ماذا لو…لمريم دالي يوسف

174
  • حينما يغدو السؤال هروبا نحو النسيان –

 

د/ عبد القادر لصهب *

Image result for ‫ماذا لو ... لمريم دالي يوسف‬‎

الكتابة فعل للتجاوز ؛ سفر في الزمن النفسي ، انعتاق وانجداب نحو عوالم أخرى ، هي تجربة تتوخى بسط فيوضات الرؤى الوجودية عبر تمثلات الذات وتساوقاتها في العالم / الوجود / اللوغوس – بالمفهوم الفلسفي – أو الدازين – كما يعبر هيديغر – ومن ثمّ تؤسس الكتابة دفقها التعبيري كرؤيا وكتوجه ؛ فالكتابة فعل إنساني ومعطى حضاري وسم مختلف التنقلات الحضارية والثقافية الكبرى للإنسان عبر مساراته التاريخية منذ القدم ، إذ الإنسان دوّن أسئلته الوجودية والمصيرية عبر تعابير كتابية ( أشكال ورموز ) في الكهوف وعلى جدران المعابد والمقابر ، كما اهتدى إلى صياغة رموز ابتكرها كحروف أبجدية لتنظيم الممارسة اللغوية ( كتابة وقراءة ) وتقنينها ، ومن ثمّ انبثقت الثقافة الكتابية باعتبارها حافظا للمعطيات الإبداعية الإنسانية وناقلا لمختلف التمثلات الثقافية والفكرية للشعوب .

وتظل الكتابة إحالة رمزية لعوالم الدفق الشعوري والتفكيري الإنساني ، باعتبارها ممارسة جمالية تتوخى بسط القيم التصويرية لمختلف الأنماط التفكيرية للفرد والجماعة ، وقد تنوعت مضاربها ونزعاتها بين الطروحات التقريرية / الوصفية والفيوضات الجمالية الفنية التي تعدّ أرقى الأجناس الكتابية ، إضافة إلى منحاها النقدي ، أو الكتابة ضدّ الكتابة.

والكتابة كفعل إبداعي إنما تتوزع على صناعات فنية تتنوع بتنوع مضارب التعبير ، بين الكتابة السردية – باختلاف مرتكزاتها الأجناسية – والشعرية وأنواع أخرى ، والتي تأخذ خصوصيتها الملفتة من تنوع حقولها الإبداعية وتعدد تقنياتها بين السرد والحوار ( الداخلي / المونولوج – الخارجي / الديالوج ) وبين الوصف / التقرير والإحالة الرمزية التي تبعث على شهوة المساءلة والتأويل .

وتأسيسا على ما سبق تضحي الكتابة تساوقا مع الفعل الشعوري بما يضيفه من هوامش تعبيرية وفيوضات تجسيدية للمعنى المبثوث في النص عبر ” اللغة ” ؛ غير أن مسألة الكتابة كرؤيا تأخذ أبعادها الإشكالية من عديد الأطروحات التي تؤسس لفعل القراءة ، وذلك باعتبار الكتابة تماه للذات المبدعة مع ما يؤطرها من قضايا وما يترسب فيها من نوازع ذاتية ورؤى ، ومن ثمّ أخذ هذا الفعل حيزه من الاشتغال النقدي ، تنظيرا وإعمالا للآليات القراءة بغية سبر أغواره الدلالية وإحالاته الرمزية .

والملاحظ على المدونة الشعرية الجزائرية أنها لم تنل حظها من التناول القرائي اللهم بعض الأسماء التي ظلت تتردد في فضاءات المدونات القرائية بشكل يوحي بتكرار المقولات النقدية ذاتها ، في حين ظلت كثير من القضايا المتعلقة بالنص الشعري الجزائري مغيبة ومهمشة عن الإجراء النقدي .

وعليه يمكن تأسيس إشكالية معرفية حول المتن الذي جعلناه حقلا اشتغاليا لهذه الورقة : ما هي المرتكزات المرجعية التي قامت عليها الكتابة الشعرية عند مريم دالي يوسف؟وما أهم اتجاتها وقضاياها؟

ولعل الإجابة عن هذا التساؤل تسترعي منا الوقوف عند حدود الاشتغال على الفضاء البصري للقصيدة / النص ، وذلك باعتبار أن الشكيل البصري للنص الحداثي يغدو مقاربة أخرى للتواصل الدلالي مع القارئ ، بما يتيحه من هوامش للتأويل .

فـ ” مريم دالي يوسف ” تؤسس البعد البصري لنصها عبر انشطارات ” السطر ” ليغدو البياض / الفراغ بعدا إحاليا له مؤداه التعبيري .

حيث إن التشكيل البصري عبر استخدام جماليات ” التقطيع ” ” ينشد زرع انطباع معيّن في رؤية المشاهد البصرية ، وهو لا يؤسس حقائق داخل العمل الفني وإنما يوجّه حقائق معيّنة من ظاهره إلى عين المشاهد “(1) ؛

تقول مريم دالي :

” ماذا لو ..؟

 

وكأنّ الحياة أشبه بجسر تعبر من ضفّة إلى ضفّة

أخرى

وإن حاولت الرجوع إلى الضفّة السابقة ربما ينقطع بك

حبل العودة..

وكأنّ تلك الضفّة التي أردت بها القفز إلى أخرى هي

” حاضرك ” وتلك الأخيرة

السابقة هي : ” الماضي ” … “(2).

أما على المستوى الشعري فإن النص لدى مريم دالي يوسف وإن بدت لغته – أحايين عدّة – منكسرة في النموذج ماقبل الحداثي مندفنا فيه – كغيره من نماذج الكتابة الشبابية  ، إلا أنه سرعان ما يخرج من هذه الدائرة “متجاوزا ذاته ، ومتخطيا قدسية اللغة التراثية ، محققا بذلك نقلة نوعية في الكتابة الشعرية ومتحديا لحظة المأزق ، الأمر الذي كثيرا ما أدى إلى قطيعة مع التاريخ الشعري وتاريخ القراءة التي قولبت القارئ والكاتب على نموذجية جاهزة “(3).

ولمّا كان النص الشعري كائنا لغويا ، فقد كان طبيعيا أن تحدث هزّات تزعزع بناءه المورفولوجي وتفتت تشكّله ، لتحيله إلى ممارسات نصية أكثر اتساعا لفيوضات الدفق الدلالي المنبعث من مخاتلة اللغة ، بحث يصبح فضاء مفتوحا للتأويل ، ويصبح ” البوح ” ممارسة واشتهاء ، متجسدا في دلالات البياض والفراغ .

وهكذا تضحي العملية الإبداعية لدى مريم دالي يوسف عبر ديوان ” ماذا لو ..؟ ” رحلة في أسئلة الذات وإبحارا في رؤياها ، دون الخوض في جدلية ” اللغة ” ، ذلك أنّ اللغة كائن فضفاض يتمطى حسب الاستعمال السياقي له ؛ استعمال يعتمد على قدرة الشاعرة / المبدعة على إنتاج سياقات أخرى، فـ ” الكتابة بلغة أو في لغة ، كيفما كانت تلك اللغة ، لا تنتج نصا متميزا إلا إذا استطاع الكاتب إنجاز لغته الخاصة . إن هذا الإنجاز هو الذي يسمح له بخوض المغامرة الإبداعية في اتجاه التطوير والإضافة “(4).

فلغة الشاعرة ، وإن بدت ذات منحى تقريري إلا أنها تنبعث من عمق السؤال المفضي إلى

تقول دالي يوسف :

” أجمل ما يحدث في هذه الحياة يكون صدفة

ماذا لو -؟

أحببت شخصا إلى حد الجنون ؟

ماذا لو -؟

بادلك ذلك الشخص نفس الشعور ؟

لكن …

بحذر ؟

ماذا لو -؟ كان ذلك الحذر يلتمس شيئا من الماضي ..؟

ماذا لو – كان ذلك الماضي شبحا يطارده ؟

ماذا لو -؟

هدد ذلك الماضي حبك باستمرار ..

” أن تفقد من تحب ؟ “(5).

فالتجربة الشعرية لدى مريم دالي يوسف تجربة تبتغي تقديم تشكيل آخر لمفهوم الشعر في جدليته مع ” اللغة ” ، وقدرة هذه اللغة على التصوير والغوض في مسارب المعنى ، وقد قدمت بذلك نصا متمنعا غير ميسور المآخذ ، يفرض على القارئ أن يحفر في مرموزاته ومدلولاته وتشكيله حفرا أركيولوجيا .

وباتت القصيدة لديها تخرج عن تلك النمطية النموذجية لشكل القصيدة ومعمارها ، وأضحى النص يقدم بعدا آخر للبناء العضوي ، فهو ينتظم على أساس ” اللاانتظام ” حيث يطغى البياض وتكثر الفراغات التي تبسط قيما أخرى للبوح والتأويل .

ومن ثمّ كان النص الشعري بهذا الديوان رسما لتساؤلات كبرى وصورا متداخلة تتداخل ألوانها وتتراكب أشكالها وتتعدد أبعادها ، فالنص عبر هذا ” إثارة لسؤال وتحريك التراكم المعرفي يحفز الشاعر وينتصر على الثوابت فيه ، تقوم صياغته في بنية فهمه على متغيرات القراءة التي تخلق فيه الجديد وتزيح عنه الثوابت لكشف المكنونات فيه ، وهو ما يجعل القارئ يتجدد بتجدد القراءات “(6).

تقول الشاعرة :

” قد نلتقي … قد نفترق … قد نكون سوية …

قد أكون ( أنا ) حيث ( أنت ) دوني

ربما يكون ذلك أشبه بلقاء جاف مشبع باللامبالاة …

بكثير من الكبرياء عمدا

بعد كل تلك الخرافة التي عشناها سوية

والأسطورة التي امتزجت بكل ما يحمله الحب من معنى

مخالف – كان أم – حليفا – له ؟

… التقينا …

ماذا لو – التقينا صدفة

لتنتابني رعشة من الذاكرة فجأة

تحملني بين طياتها لأوراق قد طويتها سابقا وبعثرت

ممحاتها ، مفتاحها لا أدري

لأعود لوهلة إلى الحاضر

إلى رشدي “(7).

فالقارئ للمتن الشعري للشاعرة يسامر أدوات الترقيم ويسافر في الجمل الاعتراضية ليتيه في تدفقات السياق ، ذلك أن النص يخاطب الغياب ويستحضر المستحيل والمهمّش ، فكان موجا من الأسئلة والملابسات يستدرج الإدراك ويبعث الألم المكبوت في الذاكرة المنسية ؛ إنه متعة منبعثة من وجع الذات المبدعة وانسحابها نحو البوح والثورة لتغرق في بوتقة الاسترجاع ، هو انبثاق من المتناقضات ؛ حركة وسكون ، يوتوبيا وانكسار ، هو طقس لتجليات ” الذات ” المعذبة أو المنفية خارج حدود المكبوت، ومعراج نحو المتعالي .

 

الإحالات والهوامش :

(1)- عبد الفتاح الديدي : علم الجمال ، المكتبة الأنجلو مصرية ، القاهرة ، ط1 ، 1981 ، ص 53.

(2)- مريم دالي يوسف : ماذا لو ..؟ ( ديوان ) ، دار المثقف للنشر والتوزيع ، الجزائر ، ط1 ، 2018 ، ص 06.

(3)- أحمد الحسن : تقنيات الرواية في النقد العربي المعاصر ، رسالة دكتوراه في الأدب ، جامعة حلب ( سوريا ) كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، قسم اللغة العربية ، 1413 هـ / 1993 م ، ص 01.

(4)- عبد اللطيف اللعيبي : كلمة البقاء بقاء الكلمة ، مجلة التبيين ، جمعية الجاحظية ، الجزائر ، ع6 ، 1993 ، ص17.

(5)- مريم دالي يوسف : ماذا لو ..؟ ، ص09-10.

(6)- عبد القادر فيدوح : دلائلية النص الأدبي ، دراسة سيميائية للشعر الجزائري ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، ط1 ، 1993 ، ص 24.

(7)- مريم دالي يوسف : ماذا لو ..؟ ، ص12-13.

 

* – أستاذ النقد الأدبي بقسم اللغة والأدب العربي – المركز الجامعي مغنية

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع