ما تنطق به الإنسانية

أنشر اليوم مقال عن والدي (ابراهيم رمضان نجار) بناءاً على طلب الشاعر القدير جلال جاف لنشره في صحيفة الفكر.
ما تنطق به الإنسانية
الدكتورة ڤيان نجار


كن من تكون لكن عليك ركوب موج العلا وسمو الأخلاق والإنسانية.
وأعلم بأن تفرد الإنسان السوي والجليل صاحب الرحمة والطيبة المتناهية بالقيم الإنسانية الحقيقية يجعله يسمو دائماً إلى ذروة السعادة وراحة الضمير مع نفسه، لمنحه المساعدة والسعادة للآخرين دون حساب وبها يرسم تاريخه الناصع بيديه ويخلد نفسه للأبد.
هذا ما عشته ولمسته بنفسي مشاهدةً وسماعاً من خلال المعايشة المباشرة مع والدي ابراهيم رمضان نجار. الذي تميز دوماً بجمال طباعه ورفعة أخلاقه، بهدوئه ومدى طيبته، بشدة توازنه وأستمرار عطائه لكل من تواجد في محيطه وتكرار مواقفه الإنسانية النبيلة في طفولته وكبره، دعى ذلك كله الى شعوري الدائم بعظمة والدي وطريقة تفكيره ووصوله إلى ذروة الاكتفاء الذاتي والإستقرار النفسي والعاطفي وعدم التأثر بمحيطه المشحون والمحترق دوماً بلهيب مصاعب الحياة المختلفة من خلال امتلاك الحب الكبير والعطاء الزاخر المليئ بالرحمة والطيبة.
ارتأيت من خلال مقالي مقارنة إنسانية والدي بإنسانية القائد الكوردي صلاح الدين الأيوبي والتي توصلت لها من خلال قراءاتي المعمقة للتاريخ القديم .
رغم السنين العديدة التي تفرق بين فترة عيشهم والاختلاف الكبير لطبيعة عملهم وظروفهم!
صلاح الدين الأيوبي: قائد كوردي تميز بإنسانيته وعدله وسمي في زمانه بالسلطان العادل.
والدي ابراهيم رمضان نجار: مدرس ومحامي ودكتور كوردي تميز بوطنيته وإنسانيته المفرطة.
مقارنتي هنا فقط للجوانب الإنسانية لديهم والتي يتمتعان بها بوضوح مما دعتني أفكر بقناعة بأن وراثة بعض الصفات المتغلبة لدى بعض الأقوام والأعراق تطغي أحياناً ويتكرر ظهورها بوضوح لدى البعض من الأشخاص المنتمين لنفس العرق رغم الأعوام العديدة التي تفصل بينهما.
أدناه بعض التوضيحات البسيطة
لإنسانية والدي ابراهيم رمضان نجار
تفوق والدي في دراسته الإبتدائية في زاخو مما دعت الحكومة العراقية حينها أن تصرف له منحة شهرية تغطي مصاريف دراسته للمتوسطة والثانوية في الموصل لتميزه رغم تمكن والده وعدم حاجته للمساعدة.
بدأ والدي بعمر المراهقة طلبه من أثرياء زاخو بالتبرع لما يتمكنون عليه من المؤون وبعد جمع كميات كبيرة منها كان يبدأ بتوزيعها على فقراء زاخو بالإضافة إلى منحهم ما يتمكن عليه من ماله الخاص حتى جعلها عادة مستمرة عند المحتاجين لأهل زاخو لطلب المساعدة من والدي بأستمرار. ولإنسانيته الطاغية ومساعداته المتميزة لعائلته الصغيرة والكبيرة وأغلب المحتاجين في زاخو والمعتمدين عليه باستمرار بدأ يكافح ويناضل دوماً من اجل زيادة موارد رزقه من خلال زيادة ساعات عمله طيلة عمره .
ورغم عدم إفصاح والدي بما يقوم به من مساعدات لكن لا يبقى شيئ مخفي للأبد حيث سمعنا من الأشخاص الذين ساعدهم والدي ومن أقاربهم بعد مرور وقت طويل عليه بأن هناك الكثيرين من أهل زاخو كذلك من أهل بغداد أيضاً أنهوا دراستهم بمساعدة والدي من خلال منحهم ما يحتاجونه من مال للمصروف الشهري لتمكنهم من تحقيق طموحهم وأهدافهم كل حسب حاجته من دون إحراجهم. كذلك ساعد والدي الكثير من المرضى في زاخو من خلال دفع أجور مراجعاتهم لدى الأطباء كذلك أجور علاجهم وهناك الكثير مما يعلمون هذه الحقائق.
رؤية والدي لبعض نساء زاخو وهم يجلسون في الشارع للتسول دعاه الأمر للسؤال منهم بصورة مباشرة عن كمية المال الذي يحتاجونه لمصروفهم كي لا يستمروا بالتسول. وكانوا يطلبون مبالغ بسيطة من المال. كان والدي يسجل أسمائهم ويطلب منهم حضورهم الشهري لإستلام راتبهم المحدد من قبلهم من والدي وبأستمرار.
بعض العوائل الأخرى والغير متمكنة في زاخو كانوا يطلبون المساعدة من والدي عند حاجتهم الماسة لبعض المال ووالدي كان يلبي طلبهم حسب إمكانيته ولم يمتنع يوماً من مساعدة المحتاجين.
في فترة من حياته سجن لمدة سنتين لأسباب سياسية لانتمائه ككوردي للحزب البارتي في ستينيات القرن الماضي. في تلك الفترة كان في السجن الكثير من المنتمين للحزب الشيوعي وكان من بينهم سجين من أهل الموصل شيوعي مهم أضرب عن الطعام كان والدي يؤخر نومه ليدع جميع المساجين ينامون وكان يوفر جزء من طعامه ويأخذه للشخص المضرب عن الطعام ويجبره أن يأكل وهكذا حافظ على حياته بمعالجة إنسانية بسيطة.
لدى خروج والدي من السجن تم فصله من الوظيفة للمرة الثانية في الستينيات من القرن الماضي ، وقرر وقتها نقل عائلته الى بغداد وباشر بفتح مخزن للتجهيزات المنزلية ليرتزق منها عائلته والكثيرين الآخرين وأهم المرتزقين هم العوائل المحتاجة في بغداد سكنة منطقة تواجد المخزن في منطقة الأمين ، حيث هذه العوائل كانوا يأخذون ما يحتاجونه بالدين لكن عند عدم تمكنهم من تسديدها كان والدي يستمر بتزويدهم ولا يحرجهم وحسب قول شقيقي الكبير والذي كان يساعد الوالد في إدارة المخزن في أغلب الأحيان أكد لي بأن والدي كان يأمره بتزويد تلك العوائل الغير متمكنة بأستمرار وعدم قطع أرزاقهم التي يحتاجونها . عند رجوع والدي للوظيفة والبدء بدراسة القانون في بغداد باع المخزن وأكد لي شقيقي الكبير بأن مبلغ 3500 دينار عراقي لذلك الوقت بقت ديون غير مدفوعة تركها والدي للدائنين الذين لم يتمكنوا من دفعها له.
وعندما انهى دراسة القانون في السبعينيات عمل محامي في محاكم بغداد خصوصاً مع قضايا التأمين وحاول العمل بين بغداد وكوردستان منطقة زاخو ودهوك ومايحيطهما وغدا هدفه منها مساعدة واسترداد حقوق الناس الذين لهم قضايا مع شركات التأمين لأنه كان بأستمرار يفكر بظروف الناس خصوصاً المحتاجين منهم ويحب مساعدتهم
وهذه بعض التوضيحات البسيطة
لإنسانية القائد الكوردي صلاح الدين الأيوبي / منقول
خاض صلاح الدين معاركه ضد الصليبيين. لكن في ساعة الحاجة قدم مساعدته حتى لعدوه، ففي معركته ضد الصليبين والتي كانت بقيادة ريتشارد ملك إنجلترا إذ مرض الملك فأرسل صلاح الدين طبيبه الشخصي لمعالجته، وأيضًا عندما قُتل حصان الملك ريتشارد في ساحة المعركة أرسل قواته للملك ليقدم لهم خيولاً جديدة حتى لا يستفيد صلاح الدين من عيب الملك ولتبقى المنافسة عادلة.
كرم صلاح الدين وحسن تعامله مع المنهزمين من أعدائه وأسرهم، لم يكن معهوداً، فصار مضرباً للأمثال ومعياراً للتسامح والعفو في العالمين الشرقي الإسلامي والأوربي المسيحي.
المؤرخ الصليبي أرنول: قال (أجتمع كثير من النساء اللواتي دفعن الجزية وذهبن للسلطان صلاح الدين يتوسلن قائلات: إنهن إما زوجات أو أمهات أو بنات لبعض من أسر أو قتل من الفرسان والجنود ولا عائل ولا سند لهن الآن ولا مأوى، ورآهن يبكين فبكى معهن تأثراً وشفقة ، وأمر بالبحث عن الأسرى من رجالهن وأطلق الذين وجدهم منهم وردهم لنسائهم ) وأما اللواتي مات أولياؤهن فقد منحهن مالاً كثيراً.
توفي صلاح الدين في 4 مارس 1193م،
لم يكن يملك عند موته شيئًا من المال، إذ أنفق جميع ما يملك على الصدقات.

شارك المقال
1 تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

إلغاء الرد

1 التعليق

  • avatar
    Vian Najar
    21 نوفمبر، 2020, 08:36

    ألف شكر وتقدير الشاعر القدير جلال جاف لنشر مقالي بهذه الجمالية أتمنى أن تعم الإنسانية وشعار الإنسانية كل العالم . تحياتي وتقديري

    الرد

أحدث المواضيع

اختر كاتب

بالفيديو

شارك المقال