم في خلقها عدة عوامل أهمها المظاهر الطبيعية والأحداث الاجتماعية . ولايعني ذلك ان الموهبة وحدها هي الكفيلة بالتهيئة والإعدادوالتنفيذ ،مالم تكن هناك عوامل أخرى تعمل لتثوير القدرات ، وإيقاظ القابليات الكامنةفي تلك المواهب ، ولعل أهمها ما في حقيبة الشاعر من رصيد لغوي ومن تجارب مستقاة منالحياة..
صحيحان مناظر الطبيعة وما فيها من أحداث ، سواء كانت في الصحراء او في الجنائن تعد من مستلزمات رسم الصورة الشعرية ، ويستطيع كل شاعر متمكن ان يحقق شيئا من هذا، ولكن رغم ذلك تبقى في العمل الأدبي صورتان : الأولى متميزة تتحقق عندما تولد في الجو الطبيعي لذلك المنظر او ذلك الحدث .. أي انها ترسم بالكلمات المناسبة بعد الإحساس المباشر بالمنظر المرئي او التفاعل مع الحدث تفاعلا حقيقيا ، والثانية مقبولة ولكنها غير متميزة ، وتتحقق عندمايتخيل الشاعر منظرا او يرى حالة ما رؤية قلبية فيكتفي بألفاظ معينة قد تفتقر الى صفة من صفات الإثارة والتشويق المجسد ، ومهما تعددت الأجواء واختلفت المناظر ، فان المفردات اللغوية تبقى عماد النص ، وعليها يتوقف معيار الصورة وتقييم ثقافة الشاعر ،هذا مع مراعاة كون العبرة ليست في زيادة عدد المفردات فحسب ، وإنما الشأن كما يقول الجاحظ ( في إقامةالوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وفي صحة الطبع وجودة السبك ، فإنما الشعر صناعة وضربمن النسيج وجنس من التصوير..) .
إن توجيهات ونصائح النقاد السلف بهذا الخصوص لاينفر منها أي عصر من العصور الأدبية ،لعدم إلزامهم الشاعر بمفردات معينة في رسم صورة ما ، لذا فما على الشاعر الموهوب إلا أن يراعي أجواءعصره وما تحتاجه الصورة المعاصرة من ألفاظ ومعان كفيلة في تحقيق جمالية اكثر، فنحنحين نقرأ الأبيات الآتية على سبيل المثال لاالحصر ، نحس بالمتعة وكأن الصورة قد ولدتالآن خصبة ذات أجواء شاعرية على الرغم من ابتعاد زمانها كقول أبي صخر الهذلي :
أماوالذي أبكى واضحك والذي
أماتواحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني احسد الوحش أن أرى
أليفين منها لايروعهما الزجر
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها
فلما انقضى مابيننا سكن الدهر
واني لتعروني لذكرك هزة
كماانتفض العصفور بلله القطر
وقول حمدونة الأندلسية:
وقان الفحة الرمضاء وادٍ
سقاهم ضاعف الغيث العميم
نزلنادوحه فحنا علينا
حنوّ المرضعات على الفطيم
يصدّ الشمس أنى واجهتنا
فيحجبها ويأذن للنسيم
إن سعة أفق الشاعر وقدرته التصويرية قد مكنته دون تكلف أن يخلق صورة ما ، ليس في مجموعة أبيات، بل حتى في البيت الواحد كقول الشاعر:
لمستبكفي كفه اطلب الغنى
وماكنت ادري الجود من كفه يعدي
وحين ننتقل الى صور من العصر الحديث نحس بالمتعة نفسها ولكن في جمالية أخرى وصياغة لفظية ملائمة لأجواء العصر وأحواله الاجتماعية والثقافية ومايتبع ذلك من نظرة الشاعر الخاصةالى الحياة ، كقول إيليا أبي ماضي مثلا في تصوير لحظة الغروب:
السحب تركض في الفضاء الرحب ركض الخائفين
والشمس تبدو خلفها صفراء عاصبة الجبين
والبحر ساج صامت فيه خشوع الزاهدين
لكنما عيناك باهتتان في الأفق البعيد
سلمى..! بماذا تفكرين ..؟
سلمى..! بماذا تحلمين..؟
وقول بدر شاكر السياب من قصيدته ( أنشودة المطر ):
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
او شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء كالأقمار في نهر
ان التفات الشاعر الى أساليب البلاغة وفنونها ، ومستلزمات تطبيقها ، يفتح أمامه طريقا واسعة وميسرة، ليستكمل عناصر الجودة والإبداع في النص ، لاسيما التفاتته الى فن التشبيه ، الفنالذي وجد فيه أهل البيان والفصاحة خير ملاذ لتحقيق مايهز النفوس ويحلق بالخيال صوب التجسيد الممتع ، حتى استحق عندهم اشرف مرتبة من مراتب البيان.
ورغم إشارات النقاد الى أهمية التشبيه في رسم الصورة ، فان نسبة توظيفه في نصوص كل عصر منا لعصور الأدبية ، تختلف مدا وجزرا وقوة وضعفا تبعا لمدى قابلية الشاعر ومقدار تواصله مع تراث أمته ، وتواصله أيضا مع ما يستجد من تطور ، ولما كانت النتيجة الفنية متوقفة بنسبة اكبر على مايبذل الشاعر من جهود تثقيفية ، فان هذا الوجه البلاغي الجميل يعدخير معيار لمعرفة نسبة رصيد الشاعر الثقافي ، ومدى تجاوب ذلك الرصيد مع موهبته وذوقه الفطري ،على ان لايكون الاستخدام اللفظي والمعنوي مستعارا ، لرسم صورة مماثلة بدافعالتقليد او الإعجاب مثلا ، لان الفنان الحق والشاعر الحق كما يقول بودلير( هو الذي لايصور على حسب مايرى وما يشعر ، فعليه ان يكون وفيا حقا لطبيعته هو ..)
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع