ماذا لو أخبرتني؟ (قصة قصيرة)

23

هدى أحمد حجاجي/

مدت أشعة الشمس الساطعة خيوطها الذهبية في ذلك اليوم فتحت عينيها ببطء ونظرت إليه لأول مرة من هذه المسافة القريبة تراه .

شعره الناعم القصير ..حاجباه الكثيفان الملتصقان رموشه السوداء الكثيفة …أنفه الروماني وذقنه المربعة المشقوقة ووجهه المزدان بغمازتين على كل جانب ..أمسك يديها يجس نبضها .. سألها عن أسمها ولكنها تعمدت عدم الرد عليه…

تركت المدرسة الثانوية بعد أن تقدم لها شاب غني مثلها وتزوجت منه فهي اعتادت أن تكون كل طلباتها مجابة لأنها كانت البنت الوحيدة وسط إخواتها الصبية وقد كانت طلباتها أوامر منذ الصغر من قبل والديها وكانت تملك كل شيء.

أشياء كانت بعيدة عنها كل البعد فهي من هؤلاء الذين يولدون وفي أفواههم ملاعق من ذهب. كانت على قدر من الجمال وكانت طاغية الأنوثة بالرغم من تفاهة عقلها وأفكارها التي لا تتعدى أكثر من أنها بنت مدللة لا تتحمل المسؤولية ولا تعرف أكثر من مضيعة الوقت والمال وشراء الفساتين والمجوهرات واللهو والعبث، حتى وإن كان بحياتها. فكل شيء مباح ما دام قد غابت الرقابة والضمير قوة والإيمان. كان لابد من حدث قوي يعيد لها بناء وترتيب حياتها من جديد، وقد تعرضت لحادث نجت منه بصعوبة أو بأعجوبة مما اضطر نقلها الى إحدى المستشفيات الحكومية، وكان معها زوجها ووالدها ووالدتها، فهي شابة لايزيد عمرها عن ثمانية عشر عاما، وكانت نتيجة التصادم بعربتها الخاصة بها التي كانت تقودها بأقصى سرعة كسر في الكتف واليد اليسرى وارتجاج في المخ وغابت عن الوعي.

وبعد إجراء الفحوص وعمل اللازم لها دخلت في غيبوبة، ولكن بعد أن زال عنها الخطر فتحت عينيها ببطء رأت الكل من حولها، حاولت النهوض عجزت عن القيام، انكفت على أمها محاولة أن تحتضنها وهي تبكي.

حينئذ ارتفع صوت (حازم) يقول من فضلكم اتركوا جميعا الحجرة المصابة بحاجة إلى الراحة والهدوء هذه أوامر يجب تنفيذها فورا .. صاحت (نهى)متشبثة بامها أريد أمي معي لا أحتمل البقاء وحدي.

واقترب صاحب الصوت، قامة طويلة كتفان عريضان وجه أسمر جذاب الملامح.. صارمة غريبة لم تعهدها من قبل، وقال يؤسفني أن أقول لك إنك مازلت تتصرفين كطفلة رغم أنك سيدة متزوجة، الساعة الآن الثالثة صباحا، ومن حق الجميع أن ينالوا قسطا من الراحة.

صحت حوالى العاشرة أخبرتها الممرضة أن الدكتور (حازم) لم يغادر المستشفى لأنه قلق على حالتك وكان يتابعها بنفسه كل نصف ساعة. سألتها: تعنين ذلك أنه كان مهتم لأمري. قالت الممرضة: بدهشة الدكتور (حازم) إنسان بمعنى الكلمة وهو يهتم بجميع مرضاه، وقالت (نهى): ولكنه مهتم للغاية كما أنه شديد فى أسلوب كلامه، قاطعتها الممرضة قائلة ولكنه شديد الذكاء وأنتِ لم تكوني مدركة لحقيقة تصرفك فقد كنت طفلة مدللة صغيرة. وفي أثناء تلك اللحظة دخل ولكنها تجاهلته، وحينما سألها عن حالتها ردت (بخير) أريد أن أعود الى البيت، قال إنك لا تدركين حالتك كسر في الكتف وكسر فى الساق وحالة ارتجاج فى المخ، وإن كانت بسيطة ومرت بسلام، تكفي راحة تامة لذلك ستبقين في المستشفى فترة لا تقل عن أسبوع وذلك لتكوني تحت المراقبة ..

قالت مغيظة: هذا المستشفى حكومى لابد من نقلي سأطلب من أهلىي نقلي إلى مستشفى خاص، قال بصراحة: لا أعتقد ان أهلك يمكن أن يجازفوا بحياتك، التنقل فيه خطورة على حياتك. فاستعانت بأهلها حاولوا كالعادة تنفيذ رغبتها، رفض الدكتور بإصرار وأحست أنه انتصر عليها. لم تتعود ذلك كانت دائما هي التى تفرض الأوامر.

بتفكير طفولي حاولت استفزازه بكافة الطرق، امتنعت عن الطعام، خالفت أوامره وحاولت التحرك. أقبل هو بمنتهى الهدوء قال اذا لم تكفي عن ألاعيبك الصبيانية فسأطلب بنفسى نقلك إلى مستشفى آخر، لأني لا أريد أن أتحمل مسؤولية طفلة حمقاء..

الغريب أنها بعد التهديد كفت عن الاعيبها، وإذا كان هو لاحظ إلا انه لم يعلق، أثارها ذلك أصبحت تشتاق أن يبتسم لها كما كانت تراه يبتسم للمرضى والزائرين، وأن يتحدث معها، أن يخبرها بأنه يراها قد تغيرت ولم تعد الطفلة السخيفة المزعجة.

سمح لها أخيرا بخروج من المستشفى رجاه والدها أن يتابع حالتها في البيت قبل بعد إلحاح،وبدأ يتردد على البيت تكتشف شخصيته الناضجة والباهرة قوة ..وحزم..وثقة.. وضوح.

لم يكن ذلك ما جذبها إليه لقد كان أول إنسان في حياتها يرفض أن يدللها، أن يشتري رضاها، أن يعاملها كطفلة، وكان أول إنسان تحرص على أن تقاوم أمامه شخصية الابنة المدللة.

شفيت وأعلن الدكتور حازم بعد أن فك الجبس أنه لم يعد يتردد عليها مبررا ..وقع الخبر على نفسها كالصاعقة. لقد أصبحت تعيش أيامها على رؤيته وسماعه، كيف يمكن أن تتحمل خلو حياتها منه. نهرت نفسها على هذا التفكير فهي زوجة تحب زوجها وحياتها معه سعادة كاملة .. انتفضت سعادة كاملة غريبة، لأول مرة تنظر الى علاقتهما كما لو كانت لعب عيال كما زعم أخوها. طفلان كبيران يعبثان لا أكثر ولا أقل، زعمت أنها تشكو تعبا وذهبت إلى الدكتور أفرغت معه كل ما بنفسها، تحدثت معه كما لم تتحدث من قبل مع أحد، تحدثت بما دهشت نفسها له قالت: إن أهلي قد أخطأوا في حقي وقد أخطأت في حق نفسي ..زواجي غلطة كبيرة يجب أن تصحح. قال:قبل أن تتخذي أي قرار يجب أن تعطي نفسك فرصة. ابتعدي فترة عن زوجك، اشغلي نفسك أي شيء دراسة أو عمل، ومن خلال ذلك أعيدى تقييم حياتك.

عملت بنصيحته أعلنت رغبتها في فترة ابتعاد عن زوجها، وقررت في الوقت نفسه أن تتقدم لامتحان الثانوية العامة. الغريب أن الجميع تصوروا أنها لعبة جديدة منها حتى زوجها لم يأخذ الأمر على محمل الجد وحاول أن يثنيها عن رغبتها، ولكنها تشبثت.

نجحت في الثانوية العامة وحصلت على مجموع لا بأس به، وأحست أنها قادرة على إعلان قرارها. آثرت أو فضلت أن يكون زوجها أول من يعلم. كان موقف صعب، ولكنها صممت عليه، اختبار مدى قراراتها.

قالت له: كان ما جمعنا مراهقة، كنت طفلة كنت أنت الآخر طفلا هذه هي الحقيقة وليس من المصلحة تجاهلها، قال بانفعال: لم تكتشفي ذلك إلا الآن فقط؟ أجابت: لأنني بدأت أنضج. قال مستخفيا: الدكتور هو الذي قال ذلك لقنك ذلك الكلام؟

وارتبكت بعض الشيء ولكنهاسرعان ما استردت شجاعتها قائلة: لم يلقني شيئا ولكنه أشعرني بأنني ناضجة ويجب أن أخلع رداء الطفولة وأن أعيش كأمراة ناضجة..هل أظل عمري كله الطفلة المدللة العاجزة عن اتخاذ أي قرار. قال بتهكم ومعه ردت لا أفكر حاليا في أي ارتباط، سأكمل تعليمي فى الجامعة ، بعد ذلك سوف أقرر ولكنني معه حتما سأكون إمرأة ناضجة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع