لقطة

24

كانت تقف في مؤخرة حافلة نقل الركاب ” ذكرها الله بالخير ” ولأن الزحام فيها كان على أشده فقد بقيت واقفة فيها مع آخرين غيرها طوال الوقت متململة ضجرة حينما أحست بشعور غريب ينتابها ويضايقها أدركت بعد هنيهة إن هناك من يحاصرها بنظراته باطراد , لم تكن في عمر ولا في وضع لمثل هذا فهي امرأة نصف ولها بضعة أولاد ومتعبة للغاية مثل قافلة تجتاح الطرق منذ الأزل ولمّا تصل لوجهتها بعدُ . ومرة أُخرى بل مرات ارتمت عليها النظرات كما أخبرها إحساسها لا عينيها – وكانت تكره ذلك تكرهه كثيراً منذ طفولتها كما تذكر إذ طالما كانت تنهر من يحدق في وجهها من أفراد أسرتها وكثيرا ما كانوا يفعلون ذلك لا لسبب معين – عادت النظرات لتمسح وجهها حتى إنها غدت تشبه مادة لاصقة تكاد تسيل على وجنتيها البارزتين كانت تلم بعلم الباراسيكولجي شيئاً ما فعرفت إن هناك من ينظر اليها بالحاح لذا رفعت نظرها المجهد هذه المرة من خلف نظارتها – التي غدت دبقة شبه معتمة ولم يتسن لها بعد تنظيف عدستيها من الطباشير الذي نزفته السبورة عليها – لتر لمن هذه النظرة الملحاحة والتي لا تدري إن كانت وقحة فحسب أم إنها لجوجة لأمر آخر . رفعت رأسها وبنظرة واحدة أدركت وتبينت إن النظرات لرجل فارق الشباب وشيكاً , كان يشبه أحد أولاد عمومتها وفي نفس عمره غير إنه ليس هو . هي لا تعرفه أبداً ولا يمكن أن يكون لنظراته اللجوجة من معنى أبداً فهي لا تستطيع أن تفسر سببها قط وقد حاولت فلم تصل لنتيجة . حين نزلت من حافلة نقل الركاب الحمراء الكبيرة إذ وصلت غايتها , وجدته قد ترجل هو الآخر منها قبلها لم تبال فليست هي طفلة ولا مراهقة لتبال لمثل هذا الأمر ولا لغيره فقد عركتها الحياة حتى أدمتها ودبغت جلدها حتى تثخن ليشبه جلد فيل أو تمساح ضخم فلم تعد تأخذ الأُمور بحساسية مفرطة كما كانت تفعل سابقاً حينما كانت غرة بلا خبرة في الحياة العملية . كانت تريد الوصول الى موقع عمل ابنتها في الشركة لتخرجا لعمل ما معاً اتفقتا عليه مسبقاً بالأمس . سارت في دربها ناشطة بعض الشيء وبما يسمح به عمرها ووزنها من جهة ومن جانب آخر ما يبثه إحساسها بدنو الحصول على ما تريد وما رغبت به طويلاً ولم يأُن الا الآن وقته , وحين ولجت الغرفة التي تعمل فيها ابنتها وهي تعرفها جيداً من زيارة سابقة قديمة وجدته في وجهها تماماً يجلس على كرسي أمام منضدته إذن هو زميل جديد لابنتها – وكانت نظرة من الإرتياح الموشى بالغرور وتقدير الذات ترتسم على ملامحه وتجر زاويتي فمه الى الجانبين بابتسامة حاول أن يبتلعها فأخفق لشدة حماسته وفرحه لفوز أحداسه – وهنا فهمت فوراً واتضح لها سبب تحديقه فيها طوال الطريق فلا بد إنه كان قد لمح فيها شبها طفيفاً بزميلته فهو يحاول أن يتحقق مما يرى ويبحث عن ملامح اخرى عساها تؤكد له حسن فراسته وتثبت له ذكاءه … تؤكدهما أو تنفيهما .
سمية العبيدي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع