ماخور ثقافي

148
ماخور ثقافي
ريبر هبون

 

سليم يونس الروائي اللامع ذو الرأس اللصيق بين المنكيبين ، كما يحب أبناء قريته ممازحته منذ كان طفلاً ، الأطفال حينذاك يمازحون بعضهم بفظاظة ويداعبون بعضهم بالأيدي، بخاصة حينما يجدون طفلاً حليق الرأس ، فكانت هوايتهم صفع تلك الرقبة النظيفة الخالية من زغب الشعر، وما كان يغيظ زملاءه ويدفعهم للتحرش به أكثر أن لا رقبة لزميلهم قصير القامة سليم ، وقد ازدادت شهرته حينما راح عبر مجموعته القصصية الأولى يتحدث عن هذا وذاك من أبناء مدينته ، عن جدته التي كانت تتبول وهي واقفة والتي لم ينفك أن يجاهر بذلك مفتخراً، وقد تجاوزالخمسين من عمره، وعن مضاجعة أحدهم لخالته المقاربة لعمره أمام فيلم إباحي في منتصف الليل، وعن مجنون البلدة الشاذ و الذي همَّ بإدخال عضوه داخل فتحة المحرك الكهربائي وبمعجزة تم إخراجه من فتحة المحرك، وما جعله أكثر ذيوعاً حينذاك ذكره في قصتين بوضوح لاسمين وهما معروفين في قريته ، الأمر الذي جعل أحدهم يقوم بمهاجمته ولكمه عدة لكمات ، وبكتابته للقصص الفضائحية ذاع اسمه لاسيما بعد صدور روايته الأولى وتشهيره بالفتاة التي أحبها وتركته لتتزوج بطبيب وتسافر للخارج ، مما رأى أن أسهل طريقة ليتحول المرء لروائي وقاص ناجح هو أن يتحدث وينسج
. قصصاً حول الناس يقارب فيها الحقيقة أو الخيال وما بينهما
وقد أدرك جيداً أن الطريق إلى الشهرة هو لعق حذاء طرف سياسي قادر على أن يسلط الضوء على منتجه ويذيعه بعد أن يتبرك ويتمسح بهذا الحذاء بل ويحول كتاباته إلى ساحة تسويق إيديولوجية على طريقة مثقفي السلطة، يبيع الثناء والمديح والتمجيد لفئة، ويكيل الشتائم لأخرى ولمن يتبعها ،حتى يظل قادراً على أن يكون من ذوي الصيت والشهرة بمباركة وإغراءات تلك السلطة التي هي وراء اسمه فدونها لن يكون إلا هامشاً، حيث لا يتحلق سوى أنصاف المبدعين ممن لا ثقة لهم بأنفسهم حول سلطة حزبية تذيعهم بما يتفق ومصالحها، فمن يأبى التبرك بحذاء السلطة السياسية سيجد وحده كالجنازة الوحيدة التي يتأفف أحد من حملها لدفنها في المقبرة، فكان له ما أراد ، واستطاع بلوغ ما يريد عبر الامتطاء على جهود آخرين يتناولون أعماله، ويغرهم صيته وما يكتبه وبعد أن ينتهي منهم يلقيهم في سلال النسيان والإهمال، فآخر يكتب فيه مقالاً وآخر بحثاً وآخر كتاباً عن رواياته وآخر عن قصصه ، حتى انضم أخيراً لسباق من يؤلف ويطبع كتباً أكثر من الآخر، ليسابق بها روائياً قد بات خصمه اللدود بعد أن كان صديقه الحميم وباتا كل لجهة تبعيته لطرف سياسي يخوضان حرباً من الشتائم اللاذعة إذ لا يوفر أحدهما او كلاهما رواية أو حديثاً في
. مكان عام إلا لتكون مناسبة للتشفي والسباب والسخرية وكيل الاتهامات
وأخيراً عثر على من يستطيع أن يحمل أثقاله وهو ضياء الدين القريشي ، الذي وبعد هجرته لألمانيا اعتزل السياسة وفك ارتباطه بالجماعة السلفية التي كان يعمل معها ويكتب كتباً وعظية دينية ويهدي بعضها لشخصيات يعتبرها قدوة ومرجعاً له ، حيث مع بعض من التعديل في تخفيف لحيته وتجديل شعره ليتحول من سلفي سابق إلى حقوقي وليبرالي حالي، واتفقا معاً على أن يعيد نشر كتبه وأن يعلنا ذلك في حفل توقيع
ضياء الدين القريشي يكاد يجاري إن لم يضاهي سليم يونس حباً بل هوساً بالأضواء وعشقاً للظهور، فبمجرد أن تلقى سليم يونس دعوة مفادها عمل حفل توقيع له عن مجموعته القصصية الأخيرة حتى طار ليبلغ صديقه ضياء الدين
انتظر .من صاحب الدعوة ؟-
رواد يدير صالوناً كما يسميه وهو جزء من مدرسة خاصة لتعليم الأطفال اللغات –
عرفته؟-
نعم سيكون فرصة لإطلاق مشروع نشري لمؤلفاتك –
قبل ذلك عليّ تحييده ، فقد سببّ لنا متاعباً في الآونة الأخيرة-
على كلٍ سأتواصل مع مدير المدرسة وهو أستاذ سابق في الشريعة ولنا معرفة سابقة في الماضي ولن يروق
له أيضاً رؤية رواد وهو يدير الجلسات كما جرت العادة

لن اسمح لمثل رواد بإدارة الجلسة ، فقد دعا قبلي شخصاً لم يكن عمله إلا النيل مني ولن يروق للمنظومة
. التي أنتمي إليها الذهاب لمكان يديره هذا المأفون ، لكنها مناسبة لأعد له مفاجأة
في الحال سأحدث عبيد الله وسنتفق فيما بيننا نحن الثلاثة على أن يكون حفلنا خاصاً بنا وليذهب ذلك المعتوه
. ويروج الإعلان الذي نتفق عليه معتقداً كما جرت العادة أنه سيدير الجلسة برفقة صديقيه العازفين
لدي رأي خصمنا هو رواد أما عن العازفين سنقنعهم أن يبقيا –
لا اعتقد صديقي فهم يعملون معاً ولأشهر-
سأحدث عبيد اطمئن –
حسناً-
كتب ضياء الدين لعبيد : سنقيم أنا وسليم حفلاً مشتركاً وأريدك أن تدير الجلسة ، وسيكون ثمة حضور غفير، ومناسبة لتتعرف على أناس من منصتنا قد يكون لهم فائدة على المدرسة ، رواد ليس بذلك الشخص الكفأ لإدارة فعاليتنا ، خاصة أن عليه شبهات، ولا يتمتع بالتقوى وحسن التدين، وأنه يدعو ما هب ودب فلن يكون مناسباً أن نكون في خطة المدعوين من قبله ، تصرف فأنت مدير المدرسة فلا تدع الغوغاء يفسدون
. المكان الذي تعمل فيه
عندما رأى عبيد رسالته هاتفه وتحدثا مطولاً ثم أنشؤوا مجموعة ثلاثية عبر الواتسآب لتنظيم تلك الفعالية
بدوره سليم يونس أوهم رواد أن الأمور على مايرام وأنه مع رفاقه الفنانين وكالمعتاد ستقومون بدوركم في
. تنظيم هذه الفعالية لتكون ثقافية فنية في آن
ومضت الأمور على هذا المنحى لغاية موعد الأمسية والذي صادف يوماً مطيراً وبارداً في آن
رواد يخبر أصدقاءه بالمجيء قبل ساعة من موعد الحدث الثقافي، فيقوم بنشر الإعلان في كل مكان معتقداً أن تلك المناسبة الثقافية هو جزء من نشاط منتداه الثقافي وإن المدير سيسر بها وستكون له كلمة يلقيها قبل أن يشرع الثنائيان بإطلاق برنامجهما
وقد صادف أن التقى رواد بصديقيه العازفين هونر ولهنك وصعدوا معاً إلى مكان الحدث ففوجئوا بحضور مسبق وتجهيز على أكمل وجه
قابل رواد سليم مقطّب الحاجبين :
فراح يقول لرواد :
– ما هذا التنظيم الفاشل، لقد تأخرت في الحضور
– بسبب المواصلات فاعذرني
عبيد قصير القامة أغمي عليه من شدة وفود الحاضرين فقال لرواد :
بات من المهم إحداث تعديلات في إدارة هذا المنتدى، سأقوم بإدارة الجلسة اليوم .
كما تشاء –
راح ضياء الدين بلسانه المعسول يثني على لهنك صديق رواد في الإدارة،
لقد أثنى الكثيرون عليك أنك فنان مميز ومتألق و سيسعدني أن تعزف لنا تقاسيماً موسيقية ، أرجوك تصرف ،
. لا نريد للناس أن تشعر بالملل
استجاب لهنك تحت ضغط وإحراج ضياء الدين
بينما همس سليم في أذن رواد: اقترب لنتحدث قليلاً .
تفضل –
. ما هذه الخدمة السيئة لا يوجد حتى ماء لديكم يارجل ، أي إدارة هذه-
أستاذ سليم لقد جلبتم مسبقاً وحضرتم كل شيء ، فلماذا تسأل عن الماء، جلبتم العصائر والحلويات كان بإمكانكم جلب علب الماء أيضاً . ثم نظر إلى شاشة هاتفه التي وضعها سليم على نحو مكشوف وبشكل مقصود أمام عيني رواد ليخبره بشكل غير مباشر أنه مستبعد ، ونظر للكروب الثلاثي، لقد تم تجهيز كل
. شيء دون علم إدارة المنتدى
:سليم أضاف
لقد أخبرت ابن عبيد مدير المدرسة أن يشرف على عملية بيع كتبي ويقوم باستلام المال لقاء من يريد اقتناء نسخ من كتبي فلم يستجب ، أليس هناك من أحد بإمكانه أن يشرف على ذلك
:تبسم رواد قائلاً
ذات مرة سخرت من خصمك على الضفة الأخرى الروائي دروست أنه يهتم كثيراً بالقروش وببيع كتبه ، أنت الآن مثله ، بإمكانك ياصديقي ببساطة أن تفعل كما فعل صديقك القديم وخصمك الحالي، أوكل لزوجتك مهمة استلام المال ، أو لعشيقتك الجالسة على الطرف المقابل منها ، أم أن تلك الأخيرة لا تجيد سوى الخلع
. لك
تحول هذا الهمس إلى هرج ومشادة شبه كلامية ، ترك رواد الصالة وخرج دون أن يخبر أحداً عائداً أدراجه إلى البيت ثم تبعه صديقاه ليتحول الذين أداروا الجلسات الثقافية ولأشهر إلى مجرد غرباء طارئين و ثقلاء غير مرغوب بهم ، وليتحول الذين تمت دعوتهم إلى ذاك المنتدى لأهل المكان وسادته.

اصطحب سليم عائلته وكذلك كل أصدقاءه والأطفال منهم، فكل من يأتي ضروري لأجل الإعلام والتصوير، ضياء الدين بدوره جلب رقعة قماشية عليها صورته مع الروائي ، الصالة التي تألفت من غرفتين بالأصل تمت توسعتها عبر إزالة الجدار الكرتوني المدهن بالأبيض ، فاكتظ بحضور جميل وبهي.
في المساء اجتمع رواد وصديقيه يتملكهم حنق عميق وهم يحصون خيباتهم فيرمقون بعضهم بنظرات تنم عن حيرة ارتسمت على هيئة سحنات متعبة خرجت لتفتش عن سكينة ما
هنا في بقعة متحضرة يمارس من ألِف حياة الحضيض ذلك الفساد الأخلاقي تحت عباءة الثقافة والإبداع
. والتنوير والأدب
هذا البغاء المرتدي أغلفة الكتب يتمُّ جنباً إلى جنب مع التردي السياسي ليغدو عنواناً لواقع أمة يمارس مدعو التحضر والتنوير فيها قبل العوام النفاق والازدواجية وديدنهم دهس كل نبتة تنمو ببطء تحت الصخور
. وتحطيم كل محاولة للنهوض أو الخروج من براثن الرمال المتحركة

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع